إعلان

بساط أحمر في الإليزيه... العرب والبحث عن الحلفاء الأقوياء!

المصدر: النهار العربي
محمد حسين أبو الحسن
محمد حسين أبو الحسن
ماكرون مرحبا ببن زايد في الاليزيه
ماكرون مرحبا ببن زايد في الاليزيه
A+ A-
تحوّلت العاصمة الفرنسية إلى وجهة لأربعة زعماء عرب توافدوا تباعاً على الإليزيه. في عشرة أيام فقط، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، في أول زيارة خارجية له منذ توليه رئاسة بلاده، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ثم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
 
وصف الإعلام الفرنسي المواكب العربية الرفيعة بأنها دليل على "ديناميكية وفاعلية" باريس في الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي تعاظمت أهميتها مع اشتعال الحرب الروسية - الأوكرانية، وأشارت إلى القمة العربية - الأميركية في جدة، و"الثلاثية" في طهران، قائلة إن الكل يبحث عن حلفاء أقوياء، فرنسا قوة مهمة، ومن مصلحتها أن تكون لها علاقات متينة مع العرب، فماذا عن مصالح القوم، وبأي مكاسب عاد الزعماء العرب إلى بلادهم؟! 

جاذبيّة متزايدة  
تعود العلاقات العربية - الفرنسية إلى فترة الحملات الصليبية، ثم الحملة الفرنسية على مصر والشام بقيادة نابليون بونابرت، كما كانت فرنسا مع بريطانيا قوتي الاستعمار التقليدي في الشرق الأوسط، وتركت الدولتان عبر "سايكس - بيكو" بصمات غائرة في جسد المنطقة، ما زالت تفعل مفاعيلها، توطّدت علاقات فرنسا بالدول العربية، وتشعبت وتوثقت في العصر الحديث على المستويات كافة، بحكم القرب الجغرافي، ففرنسا إحدى دول المتوسط الذي يشغل العرب شواطئه الجنوبية والشرقية. 

تحوز منطقة الشرق الأوسط جاذبية متصاعدة، في ظل الصراع القائم بين القوى الكبرى، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، ناهيك بالقوى البازغة كالهند واليابان، ومن المتوقع أن يزداد التجاذب حولها، مع تكاثر الأزمات فيها وفي أطرافها، لا سيما في "أوراسيا"، كالحرب الراهنة في أوكرانيا، ما يجعل الشرق الأوسط مسرحاً للصراع الجيوبوليتيكي؛ من أجل النفط والغاز والثروات والموقع الاستراتيجي، في غمرة تحولات تضرب النظام العالمي، وتهزّ أمن الطاقة لكل القوى الرئيسية، ما يجعل الإمساك بزمام موارد النفط والغاز وأنابيبه وممرّاته الحيوية أحد معايير القوة الجيوسياسية، ومقوماً للقوة الاقتصادية والهيمنة العسكرية التي ترتكز على حجر أساس هو الطاقة عموماً. 

تحتوي المنطقة العربية على أكثر من نصف مخزون نفط العالم، وهي منطقة استراتيجيّة تشكّل جسراً بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وبالتالي فإن تأمين منابع النفط والغاز ووسائل نقلهما وطرقه في الخليج وغيره هي مصلحة استراتيجية فرنسية بالدرجة الأولى، بخاصة أن ذلك يأتي بالتزامن مع أمرين مهمين: الأول، تقليل روسيا إمدادات الغاز والنفط إلى الدول الأوروبية، أو التلويح بقطعها، على خلفية الأزمة الأوكرانية، والثاني أن الأزمات والاضطرابات لا تزال مشتعلة في الشرق الأوسط، ما يجعل التقارب بين باريس والعواصم العربية مصلحة للطرفين، في عالم متغير.
 
تمثل فرنسا إحدى قوى الصف الثاني، بعد الصف الأول الذي تشغله الولايات المتحدة والصين ثم روسيا و"الاتحاد الأوروبي مجتمعاً"، دولة ذات تأثير عالمي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وتكنولوجياً، تحتفظ بعلاقات قوية متنامية، مع معظم البلدان العربية، لا سيما أن باريس تحرص، منذ عهد الجنرال ديغول، على انتهاج سياسة خارجية مستقلة نوعاً ما عن محور واشنطن - لندن، يتبدى ذلك في موقفها من قضايا فلسطين ولبنان والغزو الأميركي للعراق وسوريا واليمن وليبيا إلخ.  

أهميّة استثنائيّة  
تكتسب العلاقات العربية - الفرنسية أهمية استثنائية مع تسارع التغيرات الدولية والإقليمية التي تتطلب تبادل الآراء وتنسيق المواقف بين الأصدقاء والحلفاء، من أجل حلحلة بعض الملفات المتعثرة، في ظل الشراكة الاستراتيجية بين باريس، من جهة، وأبو ظبي والرياض والقاهرة والدوحة، من جهة أخرى، كذلك علاقاتها الراسخة بالمغرب والجزائر وتونس، وحضورها الفاعل في لبنان وليبيا والقرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء؛ لذلك قالت صحيفة "لوفيغارو" إنه بعد استقبال ماكرون كلاً من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لبيد، ثم رئيس الإمارات محمد بن زايد، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي عهد السعودية محمد بن سلمان ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، يسعى الرئيس الفرنسي إلى إظهار أن باريس هي بوابة عبور قادة المنطقة إلى القارة العجوز. 

مصادر فرنسية مطلعة أوضحت أن ماكرون الذي مد "البساط الأحمر" في ردهات الإليزيه، وسط حفاوة بقادة عرب، نجح في تأمين مساندة عربية، في ملفات عدة منها: توفير إمدادات الطاقة للدول الأوروبية، والأزمات الإقليمية في ليبيا ولبنان واليمن، والنووي الإيراني ومواجهة الإرهاب، بالإضافة إلى تعزيز التعاون العسكري والتسليحي على المستوى الثنائي، ففرنسا من أكبر موردي الأسلحة إلى مصر والإمارات وقطر والسعودية: طائرات رافال والدبابات والمدفعية الذاتية الحركة وأنظمة الصواريخ المتقدمة والوحدات البحرية الثقيلة والخفيفة وغيرها. 

في الجانب الاقتصادي، يعمل الفرنسيون بدأب على تنشيط صداقات قديمة وتدشين شراكات جديدة مع الدول العربية؛ يسيل لعاب باريس للاستثمارات السعودية والإماراتية والقطرية وغيرها، لا سيما أموال الصناديق السيادية الخليجية، في وقت يعاني العالم أجمع أزمة اقتصادية مركبة، ركوداً وتضخماً وندرة سيولة، بتأثير جائحة كورونا وحرب أوكرانيا؛ لذلك تمثل الأموال والاستثمارات الخليجية طوق نجاة لفرنسا، تحتفظ باريس بعلاقات اقتصادية مزدهرة مع معظم العواصم العربية، تجارياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً وتقنياً وعلمياً، بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين نحو 100 مليار دولار، وهناك آفاق واسعة للتعاون في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والتكنولوجيا النووية والنانو والأمن الغذائي والاتصالات على سبيل المثال. 

أضرار جانبيّة 
يقبل العرب والفرنسيون على تعميق علاقاتهما ورفع مستوى التنسيق إزاء القضايا محل الاهتمام المشترك، بينما من السهل تبين مدى تضعضع الثقة بالولايات المتحدة ومدى الإحباط الذي خلّفته سلوكياتها في العواصم العربية، خصوصاً بعد الانسحاب العشوائي من أفغانستان وتسليمها على طبق إلى "طالبان"، وفي النووي الإيراني والعراق وسوريا والأراضي الفلسطينية وحتى في الأزمة الأوكرانية. 

بوسع المرء أن يتبين الإحباط وسط أجزاء كبيرة من العالم العربي، من التخبط الأميركي، عكست وقائع قمة جدة العربية - الأميركية، ما يمكن تسميته بـ"تحرر العرب" على نحو متزايد من سحر السياسة الأميركية. يجمع الفرنسيين والعرب إدراكٌ لحقيقة أن التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، يؤدي دوراً حاسماً في الشؤون العالمية، وأن الأضرار الجانبية لهذا التنافس الخشن أحياناً تأتي على حسابهما، مثلما جرّته تداعيات الأوضاع في أوكرانيا على شعوب عربية وأوروبية، بدءاً من تراجع أمن الغذاء والطاقة إلى استفحال الأزمة الاقتصادية والديون، إلى درجة باتت دول عربية وأوروبية غير قادرة على احتمالها، ومن ثمّ يسعى العرب والفرنسيون إلى جذب الحلفاء وتنويع البدائل السياسية والاقتصادية والعسكرية، وقد عكست زيارات القادة العرب للإليزيه نوعاً من "المناورة الاستراتيجية" من الجانبين على السواء، فوق مسرح السياسة الدولية المتلاطم الأمواج. 

استطاع الزعماء العرب أن يجنوا مكاسب مهمة، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، على نحو ما أظهرته تحركاتهم ولقاءاتهم فوق المنبر الفرنسي، رويداً رويداً يجيد العرب اللعب بأوراقهم، صناعات مشتركة ونقل تكنولوجيا وصفقات سلاح ضخمة وتوافق مع باريس في كثير من القضايا الإقليمية والدولية. 

 وهذا لا ينفي أن فرنسا - بل كل القارة الأوروبية - تمرّ الآن بأزمة حادة، فيما يواجه العالم العربي سلسلة تحديات تاريخية قديمة مزمنة وجديدة مزعجة؛ ما يجعل من تنمية الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين بمثابة استثمار حقيقي في المستقبل. نجاح مثل هذه الشراكة مع فرنسا أو غيرها من القوى الكبرى في هذا العالم يكفل إمكان "الفعل" العربي، وليس مجرد "رد الفعل" إزاء المشكلات الإقليمية المتفاقمة والحفاظ على الأمن الدولي، بالنظر إلى ترابط السياسة والاقتصاد والاستراتيجية؛ تزدهر علاقات فرنسا مع العرب؛ لأنها ترتكز على مصالح متبادلة، من دون المصالح تصبح العلاقات بين الدول مجرد مظاهر احتفالية وبروتوكولية فارغة من المضمون والهدف.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم