إعلان

بحثاً عن اعتراف أميركي بالسيادة الإيرانية على العراق

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
ميليشيات إيرانية في العراق
ميليشيات إيرانية في العراق
A+ A-
يصر المسؤولون العراقيون في مختلف مناصبهم على تكرار الحديث عن حرصهم على ألا يتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات. وهم يقصدون الصراع الأميركي ــ الإيراني.
 
حديث فيه الكثير من النوايا الطيبة أو الاستطراد الإنشائي الجاهز، أما الواقع فإنه يقول غير ذلك بل عكسه تماماً، فالعراق تحوّل ومنذ سنوات إلى الملعب الذي تصفي فيه إيران حساباتها مع الآخرين. والمقصود هنا بالآخرين هو الجمع الذي يمكن اختصاره بمفرد هو الولايات المتحدة.
 
لا تكتفي إيران بالمناورات التي تؤكد من خلالها استعدادها الدفاعي لمواجهة عدوها المتمثل بالولايات المتحدة، بل إنها ترى شبح ذلك العدو في كل دولة حليفة له، وفي مقدم تلك الدول تقف المملكة العربية السعودية وإسرائيل اللتان تعتقد إيران أن محاولة الإضرار بهما مباشرة أو من طريق الإيحاء ستدفع بالولايات المتحدة إلى التفكير ملياً بأهمية عقد صفقة معها.
 
ولأنها تخشى رد فعل إسرائيلي يقع خارج تقديرها، فقد اكتفت بالتهديدات التي يطلقها "حزب الله" بين حين وآخر. أما بالنسبة إلى السعودية، فإنها قد أوكلت مسألة العدوان عليها لميليشاتها في اليمن والعراق. وهو ما يشكل عنصر التباس فائض بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فمن جهة اليمن لم يكن موقف أميركا واضحاً بسبب الحرب الدائرة هناك، أما بالنسبة إلى الميليشيات العراقية الموالية لإيران، فإن الولايات المتحدة كانت تأخذ جانب الحذر في تعاملها معها خشية أن تتورط في حرب عصابات لن تكون نتائجها لصالحها.
 
وإذا ما كانت إيران قد ألزمت ميليشياتها في العراق بهدنة مع الجانب الأميركي في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، فلأنها كانت على يقين من أن الإدارة الأميركية كانت في انتظار أي خطأ ترتكبه لكي تنقض عليها وتجعلها تدفع ثمناً باهظاً هي في غنى عنه. أما وقد ذهب ترامب وانتهى عهده، فإن إيران صارت في حلٍّ من تلك الهدنة بعد أن استعادت ثقتها بقدرتها على ممارسة الضغط من طرف واحد.
 
لم تخفِ إدارة الرئيس جو بايدن رغبتها في العودة إلى الاتفاق النووي الذي قرر الرئيس السابق الانسحاب منه. هي إشارة قررت إيران أن تستنفد كل ما تنطوي عليه من ضعف. لذلك وضعت رفع العقوبات شرطاً لتخليها عن التجاوزات والعودة إلى الالتزام ببنود الاتفاق الأصلي. وهو شرط تبدو إيران من خلاله كما لو أنها تقدم تنازلات لقاء عودتها إلى الاتفاق غير أنه في حقيقته ينطوي على رغبتها في كسر الهيبة الأميركية في المنطقة وتثبيت مكتسباتها على حساب المصالح الأميركية. وذلك ما يمكن أن تقفز عليه الإدارة الديموقراطية لكن بشرط أن يتم بطرق مخاتلة، متحاشية وقوع فضيحة.
 
وليس هناك أكثر يسراً من أن يكون العراق ساحة لتلك اللعبة، فهو بيئة مريحة تتسع للقيام بعمليات تنتزع إيران من خلالها زمام المبادرة من الولايات المتحدة وتسجل أهدافاً في المرمى الأميركي، لا لأن ميليشياتها هناك صارت هي التي تدير الدولة العراقية التي تم استضعاف حكومتها التي يُفترض أنها موالية للولايات المتحدة فحسب، بل وأيضاً لأن الطرف الأميركي تخلى عن تعهد الرئيس ترامب بتحميل إيران مسؤولية ما يحدث في العراق. لذلك استعادت الميليشيات نشاطها المعادي للوجود الأميركي في العراق ما أن القى بايدن أولى خطواته في البيت الأبيض. بل أنها وسعت منطقة ذلك النشاط حين أقدمت على قصف قصر اليمامة في الرياض. وفي ذلك تحول خطير على المستوى الأقليمي والعالمي.
 
ضبطت إيران حركة ميليشياتها في العراق حسب توقيت تعتقد أنه مناسب لابتزاز الجانب الأميركي من أجل أن يقوم بتسريع الخطوات التي تقرب لحظة الإعلان عن البدء بالإجراءات التي تيسر العودة إلى اتفاق عام 2015 تفادياً لوقوع أحداث قد تشوبها أخطاء تحول دون تطبيع الأمر على المستوى الأوروبي. أوروبا المعنية بملف إيران النووي غيرت موقفها بطريقة صارت تشكل حرجاً لإدارة الرئيس بايدن. فبعد أن وقفت ضد الانسحاب الأميركي من الاتفاق متمسكة بالاتفاق القديم ها هي اليوم تدعو إلى توقيع اتفاق جديد يلزم إيران ببنود تتعلق بنشاطها التسليحي على مستوى الصواريخ البالستية وسياساتها التوسعية في المنطقة.
 
كل ذلك لا تضعه إيران في الاعتبار سعياً منها وراء هدفها العقائدي في "تركيع الغرب". وهو مصطلح لا تتعامل معه الولايات المتحدة وأوروبا في شكل جاد. إيران تملك منصة لعملياتها بسعة بلد هو العراق الذي استلبت منه حق السيادة الوطنية وصارت تتصرف فيه كما لو أنه جبهتها الرئيسة في حربها ضد أعدائها. كما أنها نجحت بسبب الاهمال الأميركي في تأسيس قاعدة عسكرية قوامها البشري أكثر من نصف مليون عراقي يمكن أن تعرضهم للموت من غير أن تواجه أي اعتراضات في داخلها.
 
لذلك ليس صحيحاً ما يُقال عن سيادة العراق وعن مسعى سياسييه في النأي به عن الصراع الأميركي ــ الإيراني. ما تفكر فيه إيران أن يكون الاتفاق النووي القديم ــ الجديد بمثابة اعتراف أميركي بسيادتها على العراق. تلك حقيقة تحاول الإدارة الأميركية تلطيفها وتنعيمها وتمريرها، وفي الوقت نفسه تسعى إلى أن يكون لحلفائها الأوروبيين دور في تقليل الخسائر الناجمة عنها. ذلك ما دعاها إلى إشراك حلف الناتو في المسألة العراقية لكي يحل محلها في المواجهة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم