إعلان

سياسة إيران الخارجيّة لا تتغيّر.. المفاوضات للحوار أم للمساومة؟

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
يوسف بدر
وزيرا الخارجية السابق والحالي ظريف وعبداللهيان
وزيرا الخارجية السابق والحالي ظريف وعبداللهيان
A+ A-
تحركات إقليمية وخليجية متعاقبة، أبرزها اجتماعات العقبة والنقب، عنوانها العريض هو إدارة أمن المنطقة ومصالحها، والتصدي للتهديدات الإيرانية، بعيداً من الرهان على القوى الغربية، بخاصة أن المؤشرات لا تدل إلى أي استجابة عملية من جانب إيران لتغيير سلوكها الإقليمي، حتى في حال توصل المجموعة الدولية "5+1" إلى اتفاق معها في فيينا.

إشكاليّة تركيبة النظام
تروّج إيران لأهمية الحوار والدبلوماسية في حل القضايا الإقليمية؛ لكن الواقع العملي يكشف عكس ذلك. والسبب يرجع إلى إشكالية تركيبة هرم السلطة لديها، التي تستوجب وجود ثنائية وازدواجية في إدارة السياسة الخارجية؛ فبحسب الدستور الإيراني، ليس من حق رئاسة الجمهورية الإشراف الكامل على سياسة إيران الخارجية  والقوات المسلحة والسياسات النووية، فكلها تخضع للإشراف المباشر من مؤسسة المرشد الأعلى. وهو ما يعطي مساحة للمحافظين المتشددين والحرس الثوري للتحكم والنفوذ في السياسة الإيرانية.
 
وبينما كان الرهان على أن وصول حكومة محافظة برئاسة إبراهيم رئيسي، سيحقق حالة من الانسجام بين مؤسسات المرشد الأعلى والحرس الثوري والبرلمان الإيراني، التي يسيطر عليها المحافظون، لكن واقع الأمر، أن يد مؤسسة الرئاسة ما زالت مغلولة بقوة الدستور ونفوذ المتشددين والحرس الثوري وهيمنتهم على مقاليد الأمور.
 
وبينما تعجز وزارة الخارجية بقيادة حسين عبد اللهيان عن إدارة المحادثات النووية مع الغرب إدارة مرنة وبعيدة من ضغوط المتشددين والحرس الثوري، فإن هذا يذكّر بقول المرشد الأعلى علي خامنئي إن "سياسة البلاد الخارجية لا تحدد في وزارة الخارجية!"، وذلك رداً على وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف الذي انتقد الحرس الثوري واتهمه بتقويض الجهود الدبلوماسية لإيران.   
 
حوار أم مساومة؟

خلال زيارته بيروت، في 24 آذار (مارس) الماضي، قال عبد اللهيان: "قريباً سنشهد ولادة الاتفاق النووي، وإذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي، نعتقد أن هذا الأمر ستستفيد منه كل دول المنطقة". ولكن بعد يومين، وخلال حواره مع التلفزيون الإيراني قال عبد اللهيان إن الاتفاق النووي لن يتجاوز حدود اتفاق عام 2015. 
 
وهذا يظهر أن إيران لم تكن تتفاوض في فيينا إلا من أجل المساومة على رفع العقوبات الأميركية، وأن الفائدة التي ستعود على دول المنطقة هي فقط من وجهة النظر الإيرانية والمصالح الخاصة بطهران، فهي لن تراعي المخاوف الإقليمية من السلوك الإيراني. 
 
ولذلك، أمام إصرار طهران على عدم تناول أي ملفات أخرى خارج الاتفاق النووي، مثل ملف البرنامج الصاروخي وملف التهديدات الإقليمية؛ لم تقبل واشنطن طلب إيران رفع العقوبات عن الحرس الثوري، بخاصة أن القوى الإقليمية، لا سيما إسرائيل، قلقة من نتائج المحادثات النووية التي ربما تكرر تجربة 2015، وتمنح إيران المزيد من التمدد في المنطقة بعد قرار رفع العقوبات عن أموالها. فقد قال المبعوث الأميركي الخاص بإيران، روبرت مالي، في 27 آذار (مارس) الماضي، إن "الحرس الثوري الإيراني سيظل في قائمة العقوبات الأميركية، ورأينا تجاهه سيبقى ثابتاً". كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية، في 30 آذار (مارس) عقوبات جديدة على إيران، استهدفت كل مَن يقدم الدعم اللوجستي لبرنامج الصواريخ البالستية.

الموقف الأميركي المتشدد جعل وزير الخارجية الإيراني يبدو مرناً في مسألة طلب رفع العقوبات عن الحرس الثوري خشية فشل المفاوضات، فقال في حواره التلفزيوني: "كبار مسؤولي الحرس الثوري يذكّروننا دائماً بالقيام بكل ما هو ضروري في محادثات فيينا من أجل المصلحة الوطنية للبلاد، وعدم إعطاء الأولوية لقضية الحرس الثوري".

هذه التصريحات كشفت عن أزمةِ إدارة داخل النظام الإيراني وتركيبته؛ فقد واجه عبد اللهيان، ابن النظام المحافظ،، انتقادات شديدة تتهمه بأنه ليست لديه إحاطة كافية بالسياسة الخارجية، كما جاء على لسان حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة "كيهان" المقربة من مؤسسة المرشد الأعلى، والذي ينقل في مقالاته وجهة نظر المحافظين المتشددين والحرس الثوري. 
 
 
 

"لن نغيّر سلوكنا"

يمثل بيان الحرس الثوري في ذكرى الاستفتاء على نظام "الجمهورية الإسلامية" (1نيسان/أبريل 1979)، مؤشراً إلى ضعف مؤسستي الرئاسة والخارجية في إيران، فقد أعلن أن برنامج الصواريخ والنفوذ الإقليمي الإيراني خط أحمر لا يتغير. وهو إعلان صريح من جانب الحرس الثوري لحكومة رئيسي، "لن نغير من سلوكنا لتحقيق غاية الاتفاق مع الولايات المتحدة"، لا سيما أن هذا البيان يأتي بعدما كشفت "إذاعة فردا" الناطقة بالفارسية والممولة من واشنطن، أن إدارة البيت الأبيض طلبت من طهران الالتزام بتعليق أي محاولات للانتقام لمقتل قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، المسؤول السابق عن العمليات الخارجية للحرس الثوري، في مقابل التباحث في إخراج الحرس الثوري من قائمة العقوبات. ويشير تقرير لوكالة "آسوشيتدبرس" الأميركية في 12 آذار (مارس) الماضي، إلى أن الحكومة الأميركية تتكلف شهرياً مليوني دولار لتأمين الحماية لمايك بومبيو وزير الخارجية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وبرايان هوك مسؤول الملف الإيراني آنذاك.

خطوات عمليّة في "الميدان"
خطوات عملية اتخذها الحرس الثوري لإثبات علو كلمته على كلمة الحكومة والخارجية وبمباركة من مؤسسة المرشد الأعلى، وهي زيارة قائد الحرس الثوري حسين سلامي لجزيرة "أبو موسى"، إحدى الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة، حيث خرج بتصريحات من هناك تظهر أن سياسة الحرس العدائية ذاهبة إلى التصعيد مع دول المنطقة. فقد قال: "هدف جولتي في الجزر الثلاث هو تقييم الاستعدادات القتالية للوحدات العسكرية". ثم خرج بتصريحات تستهدف أمن دول الخليج صراحة، فقال: "ما وجدته من قدرات عسكرية وروح معنوية يبعث على الأمل في مستقبل مشرق للنظام الإسلامي، ويجعلنا نتحرك بإصرار أكثر في مسير الخطوة الثانية من الثورة". مضيفاً أن "تطبيع بعض الدول الخليجية مع إسرائيل يشكل تهديداً حقيقياً للمنطقة والدول المطبعة".

خطوة أخرى، تمثلت في هجمات جماعة الحوثي اليمنية الموالية لإيران، في 25 آذار (مارس) الماضي، على البنية التحتية المدنية السعودية. وهي رسالة عملية من الحرس الثوري عبر الجماعة التي يحركها؛ إذ تأتي هذه الهجمات تزامناً مع الحديث عن اقتراب انعقاد اجتماع بين طهران والرياض باستضافة بغداد، في إطار سلسلة المحادثات بين البلدين لاستعادة العلاقات الدبلوماسية.

كذلك، حمل الهجوم الذي قام به الحرس الثوري، على أربيل في كردستان العراق في 13 آذار (مارس)، رسائل مزدوجة، تضع الأولوية لسياسة "الميدان" التي يتبعها الحرس الثوري قبل سياسة الدبلوماسية التي يقودها عبد اللهيان. فالهجوم سبب صدمة للمسؤولين في المنطقة لشراسته، ودل إلى جدية إيران في اتخاذ خطوات غير محمودة العواقب. كما كشفت تصريحات المسؤولين العراقيين والأتراك، أن الهدف الرئيسي من هذا الهجوم هو إفشال خطة لضخ الغاز الكردي إلى أوروبا مروراً بتركيا وبمشاركة إسرائيل، في ظل تصاعد الأزمة الأوكرانية، وحاجة الأوروبيين للبحث عن بديل للطاقة الروسية. 
 
وهو ما يعني أن الحرس الثوري ما زال يعمل بالتنسيق مع موسكو التي تحاصر أوروبا بالسيطرة على خطوط الغاز، مثلما نسق معها من قبل إبان عهد حكومة حسن روحاني لإفشال الاتفاق النووي، وبشهادة وزير الخارجية آنذاك جواد ظريف.

المحصّلة

إن السياسة الخارجية لإيران مكبّلة بموجب الدستور للخضوع لمؤسسة المرشد الأعلى، ومن ثم المحافظين والحرس الثوري. وهو أمر لا يبعث على الأمل في حدوث انفراجة وتغيير في سياسة إيران الخارجية.

إن الحاجة الغربية الملحة للحفاظ على إيران من أجل الأسواق والطاقة، ومن ثم تحمّل سياسة "النفس الطويل" التي تتبعها خلال مفاوضاتها النووية؛ جعل طهران تستغل هذه الحاجة، بأن لا تسعى وراء الحوار والتهدئة الإقليمية؛ بل تستغل هذه المفاوضات للمساومة من أجل ضمان مصالحها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم