إعلان

شظايا الربيع العربي!

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
الاستقبال التقليدي للربيع في مصر
الاستقبال التقليدي للربيع في مصر
A+ A-
احتفل المصريون أمس ببداية فصل الربيع، لكن سنحتاج الى وقت طويل حتى تختفي من حولنا شظايا ذلك الربيع الذي ألصقوه بالعالم العربي، فأنت إذا أردت أن تُصوِّر الحالة في مصر حين يقع حدث، أو إذا صدر قرار، أو أُعلن عن اتفاق أو جرت مناقشة عن أزمة، أو اختلف اثنان من الشخصيات العامة أو أكثر، أو تفجرت قضية أو كُشِفَ عن سر، فإن التشبيه الأقرب هو ذلك المشهد الذي تكرر عشرات المرات في الأفلام المصرية عندما يتشاجر اثنان، أو تقع "خناقة" بين بطل الفيلم ومنافسه أو غريمه أو عدوه في مقهى أو حتى في عرس، وبعد ثانية واحدة من بدء الشجار تجد كل من في المكان يضربون بعضهم بعضاً، رغم أن لا علاقة لهم أصلاً لا بالبطل ولا بمنافسه ولا بالموضوع من الأساس، لكنك كمشاهد تتابع المشهد وكأنه طبيعي، حتى صار راسخاً في عقلك أنه طالما تشاجر اثنان في مكان عام أو مقهى، أو حتى في عرس، فالخطوة التالية أن يتعارك كل الموجودين حتى العريس نفسه.
 
ورغم أن أعراض الحالة ضربت مصر كغيرها من الدول الأخرى قبل أكثر من عشر سنوات، لكن في بلد يتجاوز عدد سكانه المئة مليون تصبح الظاهرة أكثر سخونة، وساهم ما جرى في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 في تحفيز الجميع على أن يدلوا بدلوهم في ما يخصهم أو لا أو يهمهم أو لا، أو يعرفون عنه أو هي المرة الأولى التي يسمعون به. ارتفعت طموحات الناس ليس للمساهمة والدخول في كل نقاش، ولكن ليفرضوا آراءهم ومواقفهم على الآخرين، وبعد أن كان البعض يتحدث عن لجان إلكترونية تابعة لـ"الإخوان المسلمين"، أو بعض الائتلافات الثورية والشبابية، فإن الأمر يبدو الآن وكأن كل مواطن أصبحت له لجانه الإلكترونية الخاصة ليتفرغ لملاحقة وسائل الإعلام، أو الظهور فيها، أو الحديث الهاتفي لها، أو العيش في مواقع التواصل الاجتماعي بحسابات متعددة ليقول رأيه، ثم يدعمه بالإيحاء بأن آخرين يؤيدونه، ثم في مرحلة لاحقة ليفرضه على الجميع، أما من يعترض فإن الخطة جاهزة للانتقام من كل المعترضين.
 
ولأن الدولة مشغولة بتأمين احتياجات المئة مليون أو في إعادة تأهيل البنية التحتية وتنفيذ مشاريع عملاقة لم تشهد مصر مثلها من قبل، ولأن الإعلام الرسمي "بعافية"، والأجهزة التنفيذية مخترقة "إخوانياً" أو فقدت القدرة على التواصل مع الناس، فإن كل مسؤول وجد نفسه دائماً في موقف الدفاع عن نفسه وسياساته والمهام التي يتولاها بعد كل قرار أو تصريح أو تصرف أو إجراء، نتيجة للحملة التي ستُشن ضده، ولأن الإعلام الخاص ظل لفترة، بعدما ضربت أعاصير ذلك الذي سموه ربيعاً عربياً، جزءاً من معادلة السلطة أو الصراع عليها والدفاع عن مصالح ملاكه فإنه لم يسهم في ترشيد الحالة وإنما ساهم في تأجيجها، وبدلاً من أن ينتقي ما يقدمه للناس على أسس مهنية، وأبسطها الصدق والموضوعية، تنافس على نسب المشاهدة وأعداد القراء بمزيد من الفبركة أو ترويج الأكاذيب أو الشجار العلني أو حتى الشتائم وافتعال المعارك أمام الكاميرات، وحين جرت معالجة ذلك الوضع المعيب افتقد الإعلام التنوع والتعدد ووقع في براثن التكرار والنمطية.
 
هيستريا المغالطات وصرعة الجهل وشبق الظهور وجدت ضالتها في مواقع إلكترونية أدمنت الكذب، وقنوات فضائية غير مصرية غلَّبت المصالح أو القناعات العقائدية، فانتشر فيروس الادعاء وامتلاك الحقيقة وغياب العقل. تحول الناشط إعلامياً وخبيراً ومحللاً استراتيجياً، وصار الجاهل عالماً من دون علم، وأصبح الأخرق صاحب نظريات ومالكاً لوثائق وخرائط وكاشفاً لحقائق ومنقباً عن أسرار. إذا كانت القضية مصرية داخلية فإن أصحابنا سيقدمون فتاواهم في الأسعار والخدمات والتعليم والمرور وأحدث وسائل العلاج والطب الجديدة، وجدوى قناة السويس الجديدة، ومضار العاصمة الإدارية الجديدة، وقلة الفائدة العائدة من مشاريع الطرق والإسكان. أما إذا كان الأمر يتعلق بقضية إقليمية فهم أصحاب النظريات الاستراتيجية في موازين القوى، تماماً كما موازين الخضراوات واللحوم، أما إذا كان التطور متعلقاً بقضية محورية كسد النهضة فهم خبراء سدود ومتخصصون في المياه والصيد فيها، ولأنهم وثائقيون بطبعهم فهم يملكون وثائق تاريخية لكل سد وشهادة دولية لكل مجرى مائي. وهم بالطبع أصحاب رأي صائب في علاج الأوضاع مع الولايات المتحدة وقطر وتركيا، ومتخصصون في فهم حقائق العلاقات مع دول الخليج، ولأنهم خبراء في الأرصاد الجوية فإن آراءهم في الفيروسات التي تسبح في الهواء لا شك فيها وبالتالي فان تقاريرهم عن كورونا لا يمكن الا الاعتماد عليها، كما أن عروبتهم تمنحهم صك الحقيقة في شأن الموقف المصري من سوريا وليبيا والعراق وجزر المالديف، ومن دون أن تسألهم عن سيناء هم يبادرون بطرح الحلول للإرهاب والتنمية والتعامل مع القبائل تماماً كما يفتون في الدين وصحيح البخاري وفقه السنّة والمد الشيعي، ولا يتأخرون إذا كانت القضية علمية معقدة فهم من الأساس أصحاب عقليات علمية فذة!! مثلما هم متدينون بطبعهم ووثائقيون بحكم نشأتهم واشتراكيون ثوريون بحكم انتماءاتهم وليبراليون متحررون بحكم التطور الطبيعي للإنسان!!
 
الكلمات الدالة