إعلان

الحمولة الزّائدة

المصدر: النهار العربي
سمير قسطنطين
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية
A+ A-
تقود سيّارتك على الطريق، تتجاور سيّارات نقلٍ أو شحنٍ، تقرأ على لوحةٍ في مؤخّرة العربة كلاماً من هذا النوع: وزنها فارغة كذا كيلوغراماً، وزنها مُحَمّلة كذا كيلوغراماً. في البلدان التي تُطبّق القانون، تنتشر دوريّات للقوى الأمنيّة، توقف في بعض الأحيان عدداً من الشاحنات، تطلب من سائقيها التقدّم إلى جانب الطريق، حيث تكون هناك محطّة ثابتة أو متنقّلة لوزن الشاحنة، فإذا وجدَت الدوريّة أنّ حمولةَ الشاحنة تزيد عن الحدّ المسموح به، سطّرت محضر ضبطٍ بحقِّ السائق، وصادرَت رخصة القيادة منه، وأخذَت إجراءاتٍ عقابيّة أُخرى في حقِّ الشركة مالكة سيّارة الشحن. السبب؟ السبب هو أنّ الحمولة الزائدة تشكّل خطراً على السلامة العامّة.
 
نحن أيضاً نقود حياتنا على دروبِ الحياة، لا دوريّةَ تستوقفنا، ولا يسطّر أحدٌ في حقّنا محضر ضبطٍ، رغم أنّنا في مرّاتٍ كثيرة، نكون قد حمّلنا عربة حياتنا حمولةً زائدةً. هذه الحمولة الزائدة تتمثّلُ في نوعٍ واحدٍ من "البضاعة" إذا جاز التعبير، واسمها "الماضي". 
 
الماضي نحمله أنّى ذهبنا. هو ليس على كواهلنا فقط، هو موجودٌ في وعينا ولاوعينا، في علنِنا وسرّنا، في صراخِنا وهمسِنا، في بسماتِنا ودمعاتنا. كلٌّ منّا يحمل حمولةً من السنين التي عَبَرَت. ما دامت هذه الحمولة في حدود ما هو مسموحٌ به، أنتَ لا تجرُّ نفسكَ جرّاً، ولا تنوء تحتَ الأثقال، ولا "بْيِنْفِخِتْ" دولاب، ولا تترنّح عربةُ حياتك على الطريق يَمنةً ويَسرةً. لكنّ المشكلة تكمنُ في الحمولة الزائدة من هذا الماضي إذا ما وُجِدَت، وما أكثر الناس الذين يحملون من ماضيهم ما لا طاقة لهم على حمله. 
 
حمولة الماضي لا تأتي موضّبةً على شكلٍ واحد، فأكياسُها متنوّعة، وحجم كُلّ كيسٍ يختلف عن حجم الكيس الآخر. لكن، لهذه الأكياس عناوين واحدة أو متقاربة في معظم الأحيان.
 
عنوان الكيس الأوّل هو "الفشل". الفشل قد يأتي على شكلٍ كيسٍ كبير بسبب علاقة زواج لم تنجح، أو مسارٍ مهنيّ لم يحقّق إنجازات، أو قرارات كبيرة من مثل الهجرة إلى بلدٍ آخر لتدركَ لاحقاً أنّ خُطوتك لم تكن مدروسة بشكلٍ كافٍ، أو التعرّض لظلمٍ كبير عند توزيع ميراثٍ بين الإخوة. طبعاً للفشل عناوين أُخرى.
 
الكيس الثاني في هذه الحمولة الزائدة من الماضي، هو الشعور بالذنب. لعلّ أحدَهم أنجب ولداً خارج إطار الزواج وتخلّى عنه لعائلةٍ أُخرى، أو هو لم يُعطِ أولادَه عندما كانوا صغاراً العناية الكافية فأهملَهم راكضاً وراء أمورٍ أُخرى، ليعرف بعد سنواتٍ أنّ ولداً من أولاده يتعاطى المخدّرات، فيما الولد الثاني تعثّر تربويّاً وأكاديميّاً لدرجةٍ أنّه تسرّب من المدرسة من دون خطّة عملٍ بديلة. الشعور بالذنبِ يأتي مرّاتٍ بعد وفاة أحد الزوجَيْن حيث يُدرك الآخر الباقي على قيد الحياة كم ظَلَم من تُوُفّي عندما كان حيّاً، لكن الندمَ لا يُفيد الآن وكذلك الشعور بالذنب.
 
الكيس الثالث الذي نحمله من ماضينا على شكل حمولة زائدة هو طبعنا الذي لم نروّضه، والذي كان تسبّب لنا بمعارك طاحنة مع أحبّاء وأصدقاء وزملاء وجيران، وكانت النتيجةُ خساراتٍ موجعة، نحملها على كواهلنا وننوء تحتها. الآن، لا نُريد المعارك في ما بعد. لكنّنا خسرنا أُناساً كثيرين من "عضام الرقبة" عندما كُنا "نِشْتري المشكل"، وعندما لم نحسب أيّ حسابٍ لخطّ الرجعة.
 
هذه الحمولة الزائدة إذاً، وعنوانها الكبير هو "الماضي" فيها ثلاثة أكياسٍ كبيرة جدّاً هي: الفشل والشعور بالذنب والطبع الصعب. لكنّنا نحنُ هنا الآن. لن يعود الحاضر إلى الوراء. ولن تستطيع أن تكملَ رحلتكَ إلى بَرِّ أمانٍ وأنتَ في وضع كهذا. فماذا تفعل؟
الوضع المثالي هو ألا تحمل الحمولة الزائدة منذ البداية. كان عليك أن تتنبّه إلى حيث أنتَ سائرٌ وأن تحتاط لكي لا يقع كاهلاكَ تحت وطأة أثقالِ غير مستحبّة. لاو تزو، فيلسوف صيني قديم، قال مرة: إن كُنتَ مُحبطاً فأنتَ تعيش في الماضي. وإن كُنتَ قلِقاً فأنتَ تعيش في المستقبل. وإن كُنت تحيا بسلام فأنتَ تعيش في الحاضر. أمّا وقد بلَغْتَ المرحلة الحاضرة فمن الضروري أن تُدرك موقعك تماماً كما يفعل الـ GPS في أثناء قيادتنا سيّاراتنا. عندما تُحدّد موقعك، من الأفضل أن تسأل نفسك سؤالاً واحداً هو: هل أُريد الخروج من هذه الدائرة الخطِرَة عليّ جسديّاً ونفسيّاً؟ إذا كان جوابك بالإيجاب، فمن المتوقّع منك أن تتعرّف إلى ذاتِك أكثر، وتُسارع إلى رمي الحمولة الزائدة لكن ليس عن طريق النكران أي الـ Denial، بل عن طريق علاج الأمر. وإذا كانت قُدرتك على فعل ذلك محدودة، فمن الأفضل أن تستعين بصديقٍ قادرٍ على معونتك، وإلّا فإنّ استشارة اختصاصيٍّ تصبح محتومةً.
 
جوني كاش، وهو واحدٌ من أكثر الموسيقيّين تأثيراً في القرن الماضي قال: أنت تبني على الفشل. تستعمل الفشل كنقطة انطلاق. أَغْلِق الباب على الماضي. لا تحاول أن تنسى الأخطاء، لكن إيّاك أن تبقى في تلك البقعة. لا تسمح للأخطاء أن تسحبَ منك أيّ طاقة، أو أن تسرق منك وقتاً، أو أن تسلبكَ شيئاً من المساحة التي لك.
 

 
الكلمات الدالة