إعلان

حماية الصين لإيران في الاتفاق السرّي بينهما

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
الاتفاق الصيني - الإيراني
الاتفاق الصيني - الإيراني
A+ A-
توقيع الصين وإيران هذا الأسبوع على اتفاق الشراكة الاستراتيجية لمدة 25 عاماً ليس أمراً مفاجئاً، فالكلام عن الاتفاق تردَّدَ عبر السنوات الأخيرة كما أن المفاوضات على التفاصيل بقيت سريّة. توقيت التوقيع هو اللافت مع تولّي الرئيس جو بايدن دفّة الرئاسة الأميركية، وفي خضمّ صياغة العلاقات الأميركية - الصينية والأميركية - الإيرانية، وهو يكشف استنتاج بكين وطهران أن زمن الخوف من العقوبات الأميركية ولّى مع انتهاء ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب.
 
السيد بايدن أعرب عن قلقه حيال اتفاق التعاون الاستراتيجي الشامل في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية بما في ذلك تطوير وبناء موانئ للصين في إيران، والتعاون الدفاعي وإجراء مناورات عسكرية مشتركة الى جانب الاستثمار في مجالات النفط والطاقة والبتروكيماويات والاقتصاد بقيمة 450 مليار دولار، وقال: "لقد كنت قلقاً بشأن ذلك منذ سنوات".
 
التحدّي أمام الرئيس بايدن الآن يتعدّى القلق لسنوات ويدعوه الى شرح ماذا ينوي أن يفعله إزاء التحدّي الآتي من الصين وإيران، وكذلك من روسيا، بعدما بدا لهم أن إدارة بايدن تخلّت عن أدوات فرض العقوبات تملّصاً من وعود وتركة إدارة ترامب. بل على الرئيس بايدن أن يتعمّق في المواقف الخليجية من اتفاق الشراكة الاستراتيجية الصينية - الإيرانية والتي تحمل في طيّاتها تساؤلات حول طبيعة العلاقات الخليجية ليس فقط مع الصين وروسيا وإنما حول تطوّر العلاقات الأميركية - الخليجية. فلدى كل من الصين وروسيا طروحات ومشاريع إقليمية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبالذات الدول الخليجية العربية، وإيران، وإسرائيل. وبين أبرز وأهم معاني اتفاق الشراكة الاستراتيجية هو أن إيران تقع اليوم تحت الحماية الصينية، وأن للصين موقع قدم في الموانئ الإيرانية وتلك في الدول العربية التي لإيران نفوذ استثنائي فيها، مثل لبنان. والسؤال هو: هل الصين ستكون مستعدّة لتفعيل هذه الحماية في حال نشوب حروب مباشرة بين إيران وإسرائيل أو حروب بالنيابة عبر "حزب الله" في لبنان؟ أم أن هناك تفاهمات صينية - روسية علماً أن موسكو تسعى وراء ممارسة دور الوسيط بين إيران وإسرائيل وتعمل على رعاية وتطوير العلاقات بين دول خليجية وإسرائيل كما بين سوريا وإسرائيل.
 
التنسيق واضح بين الدبلوماسية الصينية والدبلوماسية الروسية، فكلاهما غاضب من إدارة بايدن مع أن روسيا كانت توقّعت الأسوأ تجاهها من الإدارة الديموقراطية "وصوّتت" ضدها فيما كانت الصين تبذل جهداً للإطاحة بإدارة ترامب وبأدوات العقوبات الحادة التي تبنّتها تلك الإدارة كوسيلة جدّيّة في سياساتها الخارجية. القاسم المشترك بينهما في الشرق الأوسط حاليّاً هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي هي أبرز المستثمرين في الإطاحة بإدارة ترامب لكنها الآن تعبّر عن استيائها من إدارة بايدن - إما لأسباب تكتيكية تفاوضية، أو ضمن قرارها الاستراتيجي القائم على الشراكة الشاملة مع كل من الصين وروسيا في نقلة نوعية بعيداً من أولوياتها السابقة أي التوصّل الى تفاهمات وعلاقات متطوّرة مع الولايات المتحدة الأميركية.
 
اللافت هو أن الصين وروسيا تُعمِّقان علاقات التعاون السياسي والاقتصادي مع الدول الخليجية العربية وفي مقدمها كل من السعودية والإمارات وعمان وقطر وذلك في الوقت الذي تضعان فيه إيران على رأس قائمة أولوياتهما - أو هكذا يبدو عمليّاً وفعلياً ميدانياً واقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قام بجولة خليجيّة شملت الرياض وأبو ظبي قبل بضعة أسابيع تبعه وزير خارجية الصين وانغ هي في زيارة شملت السعودية والبحرين وعمان وتركيا انتهت في المحطة الإيرانية حيث تم توقيع الاتفاق. وكان لافروف زار بكين للتنسيق الاستراتيجي العام مع التركيز على القواسم المشتركة نحو الولايات المتحدة ونحو منطقة الخليج والشرق الأوسط التي قررت إدارة بايدن تجاهلها نسبياً باعتبارها ثانوية من بوابة هوسها بإيران وبالاتفاق النووي JCPOA.
 
لن تهرول الدول الخليجية العربية الى الاستغناء عن علاقاتها الاستراتيجية التاريخية مع الولايات المتحدة انتقاماً لا سيّما أن هذه الدول وقعت تقليدياً تحت الحماية الأميركية الأمنية. ولن تكون علاقاتها مع الصين وروسيا في مرتبة علاقاتها مع الولايات المتحدة ما لم يطرأ تغيير جذري ضخم في موازين هذه العلاقات. لكن تنمية الدول الخليجية العربية لعلاقاتها مع الصين وروسيا، حتى ولو كانت اقتصادية محض، لها أبعاد مهمّة ليس في المصلحة الأميركية الاستهتار بها لا سيّما إذا دفعت السياسات الأميركية هذه الدول الى أحضان الصين وروسيا.
 
تطرح الصين وروسيا اليوم مبادرات في منطقة كانت تُعَّد محسومة لصالح الولايات المتحدة. الطروحات الصينية تشمل تركيا فيما الطروحات الروسية تستبعد تركيا بلا ضجيج، وفي كل الطروحات، تبقى إيران في الطليعة قطعاً لدى كل من بكين وموسكو.
اليوم، ومع توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية بين الصين وإيران التي تدرّ على النظام في طهران حوالى 20 مليار دولار سنوياً، ستتشجّع الجمهورية الإسلامية الإيرانية على استكمال مشاريعها الداخلية والإقليمية والتي ينفّذها "الحرس الثوري" الإيراني في سوريا والعراق ولبنان واليمن.
 
لا يهم الصين إذا كان المشروع الإيراني الإقليمي ينطوي على انتهاك لسيادة الدول مع انها تزعم التزامها القاطع بمبدأ السيادة وضرورة عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. فالمهم للصين هو النفط بالدرجة الأولى منذ سنوات، إنما الآن، بكين مهتمّة جداً أيضاً بتموضع استراتيجي في الشرق الأوسط والخليج بحيث يكون لها تواجد مماثل لروسيا في سوريا عبر قاعدة طرطوس. كلاهما لا يبالي بنوعية النظام الذي تتعاقدا معه طالما العقد لسنوات طويلة ويخدم مصالحهما الاستراتيجية، لذلك توفّر روسيا الحماية للرئيس السوري بشار الأسد فيما توفّر الصين الحماية للنظام في طهران.
 
مبادرة "حزام واحد، طريق واحد" جاءت بهدف توسيع نفوذ الصين عالمياً كما أتت الاتفاقية الاستراتيجية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهدف زيادة النفوذ في الموقع الاستراتيجي الإيراني في مياه الخليج. وهنا أيضاً يطرح السؤال نفسه جدّيّاً: هل ستقوم الصين بتغطية إيران أمنياً وعسكرياً إذا نفّذت إيران التهديدات التي لوّحت بها في مياه الخليج وإذا استمرّت في دعم عمليات الحوثيين ضد السيادة السعودية؟
 
قد تفعل بكين ما تتقنه جيداً وهو التظاهر أنها لا تسمع ولا ترى، فتتجاهل. أما إذا كانت قد حققت قفزة في علاقاتها مع دول مثل السعودية والإمارات، في وسعها، إذا شاءت، أن تلعب دور التهدئة مع طهران والتأثير في سياساتها الإقليمية بصورة غير مسبوقة وذلك في ظل اتفاق الشراكة الاستراتيجية والحماية الصينية. قد يكون هذا في ذهن القيادة الصينية ولربما تم بحثه مع الدبلوماسية السعودية والإماراتية وغيرها. وفي حال غاب الأمر عن أذهان المعنيين حتى الآن، من الضروري استثمار حسن العلاقات الصينية مع الدول الخليجية العربية لدفع بكين الى استثمار شراكتها مع طهران لاحتواء مغامراتها في الجغرافيا العربية. عندئذ يمكن الحلم بالصفقة الكبرى إذا أثّرت الصين بإيران على الصعيد النووي وتفاهمت مع الولايات المتحدة عبر هذا الباب وبالتنسيق مع روسيا.
 
حتى الآن، ما زالت العلاقات الصينية - الروسية مع الولايات المتحدة تصعيديّة والدولتان تجدان في إيران ورقة مهمّة لهما في وجه إدارة بايدن. هناك تنسيق وتوزيع أدوار بحيث تنظر موسكو الى الاتفاق ليس من منطلق التنافس الصيني معها في ملف إيران وإنما من زاوية العلاقات المكمَّلة لبعضها. فموسكو غير قادرة على ضخ الأموال التي يُزعَم أنها ستبلغ 450 مليار دولار خلال الـ25 سنة، لذلك تبارك الإنجاز. ما تريده موسكو هو توسيع وتعميق جبهة المواجهة مع إدارة بايدن – وهنا يبرز عنصر العداء المشترك للغرب بين الصين وروسيا وإيران كما تبرز أحلام طرد الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط والخليج.
 
موسكو ترى في رعايتها المرجوّة لحل بعض النزاعات في المنطقة وسيلة لتقوية وجودها وأوراقها بما يجعلها تزاحم واشنطن أو تحّل مكانها. رهانها على إسرائيل يأتي في هذا السياق. فهي تسعى لتكون الجسر بين إسرائيل وإيران ودول عربية، وهي تعتقد أن أمامها فرصة فتح أبواب التوافق والمصالحة بين دول الشرق الأوسط والخليج. سيرغي لافروف طرح أفكاراً جديدة أثناء مشاركته في المؤتمر السنوي لنادي فالداي Valdai Cleb العريق والمساهم في صنع السياسات الروسية نحو الشرق الأوسط.
 
الى حدٍّ ما، تبني طروحات لافروف على إنجازات إدارة ترامب المتمثلة في "اتفاقات ابراهيم" المعنية بالصلح بين دول عربية وإسرائيل كنقطة انطلاق. فاستنتاج موسكو هو أن إدارة بايدن تبدو غير جاهزة لتأدية دور في الشرق الأوسط وأن صياغة سياسة واضحة لها clear policy سيستغرق وقتاً - وهذا يشكّل فرصة لملء الفراغ بنشاطات روسية أسرع وأكثر إقداماً. مفتاح هذه النشاطات هو الهياكل الأمنية.
 
اللافت في ما اقترحه لافروف هو دعوته الى "التوازن" بين مصالح الدول الكبيرة والدول الصغيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كما بين الشركاء من خارج المنطقة. اقترح عملية مشابهة لـ"عملية هلسنكي" الأوروبية التي انطلقت من مبدأ التنازل لضمان توازن المصالح. The basis of compromise ensuring a balance of interests بكلام آخر، اقترح التوقف عن اعتبار السعودية مثلاً في مرتبة القيادة العربية واستبدال ذلك بما سماه بالتساوي بين الدول الكبيرة والصغيرة.
 
الأهم لدى الدبلوماسية الروسية هو نجاح جهودها الرامية الى توافق واتفاق بين إيران وإسرائيل وهو حتى الآن نجاح بعيد المنال. أما وأن الصين وقّعت مع إيران اتفاق الشراكة الاستراتيجية، سنرى كيف سيؤثّر ذلك في العلاقة الإيرانية - الإسرائيلية، ان كان في اتجاه المواجهة أو التفاهمات.
 
قد تنظر إسرائيل الى إيران من زاوية تمتّعها الآن بحماية صينية، فتفكّر مرتين. وقد تنظر إيران الى نفسها من زاوية المكابرة والمواجهة مع إسرائيل بدعمٍ وحمايةٍ صينية. كلاهما قد يتحدّث مع الآخر بلغة مختلفة. فإما يزداد العداء الإيراني - الإسرائيلي ويتحوّل الى مواجهة مباشرة بزخم العداء الصيني - الأميركي بمعنى أن الحماية الأميركية لإسرائيل ستوازنها الحماية الصينية لإيران. أو أن لغة الدولتين العظميين ستتعالى على لغة اللاعبَّين الإقليميَّين لأن المصالح الكبرى للدول العظمى لا تتوقف عند عتبة الدول الإقليمية مهما تهيّأ لها انها شريكاً للعظمة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم