إعلان

دفاعاً عن "نوّاب التغيير" في لبنان في وجه هجوم "الأستذة"

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
نواب التغيير في ساحة الشهداء - وسط بيروت
نواب التغيير في ساحة الشهداء - وسط بيروت
A+ A-
مائة بالمائة من اللبنانيين الذين قاطع ستون بالمائة منهم صناديق الإقتراع، يتولّون منذ صدرت نتائج الانتخابات النيابية "الأستذة" على ثلاثة عشر نائباً من أصل مائة وثمانية وعشرين آخرين، حملتهم الى "ساحة النجمة" لوائح "القوى التغييرية".
 
وبضوء النتائج التي انتهت إليها عمليات "فرض" رئيس "حركة أمل" نبيه برّي رئيساً للمجلس النيابي، للمرّة السابعة على التوالي، وانتخاب عضوَي "كتلة لبنان القوي" الياس بو صعب وآلان عون، لمنصبَي نائب رئيس المجلس النيابي وأمين سر مكتب هذا المجلس، تكثّفت الإنتقادات لهؤلاء النوّاب الثلاثة عشر، وقد توزّع المنتقدون على ثلاث فئات:
 
تمزج الفئة الأولى بين "نوّاب التغيير" و"النوّاب المستقلين"، على الرغم من الفارق الكبير بينهم، إذ إنّ غالبية النوّاب المستقلّين، إمّا هم استمرار "إرثي" لبيوت سياسية معروفة ولها صلات تاريخية ب"التقليد السياسي"(عبد الرحمن البزري، نموذجاً)، وإمّا هم منفصلون عن تيّارات سبق أن حملتهم، في مرحلة سابقة الى الندوة البرلمانية (ميشال ضاهر، نموذجاً). 
 
وتأخذ الفئة الثانية على النوّاب التغييرين الثلاثة عشر انضواءهم، في معركة التصويت لنائب رئيس مجلس النوّاب، بدورتها الثانية، لمصلحة النائب المستقل الذي تحالف في الانتخابات النيابية مع لائحة يقودها "الحزب التقدمي الإشتراكي"، وتعتبرهم قد "خانوا النأي بالنفس عن الإستقطاب".
 
أمّا الفئة الثالثة فتلوم هؤلاء النوّاب على عدم الإنضواء كليّاً، ومنذ الدورة الأولى لمعركة التصويت لنائب رئيس مجلس النوّاب، في العمل لمصلحة النائب سكاف، ووقوفهم حتى الدورة الثانية على الحياد، الأمر الذي انعكس لمصلحة مرشّح "التيار الوطني الحر" النائب الياس بو صعب.
 
ويُبيّن كلّ ذلك، بشكل لا لبس فيه، أنّه تتناقض الأسباب والإنتقاد واحد.
 
بطبيعة الحال، لا يوجد أحد فوق خطّ الإنتقاد، فالنوّاب الذين حملتهم "لوائح التغيير" الى المجلس النيابي، أخطّأوا هنا وسوف يخطئون هناك، ولكن أن يتمّ تحميلهم مسؤولية ما انتهت إليه حال مكتب مجلس النوّاب، مثله مثل مسارعة البعض ممّن "أكلت السلطة عليهم وشربت"، بعدما تمّ إعلان نتائج الانتخابات النيابية، إلى مساءلة هؤلاء عن انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية وارتفاع أسعار "السلّة الغذائية" وانقطاع التيّار الكهربائي!
 
في الواقع، لا يمكن لوم "نوّاب التغيير" على أيّ اتّجاه سياسي سوف يميلون إليه، وفق تقييمهم لظروف اللحظة التصويتية أو التشريعية، فهم لم يقدّموا أنفسهم الى الناخبين على أساس الالتزام بهذا الفريق السياسي أو ذاك، بل طلبوا أصوات المقترعين على أسس واضحة، فهم ضد "كلّن يعني كلّن"، وضدّ الطبيعة الطائفية للنظام اللبناني، وضد "تبادل الخدمات" بين قوى المنظومة السياسية على اعتبار أنّ هذه "المحاصصة"، بما هو معلن ومستتر، هي العصا التي تضرب السيادة هنا و"عافية" الدولة هناك.
 
وهؤلاء النوّاب، وإن كانوا يشكّلون "أقلية وازنة" إلّا أنّهم ليسوا مسؤولين عن اتّجاه المعارك بين القوى المتصارعة، إلّا إذا وجدوا، في ذلك "مصلحة وطنية" و"فائدة ديموقراطية".
 
وإذا كان هناك فريق سياسي معيّن سارع الى احتساب هؤلاء في خانة "الأكثرية النيابية الجديدة"، فهو من يتحمّل مسؤولية "إيهام" اللبنانيين والمعنيّين بالشأن اللبناني بذلك، وتالياً لا يمكن، بأيّ وجه من الأوجه، القفز على رقاب هؤلاء، لأنّهم، في مكان ما، خيّبوا هذا النوع من الحسابات المتسرّعة أو غير الدقيقة أو "الهادفة".
 
إنّ "النوّاب التغييريين" معنيون بترجمة ما حملوه من وعود الى ناخبيهم، وهي وعود ترجموها، في أولى جلسات مجلس النوّاب، فمنعوا "التوافقات الفوقية"، وأجبروا الجهات المعنية باكتساح مكتب مجلس النوّاب، على تجهيز معاركها، ومنعوا رئيس المجلس النيابي من إدارة الجلسة، وفق ما يشتهي، وجاهروا بموقفهم المعادي للطائفية، وحملوا ملفات تثير حساسيات "أقوياء المجلس"، كقضية تفجير مرفأ بيروت، إلى القاعة العامة المفتوحة على كلّ وسائل الإعلام الجماهيرية.
وبموجب هذه المعطيات، يمكن الحكم على موضوعية أو عدم موضوعية الإنتقادات التي يتم توجيهها الى "النوّاب التغييريين".
 
ولقد بيّن الفارق البسيط في الأصوات لمصحلة الياس بو صعب على غسّان سكاف، في دورة الإقتراع الثانية لمنصب نائب رئيس مجلس النوّاب، أنّ القوى السياسية على اختلافها، بحاجة الى أصوات "النوّاب التغييريين" كما الى أصوات "النوّاب المستقلّين"، من أجل توفير أكثرية مقرّرة، في المرحلة المقبلة التي تتضمّن استحقاقين كبيرين: تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب رئيس الجمهورية.
 
ولقد أثبت إئتلاف "حزب الله"، بانتخاب كلّ من الياس بو صعب وآلان عون، أنّه قادر على توفير الأكثرية المطلقة، وأنّ لديه "ماكينة" ناشطة جدّاً، تحقيقاً لذلك، بينما لا ينطبق ذلك على القوى الأخرى التي يبدو واضحاً أنّ عليها، توفير الوقت والجهد اللذين تهدرهما في التهجّم على النوّاب التغييريين، من أجل نقل الأكثرية المطلقة من مكان إلى آخر.
 
الإمتحان الأوّل، سوف يكون في استحقاق تسمية الشخصية المكلّفة رئاسة الحكومة.
 
سوف يسعى إئتلاف "حزب الله" الى إنجاح شخصية قادرة على رصّ صفوفه، من جهة أولى وعلى استقطاب النوّاب المستقلّين، من جهة ثانية، وضعضعة وحدة "النوّاب التغييرين"، من جهة ثالثة.
 
الرئيس الحالي للحكومة نجيب ميقاتي، وما إن أنهى آخر جلسات حكومته التي أقالها الإستحقاق النيابي، حتى حاول من خلال هجومه على ملف الكهرباء، أن يُظهر نفسه على مسافة من "التيّار الوطني الحر"، مطمئناً إلى أنّ ذلك، في "فترة التكليف" لن يُفسد في الود قضية، على اعتبار أنّ صهر شقيقه الذي وفّر التواصل، عند تشكيل الحكومة السابقة، مع رئيس "التيّار الوطني الحر" جبران باسيل، سوف يقوم بمهمة "الإيضاح" وإبقاء جسور التواصل "المستترة" قائمة.
هو يريد من وراء هذا السلوك أن يُقنع المستقلّين والتغييريّين، بالإضافة الى القوى السياسية المناوئة لائتلاف "حزب الله"، به.
 
وإذا نجح في هذه الخطّة، بمؤازرة فرنسية يعمل على توفيرها، سوف يتمّ ترشيحه للبقاء في منصبه.
 
وفي حال فشل في خطّته هذه، فإنّ ائتلاف "حزب الله" سوف يطرح أسماء أخرى، من شأنها أن تحول دون توحّد القوى المناوئة له مع أكبر عدد ممكن من التغييريين والمستقلين.
 
في المقابل، فإنّ القوى الأخرى معنية بطرح أسماء يمكنها أن تستقطب الأكثرية المطلقة، وذلك يقتضي الأخذ بالإعتبار، وبتوقيت مبكر، رأي "النوّاب التغييريين" الذين في حال توافقوا على اسم مثل السفير السابق نوّاف سلام، يمكنهم أن يشكّلوا "جبهة" مع "القوى المناوئة للهيمنة الإيرانية على لبنان" ويلاقوا معاً "هوى" غالبية الرأي العام اللبناني، المؤيّد للتغيير.
 
وقد يعجز سلام عن تشكيل حكومة، بالمواصفات التي ترغب بها القوى التي رشّحته، ولكنّه سوف ينجح، ولو من موقع العجز عن التشكيل، في أن يفضح نيات القوى المعطّلة، الأمر الذي يُبقي الأكثرية المطلقة التي سمّته موحّدة الى حين تدق ساعة الإستحقاق الرئاسي.
 
وبالإستناد الى ما يؤكّده العارفون في الكواليس اللبنانية والإقليمية والدولية، فإنّ إمكان إنقاذ لبنان من الكارثة التي جرى إسقاطه في جحيمها، يبدأ مع النتيجة التي سوف يُسفر عنها الإستحقاق الرئاسي.
 
حتى تاريخه، يطرح "حزب الله" في الكواليس "لائحة قصيرة" لانتخابات رئاسة الجمهورية تضم إسمين: جبران باسيل وسليمان فرنجية.
 
الخيار النهائي متروك لربع الساعة الأخير.
 
بطبيعة الحال، هذان الخياران لا يلاقيان تأييد شرائح واسعة من اللبنانيين وقوى أساسية في المجلس النيابي، ولكنّ الوقوف في وجه "الفرض" يقتضي أن تكون القوى الرافضة لهذه "اللائحة القصيرة" قادرة على توفير الأكثرية المطلقة.
 
وإذا حصل ذلك، فإنّ ائتلاف "حزب الله" يمكن أن يذهب الى تعطيل جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، من دون أن تكون القوى الأخرى مضطرة الى أخذ خطوة تعطيلية طالما وقفت في وجهها وتصدّت لها وهاجمتها.
 
وفي حال عطّل "حزب الله" الإستحقاق الرئاسي تسقط، لمرّة واحدة وأخيرة، أمام الرأي العام المستنفر، صدقية خطابات "مدّ اليد" التي تلقيها رموزه.
إنّ ما انتهت إليه انتخابات مكتب مجلس النوّاب ليست بتلك الأهميّة التي يوليها إيّاها كثيرون، لأنّ التجربة التي خاضتها قوى 14 آذار، يوم كانت تملك الأكثرية النيابية الواضحة أثبتت أنّ مفتاح المجلس بيد الرئيس نبيه بري.
 
بين العام 2005 والعام 2018، كانت أكثرية مكتب مجلس النوّاب الساحقة تنتسب الى قوى 14 آذار، ومع ذلك، نجح برّي والى جانبه النائب ميشال موسى فقط لا غير، في أن يُقفل مجلس النوّاب، بداية، لمنع الأكثرية النيابية من التصويت لمصلحة تشكيل المحكمة الخاصة بلبنان، وفي أن يُقفله، لاحقاً، لمدّة طويلة جدّاً، في وجه انتخاب رئيس للجمهورية غير المرشّح الذي يريده "حزب الله": ميشال عون.
 
إنّ أهمية الجلسة الانتخابية الأولى التي عقدها مجلس النوّاب تكمن في أنّها لقّنت "سكارى الإنتصار" و"المبتدئين" درساً سياسياً مهمّاً، كما أظهرت للشرائح الشعبية التي تريد التغيير، فعلاً، أنّ الإعتقاد بأنّ مهمّاتها في الميدان إنتهت مع دخول ثلاثة عشر نائباً منها الى المجلس النيابي، ليس سوى وهم، وتالياً فإنّ من جعلتهم نوّاباً يحتاجون إليها، في كلّ مناسبة، حتى يُثمروا، ف"الثورة" أصبح لها محامون في داخل المجلس، ولكنّها لم تدخل إليه... بعد.




الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم