إعلان

"داعش"... الدولة المتحركة

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
"داعش" في الساحل الأفريقي
"داعش" في الساحل الأفريقي
A+ A-
فبل خمس سنوات صدر عن "دار الساقي" في بيروت كتاب يحمل عنوان: "داعش عودة الجهاديين" للصحافي البريطاني باتريك كوكبيرن ترجمته الى العربية ميشلين حبيب... كوكبيرن هو مراسل صحيفة "الأندبندنت" في الشرق الأوسط، وقد عمل في السابق مراسلاً لصحيفة "الفايننشال تايمز"، ويكتب بانتظام لمجلة "لندن ريفيو أوف بوكس" الفكرية الأدبية، وهو أحد المهتمين بالشأن العراقي وقضايا الشرق الأوسط.

يشير كوكبيرن في كتابه إلى أن بزوغ "الدولة الجديدة" كان في حزيران (يونيو) 2014 وذلك بعد سيطرة مليشياتها على الموصل عاصمة العراق الشمالية إثر إنهزام الجيش العراقي في معركة شنتها قوات "داعش" وانتهت بفرار الجيش العراقي إلى كردستان حيث الأمان، يلمح كوكبيرن في هذا الصدد إلى غياب العقيدة لدى الجيش العراقي الجديد الذي صرفت عليه ملايين الدولارات، فالجنود والضباط تخلوا عن مواقعهم ولباسهم العسكري، ففي أواخر شهر حزيران (يونيو) 2014 أعلن قائد الداعشيين آنذاك "أبو بكر البغدادي" تأسيس خلافة تمتد من داخل العراق وسوريا يقول عنها "إنها دولة حيث العربي وغير العربي، الأبيض والأسود، الشرقي والغربي، جميعاً إخوة... سوريا ليست للسوريين، والعراق ليس للعراقيين، إن الأرض هي ملك لله"... 

هكذا انطلقت ما سمت نفسها "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، حيث ارتكبت من المجازر ما سيظل شاهداً على وحشية إستثنائية أصرت "داعش" على توثيقها وإضفاء كثير من الإثارة عليها، بشكل يضاهي أعمال هوليوود السينمائية، بهدف بث كثير من الخوف في خصومها وفي سكان المناطق التي مارست فيها ساديتها.

يشير كوكبيرن الى أن الخوف يبقى من اللبنات الأساسية التي اعتمدت عليها "داعش" لبناء معسكرها الجهادي، ففي الموصل عاصمة العراق الشمالية، وبمجرد دخول "داعش" واستحواذها على المدينة، تم منع حرية التجول واكتفى السكان بمتابعة الحملات الاعلامية عبر التلفاز، وهو ما زاد من حدة الصراع وأدخل سكان الموصل في دوامة الحرب الأهلية ودفعهم الى اقتناء الأسلحة بدل الغذاء.

تطور الأمر فصارت "داعش" على حدود بغداد وتمتد إلى كردستان العراق، كما توسعت في سوريا وأضعفت قوى المعارضة التي كانت قد نجحت في تحرير عدد من المناطق، ووجهة سلاحها الى أكراد سوريا في معارك طويلة في كوباني... باختصار، هاجم "داعش" الجميع... المعارضة والنظامين العراقي والسوري، وحدها إسرائيل نجت من عنف "داعش"، علماً أن قواتها كانت على مرمى حجر من الجولان السوري المحتل ومن فلسطين...!

كثيرون يؤكدون أن "داعش" صناعة غربية خالصة، أو على الأقل استثمرت فيه المخابرات الغربية لتنفيذ أجندة الفوضى الخلاقة بعد استنفاد دور "القاعدة"، فظهوره السريع وإنتشاره الأسرع على حساب دول عريقة وذات سيادة وعلى مساحة جغرافية واسعة، وتوفره على السلاح والآليات الثقيلة في منطقة ملتهبة هي محط إهتمام العالم ككل، لا يمكن أن يتحقق من دون أن يكون بموافقة أو رضا تلك المخابرات.

تنتقل اليوم "داعش" إلى أرض رخوة أخرى هي منطقة الساحل والصحراء، هذه المنطقة التي تمثل قلب إفريقيا، توجد اليوم في مواجهة تحد كبير، فإضافة إلى هشاشة بنية الدولة هناك واستمرار الانقلابات والاغتیالات السياسية كما حدث أخيرا في تشاد ومالي، فإنها تمثل بيئة مثالية لدخول "داعش" المتحركة جولة جديدة في مسيرتها، لكن يبقى السؤال هو بأي هدف، بخاصة أن جزءا كبيرا من القارة الإفريقية يبقى هشا وقابلا للانفجار بحكم الإرث الاستعماري وقسرية ظهور الدولة هناك في تماس مستمر مع بنيتها القبلية الأصلية التي مازالت تقاوم فكرة الدولة الوطنية، ومتى توافرت شروط إحياء مجازر الهوتو والتوتسي مثلا، فإنها ستكون على إستعداد للوقوع في المحظور، ولعل تجربتها في شمال نيجيريا وتنسيقها مع تنظيم "بوكو حرام"، يمثلان صورة لما يمكن أن يكون عليه الأمر في قارة ما زال يغلب على جزء واسع من تدين أفرادها الطابع الوثني والمعتقدات الدينية القديمة، بما يتوافق مع سرديات التكفيريين من زعماء "داعش" وغيرها من الجماعات المتطرفة. 

الطابع المتحرك لدولة "داعش" العابرة للقارات، يظهر أيضاً في آسيا من خلال الاستثمار في محنة المسلمين في ميانمار أو في الصين مع أقلية الإيغور، حيث تمثل نماذج التصفية العرقية هذه، شرطاً مثالياً للاستقطاب ولاستمرارية الدولة المزعومة، فهل تستطيع "داعش" الحفاظ على قدرتها على التعبئة في سياقات ومجالات جغرافية تختلف عن تلك التي ميزت ظروف النشأة والتأسيس، أم أنها استنفدت دورها وما حضورها في منطقة الساحل والصحراء وبعض بلدان آسيا سوى ما يمكن تسميته برقصة الديك المدبوح الذي يغلب عليه منطق الذئاب المنفردة بدل الخطر الذي كانت تمثله فكرة الدولة؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم