إعلان

بعد العشرينية الأميركية... أفغانستان إلى أين؟

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
عناصر من طالبان
عناصر من طالبان
A+ A-
كما شكل الغزو الأميركي لأفغانستان قبل عشرين عاماً نقطة تحول جيوسياسي في تاريخ هذا البلد والمنطقة المحيطة به، فإن الإنسحاب أيضاً سيشكل مرحلة مفصلية في مستقبل هذا البلد الذي عانت الإمبراطوريات التي غزته من قبل وآثرت في نهاية المطاف الرحيل لأنها لم تعد تستطيع دفع كلفة البقاء. 
 
وعندما اتخذ الرئيس الأميركي جو بايدن قراراً بإنهاء أطول حرب أميركية في الخارج بدأها جورج دبيلو بوش عام 2001، فإنما فعل ذلك رغم أن تقارير الاستخبارات والبنتاغون، كانت تحذر من مخاطر الانسحاب الكامل، وما يمكن أن يليه من سيطرة حركة "طالبان" على كابول والتشكيك بقدرة الجيش الأفغاني واحتمالات صموده أمام هجوم شامل للحركة، الأمر الذي سيضطر القوات الأميركية للعودة مجدداً، على غرار التجربة العراقية. 
 
ومع ذلك، رأى بايدن أن مخاطر البقاء تفوق كثيراً كلفة البقاء في "حروب لا تنتهي". 
ومن ناحية أخرى، يتعين التنبه لها في خلفيات قرار بايدن، وهي أنه بعد الانسحاب الأميركي، يصير الأفغان أنفسهم أمام تحدي تقرير مصيرهم بيدهم، فإما التوصل إلى حل لتقاسم السلطة أو تجدد الحرب الأهلية. 
 
وقد يكون في خلفيات قرار بايدن أيضاً، أنه بعد الخروج العسكري الأميركي، لا تعود أميركا وحدها المسؤولة عما يجري داخل أفغانستان، بل إنها عندئذٍ تتحول مسؤولية تشارك فيها دول الجوار، وفي مقدمها باكستان وروسيا والصين وإيران. ولا ريب في أن الإنسحاب الأميركي، سيزيد من نفوذ هذه الدول في الداخل الأفغاني، لكنها في المقابل، ستكون معنية بمنع إنفجار شامل للوضع وعودة البلاد ملاذاً آمناً للتنظيمات الجهادية الأخرى، وفي مقدمها "القاعدة" و"داعش".
 
عند هذه النقطة، يصير من مصلحة الدول الإقليمية السعي إلى تسوية أفغانية داخلية، لا يستأثر فيها طرف واحد بالغلبة والقرار. وإذا ما انعكست التوازنات الإقليمية، توازناً داخلياً في أفغانستان، يكون ذلك عاملاً مهدئاً. والعكس صحيح. 
 
أما إذا تجددت الحرب الأهلية، فعندها يسهل على التنظيمات الجهادية التسلل مرة أخرى إلى أفغانستان. والتجربة العراقية، تفيد بأن الصراع السياسي الحاد الذي تلا الانسحاب الأميركي عام 2011، كان سبباً أساسياً في صعود تنظيم "داعش" عام 2014.  والأمر نفسه قد يتكرر في أفغانستان. ويعيش الصومال اليوم مثالاً حياً، على كيفية انتهاز حركة "الشباب" الموالية لتنظيم "القاعدة"، فرصة تجدد الصراع السياسي بين القوى الأفغانية، كي توسع نفوذها في هذا البلد وتحاول بسط السيطرة مجدداً على مقديشو، وهذا أمر إن حصل لن يكون في مصلحة لا الصومال ولا الدول المحيطة بالصومال، والتي ستصير أكثر عرضة للهجمات الجهادية على غرار ما حصل في كينيا وأوغندا.   
 
وأفغانستان، مرشحة في حال تجدد حروبها الأهلية، لأن تكون مرة أخرى منصة تنطلق منها الهجمات الجهادية في مناطق مختلفة من العالم، على غرار هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة.    
وهذا احتمال قائم يتجاوز منطق التكهن فقط. واستناداً إلى ذلك، يترقب العالم مآلات الوضع في أفغانستان من الآن وحتى 11 أيلول (سبتمبر) تاريخ انسحاب آخر جندي غربي من البلاد، والمرحلة التي ستلي الإنسحاب.   
 
والسيناريوات متعددة ويغلب على معظمها التشاؤم، إلا إذا قررت الدول الإقليمية، لا سيما باكستان، صاحبة النفوذ الأكبر على "طالبان"، أن تلعب دوراً في دفع الحركة إلى اتفاق مع حكومة كابول، يقي البلاد شر تجدد الصراع الأهلي. 
 
قرار الإنسحاب الأميركي يبدو وكأنه أعتق واشنطن من مسؤولية ما سيحدث في أفغانستان مستقبلاً، رغم أن غزو العام 2001، ستبقى مفاعيله مستمرة سواء في الذاكرة أم في قابل الأيام. وسيذكر التاريخ حقيقة واحدة وهي أن الولايات المتحدة أخفقت بعد عشرين عاماً في مهمة "بناء أمة" أفغانستان. 
أما كيف ستكون أفغانستان في السنوات العشرين المقبلة، فهي مهمة للتاريخ!!!
 
الكلمات الدالة