إعلان

الحدود التي لا تعبرها السّلع يعبرها الجنود... !

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
اعلام دول الاتحاد المغاربي
اعلام دول الاتحاد المغاربي
A+ A-
 
في عنوان جديد لتأزيم المأزوم وتعقيد المعقد في العلاقات المغربية الجزائرية، قرر النظام الحاكم في الجزائر منذ سرقة ثورة تشرين الثاني (نوفمبر) أن يقطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط. الذين يعرفون طبيعة العلاقات بين البلدين يعلمون أن تلك العلاقات شبه مقطوعة منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، السلوك الجزائري الجديد لا يهم في الواقع المغرب، بل هو قرار موجّه الى الداخل الجزائري من خلال الاستثمار في المغرب/العدو الضرورة، وهو ما يتوافق مع بنية نظام معدل أعمار قادته يتجاوز السبعين سنة، وهو جيل غارق في سردية الحرب الباردة ويخشى المبادرات المغربية التي تسعى الى طي وضعية الجمود بين بلدين رئيسيين في شمال غربي أفريقيا، ويقدم مبررات للقطيعة التامة كثير منها يثير السخرية. 

الملك محمد السادس، وبمنطق الدولة العريقة التي تنظر إلى السياسة والجغرافية والمصالح بمنظور استراتيجي، اختار رمزية مناسبة عيد العرش لكي يوجه رسالة ودية الى الجزائر، تساهم في حمل البلدين على الاتجاه الجماعي نحو المستقبل، في عالم لا يؤمن سوى بالتكتلات والتعاون في مقابل منطق التجزئة والحدود المغلقة لعقود طويلة.
 
يقول الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا (1850-1801): "الحدود التي لا تعبرها السلع يعبرها الجنود"... والحدود بين البلدين مغلقة منذ فترة طويلة وسط سباق غير مسبوق على التسلح، تغذيه أطراف خارجية، لذلك يصبح تغيير زاوية النظر إلى طبيعة الصراع بين الجارتين، مطلباً ضرورياً لفهم اتجاهاته المستقبلية. 
 
للمغرب تقاليد دولة راسخة، وهو ما تفتقده للأسف النخبة الحاكمة في الجزائر منذ الانقلاب على ثورة نوفمبر، كما أن المغرب سعى دائماً إلى نزع أي فتيل يمكن أن يوظفه حكام الجزائر لتبرير أي حماقة تجاه المغرب، وهذا الأمر ممتد منذ زمن الراحل الحسن الثاني، يجب أن نتذكر هنا كيف أمر الملك الراحل، في حرب الرمال، الجيش المغربي بالعودة وهو على بعد خطوات من وهران، وكيف قبل ترسيم الحدود، بما في ذلك التخلي عن مطالب المغرب المشروعة في الصحراء الشرقية وذلك سنة 1972، نتذكر أيضاً كيف أن المغرب لم يصدر عنه رد مماثل على ما قام به هواري بومدين من ترحيل قسري لآلاف المغاربة ومصادرة أملاكهم، وذلك يوم عيد الأضحى في ما عُرف بـ"المسيرة السوداء"، حيث فصلت السلطات الجزائرية الآباء والأمهات عن أبنائهم في مأساة إنسانية توضح حجم السقوط الأخلاقي للنظام في الجزائر، لذلك كان المغرب ولا يزال، يدبر علاقاته مع الجارة الشرقية بمنطق "قدر الجغرافية"، فلا الجزائر ستغير موقعها ولا المغرب سيفعل ذلك، هذا هو قدرنا، والمغرب يحرص دائماً على توجيه رسائل هي في الحقيقة للشعب الجزائري ونخبه المتنورة التي يمكن أن تقود بلادها في المستقبل، الرسالة السياسية هي أنه ليس للمغرب موقف عدائي من الجزائر.. وأن المغرب يؤمن بالمستقبل. 

قبل أسابيع قليلة برزت على ساحة العلاقات المغربية الجزائرية التصريحات التي أطلقها عمر هلال بخصوص تقرير المصير بمنطقة القبايل وأكدها هذا الأسبوع، مجرد تصريح كان كافياً لكشف تناقضات النظام الجزائري وانتقائيته في التعاطي مع موضوع تقرير المصير، علماً أن المغرب عادة، كان يتجنب دائماً إنتاج ردود الفعل أو السقوط في منهجية تعاطي النظام الجزائري نفسها مع مصالح المغرب، النظام الجزائري لم يُبق أي سوء لم يوجهه للمغرب، لذلك هذا التصريح لم يضف أي توتر حقيقي للعلاقات بين البلدين، فالعلاقات بين البلدين عملياً متوقفة كلياً منذ ثلاثة عقود، وعلى تراب الجزائر ميليشيات مسلحة توجه أسلحتها ضد المغرب منذ أزيد من أربعة عقود، ومقدرات الشعب الجزائري صُرفت على جمهورية الوهم في كل المحافل الدولية، لذلك ما هو الأمر السيئ الذي يمكن توقعه من الجزائر... وهي ترهن المنطقة المغاربية. 
 
تبدو منطقة المغرب الكبير وكأنها خارج التاريخ، ففي الوقت الذي تتطور الاتحادات الإقليمية بجوارها وقريباً منها، ما زالت هذه المنطقة تغط في سبات الحرب الباردة، وتلعب بعض دولها أدواراً على خشبة مسرح هجره الجميع، لا متفرجون هنا، لكن من يتوهمون أنهم يلعبون أدوار البطولة يرفضون النزول عنها، تماماً كما يرفضون النزول عن كراسي السلطة، المفارقة هي أن منطقة المغرب الكبير في السنتين الأخيرتين على الأقل، كانت محط أنظار العالم عقب التحولات التي عرفتها كل من تونس وليبيا في إطار ما يسمى بالربيع العربي، ورغم أن التجربتين تختلفان معاً في طريقة إحداث التغيير ومساره، فإنهما معاً يواجهان صعوبات كبيرة، تظهر بلا حل في الحالة الليبيبة، أما في الحالة التونسية، فإن عدم الاستقرار يبقى العنوان الأبرز بحيث يصعب توقع المسارات التي ستأخذها البلاد بعد قرارات 25 تموز (يوليوز). 

الاتحاد المغاربي كان حلماً، وأصر جزء من النخب السياسية الحاكمة المتعاقبة على حكم البلدان الخمسة منذ موجة الاستقلال منتصف القرن الماضي، على أن يستمر كذلك.. المؤسف اليوم، هو أن هذا المشروع المفتوح على التاريخ والجغرافية، أحجم حتى على أن يكون حلماً، فالنزعة الوطنية الضيقة، قتلت هذا الأفق، بل لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن هناك ممارسات تعمل بصورة جادة بوعي أو بدونه، على إدامة هذا الوضع وتعميق جوانب الخلاف، بدل تعزيز مساحة المشترك بين شعوب المنطقة والتي تميز منطقة المغرب الكبير عن باقي مناطق شمال أفريقيا والشرق الأوسط، فالدول الخمس تتوحّد في اللغة والدين والمذهب، وهي العناصر بالضبط التي تشكل اليوم وقود الصراعات في منطقة الشرق الأوسط. 

يبقى السؤال هو: ما الذي يجعل منطقة المغرب الكبير عصية على الوحدة والتكامل الاقتصادي؟ ليس الوحدة بالمعنى الناصري الحالم أي الدولة الواحدة كما عاشته مصر وسوريا في لحظة من لحظات الرومانسية السياسية، بل بمنطق التعاون والتضامن والتكامل العقلاني على أرضية المصالح المشتركة، فبينما تتفاوض بلدان الاتحاد الأوربي مجتمعة عبر مؤسساتها في بروكسل، نرى بلدان المنطقة تتفاوض كل واحدة بمفردها مع مجموع بلدان الاتحاد الأوروبي، فكيف يمكن لهذه المفاوضات أن تكون عادلة وذات قيمة بالنسبة لشعوب المنطقة؟ الغريب أن المفاوضات الجماعية الوحيدة التي تجري في إطار جماعي، وخاصة تلك التي تجمع البلدان الخمسة جنوب أوروبا مع بلدان المغرب الكبير الخمسة، هي تلك المتعلقة بالأمن والهجرة غير الشرعية، أما باقي المفاوضات المتعلقة بالتبادل التجاري، فإن بلدان الاتحاد المغاربي تخسر فيها باستمرار، لأنها كما قلنا، تذهب إليها منفردة، علماً أن العديد من الخبراء الاقتصاديين يؤكدون أن كلفة غياب الاتحاد المغاربي، تصل في الأدنى الى خسارة نقطة من معدل النمو سنوياً بالنسبة لبلدان المنطقة، وإذا علمنا أن نقطة في معدل النمو تعادل خلق 35 ألف منصب شغل سنوي، فهذا معناه خسارة 175 ألف منصب شغل في مجموع البلدان الخمسة التي تنام على ثروات هائلة يتم استغلالها عشوائياً يرهن مستقبل الأجيال القادمة، فرغم أن اقتصادات البلدان الخمسة، هي اقتصاديات متوسطة، فإن قوتها، لو اتّحدت، تتمثل في كونها تعتمد على نشاطات متكاملة، فالطاقة موجودة في كل من ليبيا والجزائر والفلاحة والفوسفات في كل من المغرب وتونس والحديد والثروة البحرية في موريتانيا والمغرب، إضافة إلى ما حققه المغرب من تقدم في إطار برنامج "إقلاع" الصناعي الذي يبدو واعداً في قطاع السيارات والطائرات، يضاف الى ذلك ما تزخر به دول المنطقة مجتمعة من قوة للشباب وملايين المهاجرين ممن اكتسبوا خبرات في العلوم والاقتصاد الحديث في بلدان المهجر، ولهم كامل القدرة على دفع المنطقة إلى آفاق رحبة بخصوص التنمية في مختلف مستوياتها.

بقراءة موضوعية لواقع الاتحاد المغاربي الذي ظل منذ اتفاقية مراكش سنة 1988 عبارة عن اتحاد شبح، نخلص الى أن ما تم لم يكن سوى من باب رفع العتب على نخب تلك المرحلة، بينما تستمر الأجيال الحالية والقادمة في أداء فاتورة هذا الغياب أمام تطورات هائلة على المستوى العالمي، سواء على المستوى الاقتصادي أو التكنولوجي، وبخاصة التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة من خلال مخطط استراتيجي يجعل من خاصرتها في منطقة الساحل والصحراء، طريق حرير جديداً لمحاصرة ثروات المنطقة في الشمال والجنوب، الغريب هو أن بعض بلدان المنطقة تشارك في هذه اللعبة بحماسة كبيرة دون الوعي بمخاطرها الاستراتيجية على الكيانات الوطنية من جهة، وعلى الأفق الوحدوي الممكن، فتصاعد النزعات الانفصالية بالمنطقة وظهور جيل جديد من هذه النزعات كما تعرفه اليوم ليبيا ومالي، مع استمرار تبني أطروحات انفصالية في الصحراء المغربية من قبل الجزائر، كلها تحولات تنذر بأن كلفة غياب الاتحاد المغاربي ستكون كبيرة في المستقبل، وأن الرهانات الغربية على جعل المنطقة وقوداً لأزمات إقليمية مقبلة، أصبح حقيقة ظاهرة يصعب الادعاء بعدم معرفتها، فالغرب اليوم بدأ تدريجياً يحدث تحولات في خريطة النزاعات العالمية بما يخدم مصالحه العسكرية والتجارية والاستراتيجية، وفق تصور يجعل منطقة الشرق الأوسط تغرق في حروب طائفية ومذهبية وتهديدات خارجية متمثلة في كل من إيران وإسرائيل وتركيا، وجعل منطقة شمال أفريقيا تعيش تحت تهديد مستمر لتنظيم "القاعدة" وتنظيم "داعش" في منطقة الساحل والصحراء، حيث يتم توظيفها اليوم لخدمة المصالح الغربية الاستراتيجية، فأين هي النخب المتنورة في المنطقة من هذه التحديات؟ ومن دعوات طي الخلافات وبناء الثقة للتوجه إلى المستقبل كما طرحها الملك محمد السادس في خطاب العرش؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم