إعلان

"الأشياء تتداعى"

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
مقر الرئاسة الفلسطينية
مقر الرئاسة الفلسطينية
A+ A-
كان الأمر بالنسبة الى السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس يدور حول الساكن الجديد في البيت الأبيض، لم يذهب الأمر أبعد من الحديقة التي وقّع فيها أبو مازن بنفسه مع شمعون بيريس، كتتويج لفكرته عن "السلام" بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل، اتفاقيات أوسلو عام 1993، بحضور كلينتون وعرفات ورابين.
 
كانت الفكرة تدور حول عودة الدعم المالي للسلطة ووكالة تشغيل وغوث اللاجئين، وإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية، وإعادة فتح ممثلية منظمة التحرير في واشنطن، ثم معاودة الانتظار، انتظار أن يفرغ جو بايدن وفريقه من جدول أعمال لا يحظى فيه الشرق الأوسط بموقع متقدم.
 
لقد استثمرت قيادة السلطة، والمقصود هنا الرئيس، إذ لا مجال لأي اقتراحات حقيقية في معظم الشأن الفلسطيني خارج مخيلة أبو مازن وإدارته، وهذا ينطبق على توزيع لقاحات كوفيد ـ 19 بالقدر نفسه الذي ينطبق على زراعة وزراء بعينهم في أي تشكيلة وزارية مقترحة أو أعضاء لجنة تنفيذية، أو سفراء أو مواقع ذات دلالة، الى الإعلان عن إجراء انتخابات عامة ثم إلغائها، مروراً بفصل أعضاء من اللجنة المركزية والإبقاء على آخرين وتوبيخ آخرين على الملأ، الى العلاقة مع إدارة البيت الأبيض وأنظمة الإقليم... 
 
لقد استثمرت السلطة الكثير خلال حقبة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، لعل مصطلح الاستثمار يفتقر الى الدقة لو تذكرنا أن كل ما فعلته خلال تلك الفترة، الجلوس في الزاوية وتلقي اللكمات بانتظار أن يدق الجرس، وأن سياستها كانت طوال الوقت قائمة على ذلك التكتيك المؤلم لتمرير الوقت.
 
القراءة المتعالية للواقع الفلسطيني وفلسفة "الاستخدام" للشارع حجبت عن صانع القرار الفلسطيني فهم حركة الناس وتتبع الإشارات. "الشرعية" في المشهد الفلسطيني لم تعد قلعة حصينة يمكن الجلوس خلف أسوارها، لقد تآكلت تآكلاً محزناً.
 
تفاقم الضرر الذي لحق بمصداقيتها، التي هي "شرعيتها" أيضاً، في غياب المؤسسات التمثيلية وتجاهل المجتمع المدني، وغياب الحوار، وسياسات الإقصاء والبحث عن الولاء وتكديسه.
ببساطة فقدت السلطة أهميتها، لم تعد مهمة للشارع، وانزوت في دور الوسيط الذي انتقلت اليه منذ سنوات، الوسيط في دفع رواتب الموظفين وأجهزة الأمن، الوسيط في إدارة شؤون الحياة تحت الاحتلال، وها هي تتهيأ لتتسلم دور الوسيط في تمرير أموال الإعمار في غزة.
 
لم يكن ما حدث مخططاً له أو مدبراً أو محتملاً في مخيلة السلطة، فقد جرى ترتيب الأمور على نحو مغاير تماماً، السياجان، "فتح" والمنظمة، اللذان واصلا حمايتها لم يعودا قادرين على أداء المهمة، "فتح" وقواعدها العريضة التي انتقلت الى المواجهة من دون العودة الى رأس الهرم، سواء عبر القوائم الانتخابية التي ظهرت ببرامج مغايرة لبرنامج "المقاطعة"، أم مبادرة الشبيبة الجسم الأكثر حيوية في الحركة والتحاقه بحركة الشارع لتأكيد حضوره في المواجهة، كان تحركاً حمل الى جانب انحيازها الى الناس اعتراضاً متراكماً على سياسات القيادة، أو عبر منظمة التحرير التي تتهاوى بتسارع قياسي مثل جدار هش بقي محصناً في ماضيه الى أن تكشف عن جسد هرم تقادمت عليه الأغبرة والترهل. 
 
لم تستفد الدبلوماسية الفلسطينية من دروس ما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، واصلت خمولها الذي ورثته عن ديكتاتورية الأحزاب الحاكمة في أوروبا الشرقية، حين لم يكن ضرورياً التحرك أو المبادرة أو العمل في أوساط المجتمعات والحوار مع الشرائح الاجتماعية، واكتفت بمواقف الأحزاب الحاكمة و"تضامنها" المأمون، فوجدت نفسها عاجزة عن التحرك وغريبة، تكاد تكود معادية، عن حركة هذه المجتمعات ونزوعها للحرية.
 
الخسارات ذهبت أبعد من ذلك لتشمل كل شيء تقريباً، دورها الوطني وإدارة الشأن العام، أو قدرتها على استعادة شيء من الثقة المبددة بعد تأجيل/إلغاء الانتخابات، ثم الحضور الباهت خلال مواجهات القدس وحي الشيخ جراح واقتحامات الأقصى وقبلها حي سلوان، وتلاشي هذا الدور تماماً خلال المواجهة التي فرضتها "حماس" وربطتها مباشرة بالمواجهات في القدس، بحيث قدمت نفسها الجهة القادرة على التحرك والدفاع عن العاصمة.
 
ليس ثمة نصائح يمكن تزجيتها هنا، لقد انتقل الصراع الى منطقة جديدة وبقيت "قلعة" السلطة وحيدة في برّيتها الافتراضية، حيث لا شيء يحدث ولا أحد يجيء، وحيث "الأشياء تتداعى" وتسقط خارج المشهد الجديد الذي يواصل تحققه.
 
*"الأشياء تتداعى" رواية النيجيري تـشينوا أتشيبي.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم