إعلان

إثيوبيا والعرب... بناء السدّ وهدم الجسور

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
سدّ النهضة
سدّ النهضة
A+ A-
السياسة هي فن الممكن، البراغماتية هي فن تحقيقه، والاستراتيجية هي الخطة المبرمجة على خطوات ومراحل للوصول الى الأهداف المرسومة.

ولكن مشكلة القائد الشعبوي، الأيديولوجي، العرقي، أنه يستلهم أمجاد التاريخ لإدارة الحاضر، والتخطيط للمستقبل. ويمضي الى أحلامه الماضوية بغضّ النظر عن المتغيرات الآنية والتبدلات الكونية. وبعض القادة لا يكشف حقيقته منذ البداية أو يغيّر جلده متأخراً. ربما لأنه لم يدخل عالم الوهم إلا بعد إصابته بداء العظمة، أو لأنه أخفى مشروعه حتى ثبّت أقدامه، "تمسكن حتى تمكّن". فهتلر، مثلاً، لم يعلن عن مشروعه التوسعي للهيمنة على العالم حتى اطمأن الى قوته، وستالين بقي سكرتيراً للحزب الشيوعي بالمفهوم البيروقراطي لسنوات، وترك المسرح والأضواء للقادة المؤسسين، حتى أكل بعضهم بعضاً، بتخطيط منه في كثير من الأحيان، حتى تمكّن من الإمساك بخيوط السلطة، فاستولى عليها وأباد من حوله، وأطلق مشروعه الأممي. أما موسوليني فقد كان واضحاً منذ البداية، ألهب الجماهير وزحف بها على روما واستكمل هيمنته على بلاده، ثم أطلق قوتها على المستعمرات والعالم من حوله. 

العقيد آبي أحمد
وتاريخ العرب والأفارقة عبر التاريخ فيه من هذا وذاك، والانقلابات العسكرية لم تعلن عن نياتها مبكراً، فقد كان "البيان الأول" لكل منها يعد بتطهير البلاد من الفساد وتسليمها لحكومة من اختيار الشعب والعودة الى المعسكرات، ويستشرف ديموقراطية ورخاءً وتنمية.

وعندما تولّى العقيد السابق في الجيش الإثيوبي آبي أحمد علي (مسيحي من أب مسلم وأم مسيحية) رئاسة الوزراء في إثيوبيا عام 2018 خلفاً لرئيس الوزراء السابق هايلي مريام ديسالين، الذي أعلن استقالته بعد اندلاع أعمال عنف واحتجاجات مناهضة للحكومة، أطلق مبادرة المصالحة مع إرتيريا وأنهى حرباً استمرت عقوداً، ونجح بدعم خليجي في تحقيق السلام بين  البلدين، وبين العرقيات المتخاصمة في بلده، ومدّ الجسور مع دول الجوار، كينيا وجيبوتي والسودان وإرتيريا للحصول على امتيازات في موانئها. وعام 2019 حصل على جائزة نوبل للسلام، كما حصلت عليه قبله، رئيسة وزراء ميانمار، أون سان سو تشي. ثم تغيّر كما تغيرت ... أو لعله كشف عن حقيقته باضطهاد شعب التيغراي، كما كشفت "تشي" عن حقيقتها بمواصلة اضطهاد شعب الروهينغيا!  ومن يدري، فقد ينتهي الى ما انتهت اليه، ولن يجد حينها، كما لم تجد هي اليوم، من يتعاطف أو يذكره بخير. 

كانت المرحلة الفاصلة في مسيرة رئيس الوزراء الشاب مع سد النهضة. وهو مشروع إنمائي عظيم بدأت عمليات إقامته على النيل الأزرق في 2011، وبدأ تخزين المياه في 2020، من أهدافه توفير المياه والطاقة المستدامة والنظيفة للتصدير، كأكبر سد من نوعه في أفريقيا، بعد أن تلبي احتياجات مشاريع زراعية وصناعية كبرى، من شأنها أن تنقل إثيوبيا الى مستوى متقدم في الرخاء والتنمية، واستطاع بإصراره على تحقيق سده العالي الهام الشعب وتوحيده وراء أمل بمستقبل أفضل. وتجلى ذلك في حماسة الإثيوبيين داخل البلاد وخارجها على شراء صكوك الإقراض التي أصدرتها الدولة لتمويل بناء السد.   

تراجع أجندة الإصلاح
الا أنه في الوقت نفسه، بدأ يتراجع عن المضي في مشروعه لتطوير علاقاته الخارجية، وتحقيق مكانة أفريقية ودولية تمكّنه من تحقيق مشاريعه الداخلية، وعلى رأسها جذب الاستثمارات والحصول على القروض الميسّرة وتشجيع التجارة البينية، نتيجة لإصراره على عدم مراعاة مصالح جاريه، السودان ومصر، وحقوقهما المائية. 

وهكذا، بدلاً من أن يصبح المشروع مكسباً مشتركاً يعزز العلاقات بين البلدان الثلاثة، تحوّل قضية شائكة استدعت تدخل منظمات أممية من بينها الأمم المتحدة، ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة. وبعد سنوات من المماطلة والمكابرة، وافقت أديس أبابا على اتفاق برعاية أميركية يلزمها بآلية تنظم خزن وتحرير المياه بحسب الكمية والزمن، بخاصة في ظروف الجفاف، وآلية لحل المنازعات .. ثم انسحبت! علماً أن الاتفاقيات الموقعة عامي 1929 و1959 تعطي كلاً من مصر والسودان حصة الأسد في مياه النيل. بينما ترفض إثيوبيا تلك الاتفاقيات باعتبارها "من الحقبة الاستعمارية"، ولذلك عقدت اتفاقاً مع ست دول في حوض النيل، عام 2010، لسحب حق الفيتو من مصر والسودان ضد قيام مشاريع على النيل تقلل من نصيبهما من مياهه.

وعلى الصعيد الداخلي، غيّر الرئيس المنتخب موعد الانتخابات القادمة، فرفضت جبهة تيغراي التي تحكم إقليم تيغراي شمال البلاد، ونفذت انتخاباتها في الموعد المحدد. الرد كان عسكرياً بالتحالف مع الخصم السابق، إرتيريا، ونجمت عنه حرب دموية شرسة، لم تراع فيها القوانين والأعراف الدولية لحماية المدنيين، وانتهت الى سيطرة الجيش والقوات الإرتيرية على الإقليم، وتحوّل خلاف سياسي حرب عصابات واستنزاف لا يعلم إلا الله مداها. 

أما الجيران، فقد نال السودان المنهك أساساً بأزمته الاقتصادية، نصيبه من اللاجئين الفارين من جحيم الحرب، الذين فاق عددهم 50 ألفاً. ومع ذلك استغلت الخرطوم الفرصة لاستعادة إقليم الفشخة الزراعي، والغني بالذهب والمعادن الذي تحتله إثيوبيا منذ 130 عاماً، برغم اعترافها بالخرائط البريطانية التي تثبت سودانيته والموقعة عام 1902، واتفاق تخطيط الحدود عام 2002. وما إن استكمل الجيش الإثيوبي السيطرة على مناطق النزاع حتى تحوّل الى دعم عصابات تهاجم القوات السودانية، مع المطالبة بتسوية لمصالح المزارعين والمستوطنين الإثيوبيين في المنطقة. 


فاتورة الصراع 
تراكم القضايا الخلافية في ملف العلاقات الخارجية لأي دولة مهما بلغت قوتها ينهكها ويشغلها عن مشاريعها التنموية. فرأس المال جبان، والمستثمر والمقرض والتاجر الأجنبي لن يغامروا بالمشاركة في مشاريع في بلد لا يسوده الاستقرار السياسي والأمني والتشريعي والعدلي. والخطاب الشعبوي العقائدي الذي يستحضر أمجاد الماضي ويعزف على وتر المظلومية، ويوقظ العرقية ويشعل الفتن الطائفية، قد يلهي الجماهير عن معاناتها ويوحّدها تجاه العدو المفترض ووراء القائد المنقذ، لكنه مفعول قصير. فأنت تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، أو بعض الناس كل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. وعندما يستيقظ الوعي الجماهيري الى الحقائق ويستوعب المخطط الخادع، يتحوّل طوفان الغضب من الخارج الى الداخل، ومن القاع الى القمة، وينتهي القائد ومشروعه الى ما انتهى اليه هتلر وموسيليني، صدام والقذافي، بوكاسا وعيدي أمين. 

ما زال في الوقت بقية، وما زال أمام رئيس الوزراء آبي أحمد علي، فرصة للتراجع وإصلاح ما خرب، وتعديل المسار. وإذا أراد ذلك، فسيجد من الأصدقاء من يعينه. فرصيد بلاده لدى جيرانها والمجتمع الدولي كبير، ورصيده من العلاقات الدولية لم ينضب بعد. 

وساطة سعودية؟ 
والعرب الذين تحاشوا التدخل المباشر في نزاعات إثيوبيا مع مصر والسودان، تعمّدوا ترك الوساطات للاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي حتى لا يتحوّل الأمر خلافاً واصطفافاً عربياً/أفريقياً، لكنهم مستعدون للمساهمة في إيجاد الحلول وتثبيتها. والسعودية التي تربطها أقوى العلاقات مع جميع الأطراف مرشحة للقيام بما تقوم به دوماً من المساهمة في حل الخلافات بين الأشقاء والأصدقاء، كما تعاونت مع الإمارات من قبل في حل الخلاف المزمن بين إثيوبيا وإريتريا. وتستضيف الرياض قريباً القمة العربية - الأفريقية وعلى أجندة أعمالها الخلاف الحدودي بين إثيوبيا والسودان، ولعلها تضيف بموافقة الأطراف المعنية قضية سد النهضة.  

كل ما يحتاجه الحائز جائزة نوبل للسلام أن يعود الى أجندته الأساسية - إنهاء الصراعات وتوحيد الشعب، وإشاعة العدل والمساواة، والتركيز على البناء والتعاون والنماء - وسيجد أن الجميع معه داخل البلاد وخارجها، وأن تكلفة السلام، كما ثبت له من قبل، أيسر وأجدى من تكاليف الحروب.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم