إعلان

فرنسا بين جنرالات السّاحل وجهاديّيه

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
الجنرال غويتا
الجنرال غويتا
A+ A-
طموحات الجنرال أسيمي غويتا الذي قاد الانقلاب العسكري في مالي في آب (أغسطس) 2020، ومن ثم قاد الانقلاب الثاني في أقل من تسعة أشهر، لا حدود لها. وذهب بعيداً في إحراج الدول الإقليمية، فضلاً عن فرنسا التي تقود منذ عام 2013 عملية "برخان" العسكرية لمواجهة تمدد التنظيمات الجهادية في مالي ومنطقة الساحل عموماً والتي تضم أيضاً، التشاد والنيجر وبوركينافاسو وموريتانيا. 
 
الجنرال البالغ من العمر 37 عاماً، نصّبته المحكمة الدستورية بعد الانقلاب الثاني الأسبوع الماضي، رئيساً للبلاد، وكلفته تعيين رئيس للوزراء وقيادة المرحلة الانتقالية التي كان تم التوافق عليها عقب انقلاب آب، وتمتد 18 شهراً تجري في نهايتها انتخابات رئاسية وتشريعية. 
 
وفرض الجنرال أمراً واقعاً، اضطرت معه مجموعة دول غرب أفريقيا "إيكواس" التي تضم مالي، إلى القبول بالأمر الواقع والمساومة على إطلاق الانقلابيين الرئيس باه نداو ورئيس الوزراء مختار أوان. أما لماذا انقلب غويتا على الرئيس ورئيس الوزراء وهو الذي كان اختارهما في آب ليكونا واجهة للحكم العسكري، فذلك عائد بحسب رواية الانقلابيين أنفسهم، إلى تجرؤ نداو وأوان على إجراء تعديل حكومي، أعفيا بموجبه وزيرين من دون استشارة غويتا، فكان "الانقلاب داخل الانقلاب" واعتقال الرئيس ورئيس الوزراء. 
 
وليست مجموعة دول غرب أفريقيا هي وحدها التي تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع الأمر الواقع في مالي، بل إن فرنسا تجد نفسها يوماً بعد يوم أن لا جدوى من استمرار عمليتها العسكرية في الساحل، في ضوء العجز الذي تواجهه في كبح شهوة العسكريين لتسلم السلطة في مالي أو في التشاد، التي نصّب فيها الجنرال محمد ديبي نفسه رئيساً بعد مقتل والده إدريس ديبي على أيدي متمردين في نيسان (أبريل) الماضي. 
 
ووصول الجنرالات إلى السلطة، من شأنه أن يفتح صراعات داخلية، ستنعكس حكماً على مواجهة الجهاديين، الذين صارت هجماتهم أكثر جرأة في الأشهر الأخيرة.    
ولم تكد فرنسا تحتوي مضاعفات انقلاب آب في مالي حتى وجدت نفسها أمام جنرال آخر في التشاد يقفز إلى السلطة وينصّب نفسه رئيساً في اليوم نفسه لمقتل والده، وها هي الآن تواجه تنصيب الجنرال غويتا نفسه رئيساً بقرار شكلي من المحكمة الدستورية. 
 
باريس تواجه أسئلة صعبة في منطقة الساحل. وهذا ما يفسر تحذيرين أطلقهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلة مع صحيفة "لو جورنال دو ديمانش" الأسبوع الماضي. التحذير الأول مفاده أن باريس "لن تبقى إلى جانب بلدٍ لم تعد فيه شرعيّة ديموقراطيّة ولا عمليّة انتقال". والتحذير الثاني، جاء فيه أن فرنسا ستسحب قواتها من مالي إذا سار هذا البلد نحو "الإسلام الراديكالي"، وذلك في تنبيه قبل تعيين رئيس للوزراء قد يبدي تساهلاً مع الجهاديين.
 
وربما حاول ماكرون عبر تحذيره استباق الانفتاح الذي يبديه الضباط على الحوار مع بعض قادة الجهاديين. والشخصية التي يجري تداول اسمها كثيراً لتولي منصب رئيس الوزراء الجديد في مالي هي شوغيل كوكالا مايغا، الوثيق الصلة بالإمام المحافظ النافذ محمود ديكو المؤيد أيضاً لمثل هذا الحوار الذي ترفضه باريس.
 
قريباً جداً قد تجد فرنسا نفسها مرغمة على اتخاذ قرارات حاسمة في ظل التطورات الداخلية المتسارعة في دول الساحل. والتعويل على أن قيادة العسكريين لمراحل انتقالية نحو انتخابات ليست مضمونة التحقق، لا في مالي ولا في التشاد.    
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فرنسا أن تخاطر بإبقاء قواتها في مالي، إذا ما كانت صفقة تلوح في الأفق بين العسكريين وتنظيمات جهادية. والوقوف في الوسط بين ناري الجهاديين والجنرالات، لن يكون خياراً مقبولاً أو ذا جدوى، وربما يكون الانسحاب في هذه الحال الأكثر ترجيحاً.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم