إعلان

عبد اللهيان و"دبلوماسيّة الجوار".. كيف تفكّر إيران في إدارة سياستها الخارجيّة؟

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
يوسف بدر
عبداللهيان
عبداللهيان
A+ A-
تم اختيار أمير عبد اللهيان لمنصب وزير الخارجية في إيران، لكونه على علاقة وثيقة بالحرس الثوري وبقائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني على وجه الخصوص. ولا يخفى أن وجوده في وزارة الخارجية يبعث على الطمأنينة بالنسبة الى الحرس الثوري، الذي لطالما أبدى مخاوفه من سياسة وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، بخاصة أن عبد اللهيان يتمتع بعلاقات وثيقة مع حلفاء إيران في المنطقة، وهو يعوض بعض ما فقدته إيران من نفوذها بمقتل سليماني.

لكن الجانب الأهم الذي عزز اختيار عبد اللهيان، والذي يقود سياسته؛ هو خبرته في الشؤون العربية والخليجية؛ إذ عمل سفيراً لبلاده في البحرين والعراق، وتقلد منصب نائب وزير الخارجية للشؤون العربية والأفريقية. 

جانب آخر، وهو تبني حكومة إبراهيم رئيسي سياسة الاقتصاد المقاوم، التي كان قد أطلقها المرشد الأعلى علي خامنئي لمواجهة العقوبات الأميركية؛ ما يعني البحث عن حل لمعضلة الاقتصاد من خلال دعم الإنتاج المحلي، والبحث عن فرص اقتصادية تتجاوز العقوبات. وهذا يدل الى أن إيران لا تربط مستقبل اقتصادها بمستقبل المحادثات النووية مع الغرب.

كذلك، تلقى سياسة الاقتصاد المقاوم تأييداً من المحافظين والحرس الثوري، الذين يملكون مؤسسات افتصادية ضخمة، تتكسب من أزمة العقوبات. ولذلك، يعارضون المحادثات مع واشنطن والانضمام الى معاهدة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب (فاتف)؛ بذريعة أنها ستقود إلى تكبيل إيران. كما أن هذا الجناح يدعم التوجه شرقاً وآسيوياً، بدلاً من التوجه غرباً وأوروبياً.

الاقتصاد والسّياسة الخارجيّة
إن إيران، لحل معضلتها الاقتصادية، لن تعتمد على المحادثات النووية؛ لأن هذا يعيد تكرار أخطاء الحكومة السابقة (التي اتُّهمت بتقديم تنازلات للجانب الغربي، ولذلك رفض مجلس الأمن القومي الإيراني مسودة الاتفاق التي تم التفاوض عليها في مباحثات فيينا، وأرجأ استئناف المحادثات لحين وصول حكومة رئيسي)، بل ستركز على مسار العلاقات مع دول الجوار وتراهن على التحولات في المنطقة من أجل حل هذه المعضلة، بخاصة أن مسار المحادثات النووية طويل ويخضع لحالة تعنت وتشدد من جانب إيران والقوى الغربية.

ولذلك، قال عبد اللهيان إن "طهران لا تقبل سياسة تضييع الوقت. وإن المحادثات يجب أن تكون لها نتيجة ملموسة. وإن البرلمان والحكومة يسعيان للحصول على أقصى حقوق الشعب الإيراني". وهو ما يدل الى أن مسار المحادثات النووية طويل وصعب في نظر وزير الخارجية الإيراني. ويحتّم عليه الذهاب إلى طريق بديل؛ تسطيع إيران من خلاله تحقيق الضغط في مسار التفاوض مع الغرب. وهذا المسار، هو تحسين العلاقات مع دول الجوار.

مسار دول الجوار
قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال اجتماع حكومته في 1/9/2021 إن "الدبلوماسية الأكثر فاعلية يجب أن تكون مع دول الجوار، ولا بد من بذل الجهود لرفع مستوى التجارة والتعاون الاقتصادي معهم".
 

 
وهنا يأتي دور عبد اللهيان الذي شرع ولايته في الخارجية بتغريدة، قال فيها: "عقدتُ العزم على متابعة سياسة خارجية متوازنة وفاعلة وذكية، تعتمد على مبادئ العزة والحكمة والمصلحة. الأولوية لجيراننا والقارة الآسيوية". 
 
فبعدها شارك في اجتماع بغداد، عقب ذلك بتصريحات إيجابية؛ وكتب في تغريدة إن "إيران والإمارات يمكنهما اتخاذ خطوات واسعة في مسار التعاون وتحقيق سياسة ودبلوماسية الجوار. إن العمل مع دول الجوار هو من أولويات الحكومة الإيرانية الثالثة عشرة". كما استرسل عبد اللهيان في حديثه مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمة بغداد. وهذا الأمر يفتح آفاق للعلاقة "البراغماتية" في السياسة الخارجية لإيران، التي لطالما انتقدت السياسة المصرية منذ عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات.

أيضاً، قال عبد اللهيان: "لم تقم محادثات رسمية بيننا وبين الوفد السعودي في مؤتمر بغداد؛ بل جرى حديث سريع، وقال وزير الخارجية السعودي إن بلاده تنتظر استقرار الحكومة الإيرانية الجديدة من أجل استئناف التواصل". ثم بعدها، أعلن سفير إيران لدى العراق إيرج مسجدي، أن الجولة الرابعة من المحادثات بين إيران والسعودية في بغداد ستعقد عقب تشكيل حكومة إبراهيم رئيسي.

لماذا دول الجوار؟
تدرك إيران دور القوى المجاورة وعلى رأسها السعودية في حل مشكلتها الاقتصادية؛ فإيران في عهد رئيسي تريد الذهاب إلى مسافة أبعد مما ذهب إليه الرئيس الأسبق أحمدي نجاد الذي نجح في تخطي العقوبات الأميركية وبيع النفط الإيراني بمساعدة وزيره، رجل الحرس الثوري رستم قاسمي. 

لكن الأمر مختلف الآن، وقواعد اللعبة تغيرت؛ فقد خسرت إيران علاقاتها مع السعودية، ولن يساعد أحدٌ إيران في تخطي العقوبات مثلما فعل من قبل. 

والآن تدرك إيران أن السعودية قادرة على تحريك العالم "السني" و"الخليجي" بما يضعها في دائرة الحصار؛ فلا علاقات قوية لطهران مع الدوحة أو مع أبو ظبي من دون تحسين العلاقات مع الرياض أولاً. كذلك، أثبتت السعودية بحجمها واستقرار إنتاجها النفطي أنها قادرة على سحب الأسواق الآسيوية من إيران. 

أيضاً، مسألة الحرب في اليمن، لم تؤتِ ثمارها، وتصعيد التوتر مع السعودية؛ لم يؤد إلا إلى زيادة حجم التسلح السعودي؛ بينما إيران لا تستطيع شراء أي سلاح جديد بفعل العقوبات.

تحوّلات المنطقة
لجوء إيران إلى دبلوماسية "دول الجوار"؛ هو نتاج التحولات التي طرأت على المنطقة؛ فلم يكن بالأمر البسيط رحيل الرئيس الأميركي الجمهوري ترامب وتداعيات ذلك على المنطقة. وبعدها، رحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، الذي قاد مسيرة من العلاقات مع دول الخليج العربي. 

كذلك، تداعيات "قمة العلا" والمصالحة الخليجية التي فرضتها المصلحة وضرورات اللحظة؛ وما عقبها من مصالحة مع أطراف خارجية أخرى، كالمصالحة بين مصر وقطر، والمصالحة بين تركيا ومصر، والمصالحة بين تركيا والإمارات، إلى جانب انتهاج السعودية سياسة أكثر براغماتية، بتقاربها مع سلطنة عُمان حليف إيران، واستثمارها في موانئ "أم الدقم" و"صلالة"؛ لكي تقترب من مياه المحيط الهندي.

كل ذلك، فضلاً عن الانسحاب الأميركي من المنطقة الذي بدأ بالانسحاب العسكري من أفغانستان، والتخوفات من نشوء حالة فوضى جديدة، والحاجة إلى ملء الفراغ.

كل هذا، وشواهد أخرى، دفعت إيران إلى انتهاج سياسة جديدة، تستثمر في تحولات المنطقة بما يخرج إيران من رهينة المحادثات النووية لحل مشكلاتها الاقتصادية والإقليمية.

السؤال الكبير؟
هو: هل تنجح إيران في حصاد شيء من "دبلوماسية دول الجوار أولاً"؛ في ظل استمرار دعمها الميليشيات المسلحة في المنطقة؟ إذ إن عبد اللهيان شرع مشاركته في "قمة بغداد" بالمشاركة في حفل تأبين لقاسم سليماني، وما إن انتهى من هذه القمة؛ حتى سافر إلى سوريا.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم