إعلان

الاستعمار .. نعمة أم نقمة؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
من الحياة الريفية في الصومال
من الحياة الريفية في الصومال
A+ A-
 كان حارس جامعة في الخرطوم يجلس بثوبه التقليدي ويعتمر طاقية بيضاء يرقب الداخل والخارج حيناً وينشغل بفطوره حيناً آخر. قال لي مرافقي السوداني، إن هذا الشاب ورث وظيفته عن والده، مع الفارق الكبير. فالوالد كان يرتدي بدلة أنيقة ويقرأ الصحف الإنكليزية، ولا يمكن أن يجلس أثناء العمل أو يمضغ اللبان، أو "يفرش" طعامه أمام الناس. أما الابن فبالكاد يقرأ العربية. 

بين الجيلين نصف قرن، ومن زار الخرطوم في عهد مملكة مصر والسودان، شهد حاضرة من أكثر الحواضر العربية رقياً وتمدناً. كانت الجامعات السودانية تقدم للعالم خيرة المهنيين في مختلف التخصصات من الجراحة والهندسة الى الآداب والفنون، وكانت حياتها السياسية تموج بالحوارات والمناظرات النقابية والصحافية والبرلمانية في شتى القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكان قطار التنمية قد قطع شوطاً طويلاً، مروراً بمحطات التعليم والصحة والزراعة والبنية التحتية. 

ثم جاءت الانقلابات العسكرية والحركات التحررية والقومية التي عمّت العالم العربي، فخرجت بريطانيا وجثم حكم العسكر على كبرى الحواضر العربية، ووجد السودان نفسه يتقلب بين ديموقراطية جدلية بلا إنجاز، وعسكرية مؤدلجة تتأرجح بين الماركسية والإسلام  السياسي. 
 
أحوالنا .. قبل وبعد!
حال السودان في ذلك لا يختلف كثيراً عن حال غيره، فمصر استبدلت حكماً ملكياً دستورياً برلمانياً حوّلها واحداً من أجمل بلدان العالم وأكثرها حيوية وثراءً وتقدماً، تحت الحماية البريطانية، التي بكل عيوبها حافظت على ديموقراطية البلاد وحمت حرياتها وثرواتها وشجعت نموّها وتقدمها. 

وسوريا التي كانت جنة الله في أرضه، تصدّر قطنها ومنسوجاتها ومنتجاتها الزراعية الى أسواق العالم، ويزورها الملايين للاستمتاع بطبيعتها وكنوزها التراثية وحضارة أقدم مدينة في العالم، أصبحت تنام على انقلاب وتستيقط على آخر، ولما استقر بها حكم الطائفة والجيش أصبحت ترزح في قبضة النظم الاشتراكية والشعارات الثورية والبعثية. 

والعراق، بلاد الرافدين، وعاصمة أكبر وأكثر الإمبراطوريات رخاءً ومنعة وعطاءً للحضارة الإنسانية، ومملكة الهاشميين دهراً شهدت فيه تطوراً وتنمية وحرية تحت الحماية البريطانية، حل بها وباء الانقلابات العسكرية المتتالية، ثم عقود الحكم البعثي، فالهيمنة الأميركية - الإيرانية، حتى ضاع كل شيء، وتحوّل من بلد منتج مصدر مؤثر، الى مستهلك يستورد طعامه ومياهه وطاقته الكهربائية ووقوده من ملالي إيران.

أما عدن، التي كانت لؤلؤة في التاج البريطاني، وميناؤها محطة السفن بين أوروبا وآسيا، ومطارها صالة الترانزيت بين الشرق والغرب، وفيها حراك ثقافي وسياسي واجتماعي يضاهي أحدث الحواضر العربية الكبرى وأجملها، فقد نقلتها حركة التحرير الماركسية من الرخاء الى الضنك، ومن الانفتاح الى الانغلاق، ومن الإنتاجية الى الشعاراتية، حتى أصبحت مجرد نقطة مظلمة في خريطة النفوذ السوفياتي الدولي.  

وبعد الوحدة زرت عدن فاكتشفت أن أجمل معالمها وشوارعها ومبانيها أُنشئت في عهد الحماية البريطانية، وأفضل مستشفياتها، مستشفى الملكة أليزابيث، افتتح قبل ستين عاماً، وما زال يعمل (تحت اسم مستشفى الثورة!) بالتجهيزات القديمة، ومنها جهاز أشعة استغربت الشركة المنتجة أنه موجود، فضلاً عن عمله من دون تجديد لأي قطعة فيه. الصادم أن بريطانيا عرضت تجديده وتطويره وإدارته لمناسبة مرور نصف قرن على إنشائه، شرط استعادة الأسم القديم، فرفض العسكر! 

وحتى في لبنان، الذي اشتهر أهله بحيويتهم ودأبهم وقدرتهم على التجديد والبناء .. وإعادة البناء، تبقى المناطق التاريخية ببيوتها ذات الطراز الفرنسي وميادينها وشوارعها الأثرية هي الأجمل. أما الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية فكانت أكثر حيوية وتنظيماً وكفاءة في عهد الحماية. ولعل ما آلت اليه الأحوال بعد حرب العسكر خمسة عشر عاماً، ثم حكم العسكر "الإيراني" هما ما دفع بعض الجماهير الى مطالبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زياراته إثر انفجار بيروت، بعودة الحماية الفرنسية. 

وفي فلسطين، عاشت البلاد تحت الحماية البريطانية أفضل عهودها في العصر الحديث. فقد نشرت بريطانيا، الى حد كبير، الحريات والتنمية وحكم القانون. كما فعلت في البلدان التي استعمرتها أو وفرت لها الحماية، ومن ذلك الحريات الدينية، وحرية التعليم والعمل والتجارة والزراعة والتملك والتعبير. ومع أن حركة التحرر الفلسطينية في ذلك العهد مالت الى ألمانيا النازية، وتحالفت معها، لم يدفع السكان ثمن ما اعتبرته بريطانيا خيانة. وازدهرت السياحة الدينية، والأنشطة الزراعية والتجارية، والحياة السياسية. 

أما الصومال، فالفارق مذهل بين العهود التي عاشها تحت الاستعمار الأوروبي وحاله اليوم. ولا يختلف حاله، بالمناسبة، مع أحواله اليوم. فالصومال الفرنسي، والصومال البريطاني، والصومال الإيطالي، كانت انعكاساً للتطور الذي يمثله البلد الأم، وكان المواطن يحظى بحقوق أوروبية، ويحمل جوازات إمبراطوريات كبرى تمكّنه من التعلم والاستشفاء والعمل والتجارة في أصقاع الأرض. وكانت هذه البلدان محطات للتجار والزوار والباحثين عن حياة أفضل من البلدان المحيطة والبعيدة. وفي مطلع الستينات استقلت المناطق المختلفة من الصومال ووحدها الجيش والحكومة الماركسية ثم مزقتها الخلافات العشائرية والحزبية والعقائدية. وتعددت الانقلابات حتى أدت الى حرب أهلية عام 1991 استدعت المجاعة الناجمة عنها تدخل القوى الدولية، ولا تزال. 

الإنصاف ودرب التّغيير 
وهكذا نجد أن المقارنة بين حال أكثر البلدان العربية تحت الحماية الأوروبية وحالها تحت حكم الثوار والعسكر تميل الى مصلحة الأولى. فبعكس الإمبراطوريات مصاصة الدماء، كالعثمانية والفارسية والسوفياتية والبلجيكية واليابانية، كانت الإمبراطوريات الرومانية والإغريقية والعربية قديماً، والبريطانية (والى حد ما الفرنسية والإيطالية) حديثاً، أكثر رفقاً بالمناطق التي تقع تحت استعمارها المباشر أو الحماية بتفويض من الأمم المتحدة، وأكثر حرصاً على تعميرها واحتوائها ضمن النسيج العام للدولة، والتعامل معها بقدر من المساواة تحت القوانين والمبادئ والقيم السائدة. 

والى الذين ينظرون الى تلك المرحلة بعين واحدة، ويقيسون دول الاستعمار والحماية بمسطرة واحدة، أسألهم، باسم الإنصاف التاريخي والحياد العلمي، أن يحاكموا تلك المرحلة بكل جوانبها، سيئاتها وحسناتها، ويقارنوها بما آلت اليه الأحوال بعدها. وأن نحكم على الحكومات التي سبقت بإنجازاتها وأخطائها. ثم لنبدأ بعد ذلك بدراسة تاريخ الانقلابات العسكرية، وبقدر ما نذكر لها إنجازاتها، علينا أن نحاسب من قاموا بها، وهم منا، على أخطائهم وجرائمهم بعيداً عن التسميات المخففة والملطفة لها كـ"النكبة" و"النكسة" والتبريرات المعلبة كالمؤامرة الكونية وإسرائيل، حتى لا ينطبق علينا قول الشاعر (نعيب زماننا والعيب فينا   وما لزماننا عيب سوانا). وعندها فقط يمكننا أن نبدأ صفحة جديدة نستفيد فيها من دروس الماضي، ونتعظ بالحاضر، لنؤسس للمستقبل. 

هكذا فعلت الدول التي نجحت كاليابان وإيطاليا، وهكذا وصلوا الى التغيير المنشود والتطور المشهود. وعلى هذا الدرب نصل. 

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم