إعلان

بورما والانتقال الديموقراطي المعوّق

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
أونغ سان سو تشي
أونغ سان سو تشي
A+ A-
انفصلت ميانمار أو بورما كاسم سابق للدولة، عن حكومة الهند البريطانية عام 1937 بعد استفتاء شعبي، وتشكلت كدولة تحت اسم "جمهورية اتحاد ميانمار" متعددة الأعراق واللغات والأديان... اللغة الأساسية هي البورمانية ويطلق على المتحدثين بها وهم أكثر من ثلثي السكان، البورمان.
 
عندما منحت بريطانيا الاستقلال لميانمار عام 1948، اشترطت أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال بعد 10 سنوات إذا رغبت في ذلك، لكن بعد حصول ميانمار على الاستقلال تم نقض ذلك الالتزام، وما يعيشه إقليم راخين ذي الغالبية المسلمة من تصفية عرقية منذ سنوات، هو واحد من تبعات نقض ذلك الإلتزام.
 
 
ميانمار هي بلد المناضلة والحقوقية السابقة أونغ سان سو تشي، زعيمة الرابطة الوطنية للديموقراطية في ميانمار، ونجلة الجنرال أونغ سو الملقب بـ"أبو الاستقلال" الذي تم اغتياله عام 1947، فازت عام 1991 بجائزة نوبل للسلام، وهي قادت نضالاً مثيراً للإعجاب في بلدها ضد المجلس العسكري لمدة 20 سنة، قضت منها 15 سنة في السجن من بينها 6 سنوات سجناً انفرادياً، وقد فاز حزبها في الانتخابات عام 1990 لكن المجلس العسكري انقلب على النتائج، وعادت الرابطة الوطنية لتفوز في انتخابات عام 2013 إذ حصلت على الأغلبية في البرلمان. وقد ترشحت الزعيمة سان سو تشي وفازت بمقعد برلماني عن مقاطعة كاوهمو، حيث التزمت الرابطة معالجة إرث سنوات حكم المجلس العسكري وتعزيز الممارسة الديموقراطية وحماية الحريات. وتجدد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 الفوز الساحق للرابطة في الانتخابات التشريعية الأخيرة وسط حملات تشكيك في نزاهتها من قبل قادة الجيش، وهو التشكيك الذي تطور بالأمس إلى انقلاب عسكري كامل عطّل الدستور والمؤسسات الدستورية ووضع قادة الرابطة والبلاد في الأسر مجدداً بمن فيهم الزعيم سان سو تشي.
 
 
عاشت ميانمار لزمن طويل تحت حكم ديكتاتورية عسكرية لا تفرق في قمعها بين المسلمين من أقلية الروهينغا في إقليم راخين وبين الأغلبية المطلقة للسكان البوذيين، بل حتى الرهبان، ورغم المكانة المعنوية والاجتماعية التي يتمتعون بها لا يتم إستثناؤهم من حملات القمع.
 
منذ 2013 بدا أن ميانمار اختارت المدخل الانتخابي للإنتقال الديموقراطي عبر الإعتراف بنتائج الانتخابات والإقرار بفوز المعارضة التاريخية ممثلة في حزب أونغ سان سو تشي، لكن ذلك لم يكن يتّسم بالوضوح واتسم بكثير من الهشاشة ولا يمثل تطبيقاً للنموذج البرازيلي في الانتقال الديموقراطي الذي مثل فيه المدخل الانتخابي، مدخلاً متوافقاً عليه بين القوى الديموقراطية والمؤسسة العسكرية لتدشين مسار ديموقراطي مبني على شرعية صناديق الاقتراع التي تفرز تعددية حقيقية. فرغم فوز حزب الرابطة عام 2013 بثلثي مقاعد البرلمان، فإن الجيش بموجب الدستور، له نسبة 25 في المئة من مقاعد البرلمان، وله سيطرة على ثلاثة قطاعات وزارية مهمة جداً... تشرف على الشرطة والجيش وشؤون الحدود ومستويات مختلفة من البيروقراطية، إضافة إلى تمتع الجيش، الذي يملك أكبر الجيوش البرية في جنوب شرق آسيا، بسلطات إستثنائية وذلك وفقاً للدستور ما يمكّنه من السيطرة على البلاد لأسباب فضفاضة مثل " الأمن القومي" و"الوحدة الوطنية"، وذلك في إستنساخ لما كانت تعرفه تركيا من صلاحيات للجيش في حماية "علمانية الدولة" والتي كانت سبباً في عدد من الانقلابات التي عاشتها تركيا.
 
 
القناعة التي ترسخت لدى كثير من المهتمين بالانتقال الديموقراطي، هي أن الديموقراطية توجد في وضعية هشة جداً داخل ميانمار، بحيث هناك جوانب بنيوية تجعل عملية نزع الطابع الديكتاتوري عن تسيير البلاد، أمراً صعباً، وأن الانقلاب العسكري كان معطى ثابتاً في الحياة السياسية في ميانمار.
 
هنا ترتفع أسئلة كثيرة حول مبررات قبول حزب الرابطة بهذه الوضعية بعد سنوات نضالية نموذجية في مواجهة المجلس العسكري، وما صمته لسنوات على ما تعرضت له أقلية الروهينغا من تصفية عرقية، يقوم دليلاً على وجود ارتباك في التعاطي مع القيم الديموقراطية، ليس فقط من قبل المؤسسة العسكرية، بل وأساساً من قبل القوى الديموقراطية التي كان من المفترض أن تتصدى لكل الممارسات التي تناقض الديموقراطية، ويبدو أن اختيار المهادنة مع الجيش والرهان على الزمن، لم يؤت ثماره مع مؤسسة عسكرية ما زالت وفية لبراديغم الأنظمة الشمولية كما تبلورت في القرن الماضي، أمام عجز دولي سمته الغالبة عدم الاهتمام بموضوع الديموقراطية في زحمة قضايا أخرى أضحت تحتل الصدارة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم