إعلان

أوكرانيا... حرب مضمرة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
مبنى متضرر من القصف الروسي في بوروديانكا بشمال غرب كييف.(أف ب)
مبنى متضرر من القصف الروسي في بوروديانكا بشمال غرب كييف.(أف ب)
A+ A-
كما لو أن الحرب في أوكرانيا تحدث هنا، في "رام الله التحتا" المركز القديم والحيوي للمدينة، الأرتال الروسية تعبر من شارع السهل على مرأى من الرواد المتقاعدين في مقهى الانشراح، الذين منحهم طقس الأربعاء فرصة نقل موائدهم الى الرصيف حيث يتداخل كل شيء، عربات الخضار والمارة والمتوجهون الى المطاعم الشعبية المنتشرة على جانبي الشارع الحيوي الذي يقطع البلدة القديمة.
 
الحرب ثغرة أيضاً للبعض، "العائدين" على وجه الخصوص، الذين وصلوا الى البلاد ضمن ملاحق أوسلو قبل ثلاثة عقود وحملوا اسم "العائدين" وورّثوه لأبنائهم، ثغرة تؤدي الى زمن افتقدوه، زمن المقاومة والحصار والمنفى والإحساس الغريب بتدفق الدم في ذكريات بعيدة تعزز وجودهم هنا، وتمنحه شرعية، غير مطلوبة، أمام ذكريات المكان، حيث يمكن ببساطة أن يشير جليسك من مقعده، وهو ليس عائداً، الى المدرسة التي درس فيها، والكنيسة التي تعمّد فيها، والبيت الذي ولد فيه، وأن يحيي أشخاصاً بأسمائهم المجردة ويروي حوادث طفولة وصبا في الشوارع المحيطة بالمقهى، الفرن والمطعم على الزاوية، المحكمة العثمانية بعد المنعطف التي أعيد ترميمها وتحولت الى مكاتب للبلدية وفضاء لأنشطة الأطفال، الإسكافي الذي انتهى أمر مهنته والحلاق ودكاكين العطارة والحانوتي، بينما لن يجد "العائد" أمام هذه الذاكرة المتداخلة مع المكان سوى أن يتعثر في أماكن مشتتة وبيوت مفروشة وحروب في بلاد الآخرين.
في الداخل وراء الزجاج تضخ شاشة الفضائية صور الجنود والقصف وتحليق الحوامات وأرتال الدبابات، ويصل صوت صفارات الإنذار المتداخل مع رميات النرد وضجة لاعبي الورق، وتصريحات "زيلينسكي" المتوالية "أنا بخير .. أنا بخير" و"أوكرانيا تقاوم.." وإطلاق مطالب مستحيلة من حلفائه، "زيلينسكي" يبدو مرهقاً بذقن مشوشة ولباس بسيط بألوان الجيش، قدم شخصيتين متناقضتين تماماً خلال الأسابيع القليلة، شخصية الزعيم السياسي المتردد المفتقر الى الحكمة والخبرة، غير القادر على خلق التوازن بين مصالح بلاده وأهداف حلفائه الجدد ومطالب الجار الروسي العنيد، والذي بلغ سوء تقديره أن استخف بنيات بوتين من جهة، ووضع كامل ثقته بالغرب وبايدن من جهة ثانية، ليجد نفسه خارج الناتو وخارج الاتحاد الأوروبي وأمام الجيش الروسي الذي يدق أبواب عاصمته الآن، ثم شخصية القائد الشجاع المحاصر الذي يوقع طلب الانضمام الى الاتحاد الأوروبي خلف ساتر من أكياس الرمل علق عليه علم أوكرانيا، في ما يشبه تصعيداً تراجيدياً.
في الخارج، خارج مقهى الانشراح وخارج تصريح الرئيس الأوكراني المحاصر، تتصاعد حملة غربية ضد كل ما هو روسي، النظام القديم ينهض كاملاً في مواجهة الزلزال الذي أحدثته الأرتال الروسية المندفعة عبر سهول وأنهر ومستنقعات أوكرانيا وغاباتها، في استعادة عنيفة لمشاهد الجبهة الشرقية في الحرب الثانية، الحملة التي شملت كل شيء تقريباً، منطلقة من الولايات المتحدة وبريطانيا، على وجه الخصوص، في ما يشبه حملة مكارثية منفلتة وصلت الى إخراج "ديستويفسكي" من مساقات جامعة إيطالية، تراجعت الجامعة عن قرارها ولكنها تركت أثراً مخيفاً، ومقاطعة الرياضيين الروس والموسيقيين والسينما الروسية...، بحيث يصطف الفيفا الى جانب محكمة العدل الدولية وكارتيلات النفط والمصارف والمهرجانات الفنية وفدرالية العناية بالقطط...
بينما يجري تجميع الأسلحة وحزمها من كل بقعة ودفعها نحو أوكرانيا لتتقاطع مع قوافل اللاجئين المتجهة نحو الحدود.
اجتياح أوكرانيا كان مضمراً بالدرجة نفسها التي كانت ردة الفعل الغربية مضمرة، وكان عنيفاً وشاملاً بقدر عنف ردة الفعل واتساعها، الاجتياح هو ما لم يقرأه زيلينسكي، والتورط في أوكرانيا الشاسعة هو ما لم يستطع تفاديه بوتين.
سيواصل المتذكرون نبش حروبهم على رصيف المقهى، وسيصعد زيلينسكي الى السلّم التراجيدي دون أن يصل الخاتمة.
سينزف الدب الروسي أمام العقوبات والمقاومة، ولكن أوكرانيا ستتمزق.

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم