إعلان

حركة "ماك" الإنفصالية وعقبة الحوار المفقود في الجزائر

أزراج عمر  
أزراج عمر  
من تظاهرات "ماك" في الجزائر
من تظاهرات "ماك" في الجزائر
A+ A-
لا يزال غياب الحوار الناضج حول الحلول الناجعة للمسألة الأمازيغية، بشكل خاص، واستمرار انسداد أفق تداول الحكم، بشكل عام، ينذران بتفاقم الأزمة في المشهدين السياسي والأمني الجزائري.
 
ويلاحظ أن ذيول هذه الأزمة المركبة تأخذ الآن أشكالاً خطيرة تتمثل في توافر الظروف لخيار حركة "ماك" الذي يتلخص، ليس في تقسيم الجزائريين إلى بربر وعرب فقط، وإنما في تقسيم حتى الأمازيغ أنفسهم إلى ملل ونحلل وذلك بتركيز هذه الحركة دعوتها على انفصال منطقة القبائل فقط التي كانت تشمل، قبل التقسيم الإداري في عهد الرئيس الراحل الشاذل بن جديد، ما كان يدعى منطقة القبائل الكبرى وعاصمتها الإدارية تيزي وزو ومنطقة القبائل الصغرى وعاصمتها الادارية بجاية. 
 
في ظل هذا الوضع المتأزم دعت أخيراً بعض الشخصيات الوطنية وبعض تشكيلات المجتمع المدني، إلى التعامل مع دعوة حركة "ماك" بمزيد من الاستجابة لمطالب إنشاء كتابة الدولة للثقافة الأمازيغية التي يوكل إليها أمر تطوير الثقافة الأمازيغية، وكتابة الدولة للتعليم الأمازيغي وتكون مهمتها عصرنة البحث العلمي لجعل اللغة الأمازيغية لغة الكتابة والفكر والعلم والأداب الرفيعة، وكذلك إنشاء مركز وطني يشرف على تدشين وتطوير الصحافة المكتوبة ومجالي السمعي والبصري باللغة الأمازيغية من أجل إطلاق الصحف والمجلات التي تساعد على إغناء هذه الللغة وإخراجها من النطاق الشفوي ومن أسوار المدارس أو الجامعة المغلقة إلى فضاء الوجود الحقيقي في المجال العام الحيوي.
 
وهناك من يقترح أيضاً تعميق ثقافة الانفتاح الديموقراطي في الأوساط الشعبية والنخبوية، وحلّ عقد المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تفرخ اليأس ومختلف أشكال العنف المادي والرمزي في المجتمع. وثمة من يدعو إلى فتح الحوار بين النظام الحاكم وبين عموم سكان منطقة الأمازيغ عبر الجزائر العميقة بهدف تحريك مواطني محافظتي تيزي وزو وبجاية بخاصة، وجعلهم موانع تبطل أي تهديد حقيقي للوحدة الوطنية.
 
وترى جهات تريد كبح جماع التيار الاستئصالي داخل أجهزة النظام الجزائري أن وضع حركة "ماك" في قائمة الحركات الإرهابية قد يورط الجزائر ويسيء إلى سمعتها دولياً على المدى القريب والبعيد ومن شأن ذلك أن يجهض أيضاً السياسات الجزائرية التي ما فتئت تحاول أن تستقطب السياح وأن تنفخ الروح في جسد السياحة الجزائرية المتهالك. 
وزيادة على ذلك، فإن الاعتراف الجزائري الرسمي بوجود إرهاب جزئي في الجغرافيا الوطنية قد يلعب دور الهدم الذاتي المتمثل في الترويج للصورة السلبية للبلاد ما سيحجم وتيرة جلب الاستثمار الأجنبي الذي يعتبر عاملاً أساسياً في ضمان ازدهار الحياة الاقتصادية الوطنية.
أما حظر نشاط حركة "ماك" عبر الفضاء الجزائري كله ومنعها من المشاركة في التظاهرات السلمية وفي التعبير الحر وبموضوعية عن أراء المنتمين إليها عبر وسائل الإعلام المختلفة، فينظر إليه عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان وطنياً أنه علاج سلبي يخل بالقوانين المعمول بها دولياً لحماية وضمان حقوق الأقليات.
 
ومما يعقد الأمر هو أن السلطات الجزائرية اتهمت ناشطين داخل حركة "ماك" بالعمالة لجهات أجنبية وفي المقدمة اليمين الفرنسي المتطرف الذي ما فتئ يحاول التأثير في الإثنيات وتوظيفها في مستعمرات فرنسا السابقة بقصد تفكيك نسيجها. وانتقدت السلطات الجزائرية أخيراً فرنسا عبر توجيه رسائل مشفرة نشرتها وسائل الإعلام الجزائرية، وحذرتها فيها من مغبة مواصلة تشجيع هذه الحركة بفتح الأراضي الفرنسية لقياداتها وفي مقدمهم زعيمها المغني فرحات مهنّي الذي يستخدم باريس مقراً لنشاطاته وللحكومة الموقتة التي يرأسها شخصياً في المنفى. 
 
وتتهم السلطات الجزائرية مجموعات تنتمي تنظيمياً إلى حركة "ماك" بممارسة، خلال شهر رمضان، سلوكات معادية اعتبرتها مكرسة للالحاد ومنافية لحرمة رمضان وللوازع الديني المشترك بين المواطنين والمواطنات الجزائريين. 
 
في خضم هذا الوضع المتوتر، بثت وسائل الإعلام الجزائرية أخيراً صوراً لشخص أتهم بأنه ينتمي إلى حركة "ماك" وإلى خلية سرية تسعى إلى امتلاك السلاح لاستخدامه في أوساط الحراك الشعبي. وجراء ذلك اعتقلت أجهزة الأمن الجزائري بعض عناصر هذه الحركة كإنذار أولي لقياداتها وللأعضاء الآخرين الفاعلين فيها، ولكن ثمة جهات وطنية تعتبر هذه التهم غير مؤسسة على حقائق دامغة.
وفي الحقيقة، فإن هذه الوضعية المتوترة راهناً هي نتاج تراكمات قديمة وحديثة معاً وإن كانت حركة "ماك" مجرد حركة صغيرة جداً وليس لها امتداد قوي في الجزائر العميقة.
 
رغم ذلك، ينبغي أن نشير إلى أن حركة "ماك" التي تأسست في عام 2002 تحت شعار " ننكسر ولا ننحني" تختلف راديكالياً في أهدافها الاستراتيجية وفي فهمها للإثنية وللعرقية عن التيارات الأمازيغية الأخرى في الجزائر. فهي تهدف جوهرياً إلى تقرير مصير منطقة القبائل فقط  وتحقيق أستقلالها عن الجمهورية الجزائرية، علماً أن هذه المنطقة تشمل انتقائياً ثلاث محافظات فقط هي تيزي وزو والبويرة وبجاية وبعض أطراف محافظة بومرداس المتاخمة للعاصمة. 
 
 وهذا يعني أن حركة "ماك" تطالب بالانفصال الكلي لمنطقة القبائل فقط وتستثني ما يطلق عليه مناطق العرب ومناطق الإثنيات الأمازيغية الأخرى مثل منطقة بني المزاب، ومنطقة الأوراس، ومنطقة الشينوة ومنطقة الطوارق وما يجاور هذه الفضاءات. وفي هذا الخصوص فإن حركة "ماك" تتناقض مع النزعة البربرية التي نشأت بدءاً من عامي 1946 و 1947 في نقطة محددة وهي أن هذه الأخيرة كانت تدعو، في ظل الاستعمار الفرنسي، إلى الاعتراف بالهوية البربرية الكلية التي تشمل كل الأمازيغ الجزائريين وعلى امتداد الجغرافيا الجزائرية كلها ولم تكن إنتقائية ومركزة على الإثنية القبائلية فقط (أي سكان الفضاء الجغرافي الذي يشمل محافظات القبائل الكبرى والقبائل الصغرى). 

وأكثر من ذلك فإن حركة "ماك" تتباين في الجوهر عن مضامين "حزب القوى الاشتراكية" (الأفافاس) الذي أسسه أحد زعماء "ثورة نوفمبر" التحريرية أيت أحمد الحسين عام 1963 والمتحدر من أصول المرابطين البربر في محافظة تيزي وزو. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حزب "الأفافاس" ذو نزعة إشتراكية أممية وغالباً ما اعتقد أن الحل الملائم للقضية الأمازيغية ليس الانفصال عن الجمهورية الجزائرية وإنما يكمن في الاعتراف بفرادة ثقافة الأمازيغ وهويتهم ضمن الإطار الوطني الجزائري الديموقراطي الموحد.
 
إلى جانب ما تقدم، فإن حزب "حركة التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية" (الأرسيدي) المحسوب على الإثنية البربرية الجزائرية بكل فصائلها وجغرافياتها عبر القطر الجزائري يختلف أيضاً عن حركة "ماك"، إذ أنه لم يطرح منذ نشأته في ثمانينات القرن العشرين خيار انفصال المنطقة الأمازيغية عن الجمهورية الجزائرية.
 
بالنظر إلى هذه الحقائق والحالات فإن حركة "ماك" لا تقدر بمفردها أن تخلخل معادلة الوحدة الوطنية، اذ إن المشكل الحقيقي في الجزائر يتمثل في غياب مشروع سياسي وطني ديموقراطي وبرنامج تنموي متكامل وقابل للإنجاز في آجال منظورة يلتف حوله المجتمع الجزائري.
الكلمات الدالة