إعلان

لبنان ينتحر... هل يسقط استعصاء ميشال عون؟

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ميشال عون عندما كان رئيساً لحكومة عسكرية عام 1988
ميشال عون عندما كان رئيساً لحكومة عسكرية عام 1988
A+ A-
بعد سنة أو أكثر بقليل تنتهي ولاية الرئيس اللبناني ميشال عون. مع انتخابه قبل 5 سنوات دخل البلد في مرحلة جديدة تختلف عن كل سابقاتها، فقد كان انتخابه بمثابة تعيين، بعدما تعطّل الاستحقاق الرئاسي نحو سنتين أي بين 2014 عند انتهاء عهد الرئيس السابق ميشال سليمان وحتى 2016 عندما لم يكن لينجز الانتخاب إلا بعد حسم اسم عون كمرشح وحيد للرئاسة. لم يحقق عون أي إنجاز فعلي يسجل لعهده، بل انزلق البلد إلى الانهيار وسادت الفوضى التي نشهدها اليوم وانعزل لبنان عن محيطه العربي وترك لمصيره بسبب سياسات ضربت كل التقاليد التاريخية وأخذت البلد نحو سياسة المحاور بالتغطية على مشاريع إقليمية لقوى تمتلك فائض قوة ومرتبطة بمرجعيات خارجية.
 
ما تبقّى من وقت للعهد لا يشير إلى أن الرئيس ميشال عون سيغيّر من سياساته وممارساته التي نسفت اتفاق الطائف ووضعت أعرافاً وتقاليد وصلاحيات أمر واقع. ولا أمل في أن يستقر البلد، طالما لم تحسم ملفات عالقة بين الطوائف والقوى السياسية على قاعدة التسوية واستناداً إلى الصيغة التي كانت تحكم لبنان قبل مجيء عون. في 2016 وعند انتخابه هناك من تحدث عن قطب مخفية وسيناريوات للمرحلة المقبلة.
 
كان رئيس مجلس النواب نبيه بري الأكثر رفضاً لترشيح عون للرئاسة. وها هو الخلاف بين عون وبري يتجدد في ملف تشكيل الحكومة وقبل ذلك على ملفات لها علاقة بالدستور والطائف، من دون أن نضع جانباً الصراع على السلطة والصلاحيات. بعد خمس سنوات، بدت الرئاسة اللبنانية متهالكةً مع ميشال عون... استعصاء في كل الملفات ولا قدرة لرئيس الجمهورية على أن يكون حكماً وليس طرفاً بين القوى السياسية والطائفية، لا يستطيع أن يطلق المبادرات ولا أن يؤسس لتسويات سياسية تضع لبنان على سكة الإنقاذ. لا بل إن الاستعصاء الاول والأساسي هو في تشكيل الحكومة التي تعتبر مدخلاً لإعادة البحث في الإنقاذ والإصلاح، فيرفض استمرار سعد الحريري رئيساً مكلفاً حتى لو كلّف الأمر انهيارات متتالية لا يعود معها التشكيل مهماً، طالما أنه يمارس صلاحيات السلطة التنفيذية في غياب رئيس أصيل لمجلس الوزراء.
 
اليوم يتمسك عون بشروط رئاسية وهو الذي انطلق مما يسمى بتحالف أقلوي دفعت البلاد ثمناً له، في ظل هيمنة سياسية يتقدمها "حزب الله" بفائض القوة، وهو الذي لا يخفي إمساكه بملفات أساسية في البلد. مع هذا العهد تتالت الكوارث، ونُسف اتفاق الطائف، فالكلام عن مسؤولية رئاسة الجمهورية ليس تفصيلاً، وإنْ كانت الطبقة السياسية كلها تتحمل المسؤولية، والنظام عاجز عن التطور فيما الإنسداد يحجز التقدم نحو المستقبل.
 
اليوم الأجواء في القصر الجمهوري تشير إلى مزيد من التشدد لدى الرئيس عون ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، ذلك أنهما لم يتوقعا أن يكون موقف "حزب الله" على هذا القدر من الاحتضان لمبادرة نبيه بري، إذ غاب عن بال العونيين أن الحزب المتحالف مع عون لم يعد يحتاج كثيراً إلى التغطية على مشاريعه بعدما أدت وظيفتها داخلياً وإقليمياً، وهو المتمكن والواثق انطلاقاً من فائض قوته على تطويع الجميع وفي التأثير في حلفائه. هذا الأمر يجعل عون أكثر تصلباً أيضاً لحسابات تتعلق بمستقبل تياره وفق ما يراه وموقع جبران باسيل، ما يعني أن لا حكومة مع سعد الحريري، وهذا التشدد بالنسبة إلى عون معركة وجود طالما أنه صاحب التوقيع الأخير وهو لن يتخلى بسهولة عما حققه من هيمنة على القرار الحكومي ومكاسب وصلاحيات أمر واقع لا تصديق دستورياً عليها، حتى لو سادت الفوضى وانفجر البلد، وفي هذا استعادة للممارسة السياسية خلال ترؤس عون الحكومة العسكرية في 1988 والتي أدت إلى هزيمته وإقرار اتفاق الطائف وسيطرة الوصاية السورية على لبنان.
 
وضعت رئاسة ميشال عون لبنان أكثر انكشافاً على الخارج، إلى ما حل به من تهشيم لبنيته وتجاوزات للدستور، فلا أحد يستطيع أن ينفي أن عون المتحالف مع "حزب الله" قدم تغطيات كبيرة لسياسات الحزب وممارساته وتدخلاته الإقليمية في كل مكان. وفي المقارنة لا تطابق الوقائع الرئاسية اليوم حال البلد بين عامي 1988 و1990. فليس الانتخاب هو الذي حكم موقع رئيس الجمهورية، وفق تداول مصطلح الانتخاب الطبيعي الذي يسمح بإيصال الرئيس سياسياً الى الموقع اللبناني الأول. وليس هذا الموقع نفسه عندما تمترس الجنرال ميشال عون في قصر بعبدا رئيساً لحكومة عسكرية، كان خلالها لبنان يمر بأخطر أزماته، وليس أيضاً العامل الإقليمي هو نفسه. لذا، نتذكر أن ميشال عون قائد الجيش آنذاك كان يمسك بأوراق في البيئة المسيحية وتوازن إقليمي، سمحا له بالصمود في القصر، على رغم الصراع مع "القوات اللبنانية" آنذاك، إلى أن فعلت كلمة السر الإقليمية والدولية فعلها، فخرج ومعه دخل لبنان في مرحلة جديدة من التوازنات حكمتها صراعات إقليمية.
 
ينزلق البلد اليوم إلى فوضى أهلية برئاسة عون، وهو انزلق أيضاً بعد عام 1989 الى صراعات أهلية وداخل البيت الواحد. وللمفارقة أن انتخاب الرئيس الذي يأتي عادة من خلال دعم إئتلاف سياسي يمثل مصالح سياسية واجتماعية، ما عاد قاعدة في لبنان، عندما انتخب ميشال عون. نتذكر أن الفراغ والأزمة في عام 1989 ليسا مثالاً لما مر به الواقع اللبناني في كل محطاته وحقبات الصراع فيه. لكن، لنعترف أن لبنان في 2016 كان أمام خيارين، إما القبول بعون المرشح الأول كمخرج للأزمة وتجاوزاً للتعطيل، وإما مخالفة هذا الأمر كان سيعرض البلد الى مزيد من الأخطار، وربما خضّات لن يكون قادراً على الخروج منها. لذا شهدنا ابتعاداً من أحكام الصيغة اللبنانية بدرجة فاقعة، حتى عندما كانت الحرب الأهلية تدفع بالطوائف اللبنانية الى جهرها بمطالبها وحقوقها من الكيان، إذ إن السياسات الرئاسية اللبنانية ظلت سابقاً متناغمة مع الصيغة وميثاقيتها، الى أن خرج الانتظام الوطني اللبناني اليوم عنها، ولم يعد هناك من يتنبّه كثيراً لمقتضيات الصيغة، وهو أمر دفع بقواعد أهلية طائفية أخرى الى الاستنفار في محاولة لحفظ مصالح طائفياتها.
هكذا صار عون رئيساً وبقي حليفاً لـ "المقاومة" ولـ "حزب الله" وظل في موقع الداعم لمحور الممانعة، وعلى خصومة سياسية ومتفجرة مع أكثر من بلد عربي.
 
لكن الاستعصاء العوني دخل في طور جديد، على الرغم من أن الخلاف وتناحر القوى السياسية والطائفية على السلطة أسقطا كل المبادرات الإنقاذية. والواضح أن هذا الاستعصاء ازداد تصلباً في غياب أي اعتراض لبناني شعبي منظم على استخفاف الطبقة السياسية بالتحديات المصيرية التي يواجهها البلد. وفي كل حال، تبدو الأزمة الحالية هي الأخطر في تاريخ لبنان منذ تأسيسه، وذلك في ظل انسداد الأفق أمام التسويات أو إخراج صيغ إنقاذية تتشكل من خلالها الحكومة وتستعيد المؤسسات دورها لوقف الانهيار. وفي ظل هذا الصراع تقدم التيار العوني كل الاستعصاءات وبات كل شيء أو أي حل مرتبطاً بمبادرات يقودها العهد، إنْ كان في تشكيل الحكومة أو غيرها. لكن أحد أسباب تشدد العهد واستعصاءاته لما تبقى من ولايته هو محاولته استعادة صلاحيات شبه مطلقة تتعلق أولاً بتغيير آلية الاستشارات النيابية لاختيار الرئيس المكلف وتشكيل الحكومة وعملها في آن، أي أنه يسعى لكسر توازنات اتفاق الطائف والتحكم بالسلطة التنفيذية وسحب بعض صلاحيات مجلس النواب، لحسم أيضاً اسم رئيس الجمهورية المقبل، وصولاً إلى تفسير الدستور والقوانين. هذه وجهة يعتبرها ميشال عون فرصة أخيرة لتياره بوجوده في رئاسة الجمهورية يستخدمها إلى أقصى الحدود ومن خلالها يستعصي على الحل ويريد سحب تكليف الحريري لاختيار اسم آخر يتدخل معه في تشكيل الحكومة وتركيبتها وتحديد مسارها. أما خلاصة هذه الوجهة فتعبّر عن مشروع انتحاري لا يطيح فقط بالوجود المسيحي انما بلبنان كصيغة وككيان.
 
كان على العهد وتياره أن يستدركا كلام الفاتيكان الذي يريد توفير مناخ حول العلاقة الجيدة للبنان والمسيحيين فيه مع كل الطوائف الكبرى في المنطقة والتي يعيش معها المسيحيون، إنطلاقاً من إعلان الأزهر وزيارة البابا فرنسيس إلى الإمارات، وإنهاء نظرية حلف الأقليات التي وضعت المسيحيين ومصيرهم بمواجهة متعاكسة مع الجماعات الأخرى. وما يحصل اليوم من ممارسات يعاكس هذا التوجه ويزيد من عزلة لبنان ويدفعه الى مزيد من الانهيار... والانتحار!
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم