إعلان

نعم لثورة تبدأ من المدرسة

المصدر: النهار العربي
راغب جابر
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 
منذ نحو خمسين عاماً ونحن نشاهد تكراراً المسرحية المصرية الشهيرة "مدرسة المشاغبين" التي كتبها علي سالم وأطلقت مجموعة من الممثلين الشباب حينذاك الى عالم النجومية: عادل إمام وسعيد صالح وأحمد زكي ويونس شلبي وسهير البابلي وحسن مصطفى وهادي الجيار... بعضنا شاهدها عشرات المرات وما زال يشاهدها كلما عرضتها محطة تلفزيونية وبالمتعة نفسها. المسرحية الكوميدية المقتبسة عن فيلم إنكليزي بعنوان "الى المعلم مع الحب" أضحكتنا كثيراً ولا تزال تضحكنا، وربما ستظل تضحكنا حتى نهاية عمرنا. لكنها في الواقع كانت أكثر وأعمق من مجرد ثلاث ساعات من التنكيت والسخرية والمقالب الظريفة والصراخ والحركات التمثيلية الخفيفة.
 
تقارب المسرحية التغييرات في المجتمع المصري في بداية عهد أنور السادات (عُرضت للمرة الأولى في 1973) وتعالج أساساً أزمة التعليم في مصر التي قد تشبه أزماته في البلدان العربية كافة. وموضوع التعليم الذي طرحته المسرحية من خلال مدرسة طلابها (أبناء أثرياء وفقراء) مشاغبون عصيون على الإصلاح من خلال الأساليب التربوية التقليدية والجهاز التعليمي والإداري المترهل، ما زال مطروحاً بقوة في العالم العربي عامةً، مع إشكاليات خصوصية لكل بلد.
 
كان التعليم وما زال معضلة في العالم العربي الذي يعاني من نسبة أمية تبلغ 21 في المئة (عام 2018)، وهي أعلى بكثير من المعدل العالمي الذي يبلغ 13.6 في المئة. وتتركز النسب الأعلى في البلدان الفقيرة أو التي تشهد نزاعات كالصومال واليمن والسودان وسوريا والعراق وليبيا... وفي بعض المجتمعات المنغلقة.
 
إضافة الى ارتفاع نسبة الأمية، يشي الواقع العلمي العربي بمجموعة من الظواهر المرتبطة بالتعليم، لعل في طليعتها انخفاض جودة هذا التعليم قياساً الى المستويات العالمية، وهو ما تعبّر عنه التصنيفات الدولية السنوية لمستويات التعليم الجامعي في الدول العربية، حيث لا تظهر الجامعات العربية إلا في مواقع متأخرة نسبياً، برغم تحقيق بعض الجامعات السعودية خصوصاً تقدماً سنوياً في التصنيف العالمي، وتقدمها التصنيف العربي قبل لبنان والإمارات وقطر ومصر. ويقترن انخفاض جودة التعليم بالنقص الكبير في الإنتاج المعرفي في مختلف الميادين، لا سيما ميادين العلوم البحتة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلوم الحياة، وما يتبعها من العلوم التطبيقية كالطب والهندسة... فالإنتاج العلمي العالي المستوى يحتاج أبحاثاً تحتاج بدورها الى تمويل يحتاج الى قرار، وهو غير موجود لأن الأولوية هي لإشباع البطون لا العقول.
 
قد يقول قائل إن آلاف الأبحاث تنجز وتنشر في العالم العربي سنوياً، لا سيما في السعودية ومصر ودول المغرب العربي، لكن يبقى السؤال وجيهاً عن مدى الاستفادة من هذه الأبحاث وعن عدد الاختراعات العربية استناداً الى هذه الأبحاث من مجمل الاختراعات العالمية؟ لا شيء تقريباً. لا ضير من الاعتراف بهذا الواقع وبأن الكثير من الأبحاث يذهب الى مواضيع مكررة تتصل بالتاريخ والفقه والأديان ومسائل خلافية، وبقليل من العمق العلمي وكثير من الكلام القديم.
 
لم نصنع دواءً نبيعه للعالم، لم نكتشف لقاحاً، نشتري كل منتجات العقل، ليس لأن لا عقول عندنا. عندنا عقول، لكنها تلمع في أميركا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والسويد وهولندا... هذه العقول المهاجرة التي نفاخر بها عند تحقيقها إنجازاً أو فوزها بجائزة ليست لنا ولا تنتج لنا. لقد طردها نظام التعليم عندنا عندما احتقرها ولم يقدّر قيمتها ولم يكافئها اجتماعياً ووظيفياً ومادياً، فراحت تبحث عن مستقبلها وتطورها العلمي والاجتماعي، حيث يقدر العلم والعلماء. 
 
نظام التعليم مسؤول عن كل أزماتنا الاقتصادية. نعم نظام التعليم، أولاً لأنه يعكس واقعاً سياسياً فاشلاً، وثانياً لأنه فشل في بناء الإنسان ومجتمع المعرفة القوي. ليس العدد وحدة قياس هنا، ملايين المتخرّجين سنوياً لا تعني شيئاً. أن تقرأ وتكتب شيء وأن تنتج شيء آخر.
 
لقد أخفقت أنظمة التعليم العربية في بناء مدرسة توحّد (لبنان نموذجاً فاقعاً) العقول والقلوب والأهداف والمصلحة العامة، وتلغي المصالح الخاصة والانتماءات المتنافرة. كما فشلت في إزالة التوترات العرقية والطائفية والمذهبية في بلدانها. كانت المدرسة ثم الجامعة أحياناً وسيلة للسيطرة والتلاعب بالعقول وقولبتها في أطر جاهزة مصادرة إرادتها ومستقبلها.
 
تفوّقت ماليزيا ثم سنغافورة التي كانت عبارة عن مستنقعات بحرية يقتل أهلها البعوض عندما وضعت كل منهما نظاماً حديثاً وفعالاً للتعليم رفعهما الى مصاف العالم الأول. لم تملك سنغافورة شيئاً غير التعليم لتنهض ونهضت ليصبح جواز السفر السنغافوري الأول عالمياً، في بلد لا يملك أي ثروات طبيعية. أما أميركا التي تقود العالم فمن الخطأ القول إنها تقوده بالقنبلة النووية. إنها تقوده بالعلم. بنظام التعليم الذي يستقطب المتفوقين من كل الولايات ومن كل أنحاء العالم، فيدللهم ويقدرهم ويغريهم ويضع كلاً منهم في مكانه المناسب. إن اقتصاد شركة قائمة على العلم مثل شركة فايزر قد يوازي نصف اقتصاد العالم العربي.
 
فشل نظام التعليم في العالم العربي، وبنسب متفاوتة بين بلد وآخر، يؤكده الواقع القائم. شهوده منه وفيه. لن يعطينا العالم علمه، هو فقط يبيعنا ما يختاره وما يزيد عن حاجته وما يحقق له أرباحاً خيالية. ولذلك سنبقى نعاني نقصاً في كل شيء، في الغذاء والدواء والتكنولوجيا بأنواعها... 
 
لم نعد ننتج فلسفة ولا علم اجتماع ولا علم نفس لأن نظامنا التعليمي لا يعدنا لذلك. يعتبر الغرب أن من وظائف التعليم التدريب على الديموقراطية، فلا تعليم بنينا ولا ديموقراطية أرسينا. والمسؤولية هي مسؤولية السياسة أولاً وأخيراً. فحيث لا سياسة بالمعنى العلمي للسياسة لا تعليم.
 
لقد آن الأوان لثورة سلمية تبدأ من المدرسة عبر بناء نظام (أو أنظمة) تعليم تضع الإنسان والمستقبل هدفاً لها وليس الماضي.

 



 
الكلمات الدالة