إعلان

"الزواج الكاثوليكي" بين "الإخوان المسلمين" ودولة الخميني

المصدر: النهار العربي
عمرو فاروق
الرئيس المصري السابق محمد مرسي مع الرئيس الايراني الأسبق محمود أحمدي نجاد في طهران
الرئيس المصري السابق محمد مرسي مع الرئيس الايراني الأسبق محمود أحمدي نجاد في طهران
A+ A-
سعت إيران منذ نظام الرئيس حسني مبارك، إلى اختراق المجتمع المصري وفشلت بشكل كبير، لكنها وجدت الفرصة سانحة منذ أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، من أجل محاولة تمكين الفكر الملالي الصفوي من التأثير في الثقافة المصرية وتطويعها بما يحقق مشروع "ولاية الفقيه"، الذي يتفق شكلاً ومضموناً مع توجهات جماعة "الإخوان المسلمين"، على المستوى الفكري في ما يخص عودة "الخلافة" المزعومة، التي حازت جانباً من أدبيات المشروعين "الإخواني" الراديكالي والشيعي الإيراني، أو ما يعرف بثنائية "الخلافة والإمامة".
 
هذا التقارب كان جلياً وواضحاً في الكثير من المحطات التاريخية، إذ التقى مؤسس "الإخوان المسلمين" حسن البنا، مصطفى الموسوي الخميني الذي أصبح في ما بعد الإمام آية الله الخميني، في المقر العام لجماعة "الإخوان"، عام 1938، وهناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى تأثره بأفكار حسن البنا وسيد قطب، وفقاً لما كشفه القيادي السابق في "الإخوان" ثروت الخرباوي، في كتابه "أئمة الشر"، عبر وثيقة تاريخية.
 
يأتي في مقدم هذا التأثير، أن خامنئي عندما أصبح مرشداً للثورة الإيرانية عام 1989، أصدر أمراً بتدريس نظريات سيد قطب وأفكاره في مدارس الإعداد العقائدي لدى "الحرس الثوري الإيراني"، الى جانب قيامه عام 1966 بترجمة كتاب "المستقبل لهذا الدين" إلى اللغة الفارسية، وكتب في مقدمة الترجمة أهمية الدور الذي أدّاه قطب، ونعته بصفة "المفكّر المجاهد"، وترجم كتاب "الإسلام ومشكلة الحضارة الغربية"، ووسمه بعنوان "بيان ضدّ الحضارة الغربية"، وكتاب "في ظلال القرآن". 
 
وخلال تبني الأزهر الشريف سياسة التقريب بين المذاهب في ثلاثينات القرن الماضي، زار رجل الدين الإيراني محمد تقي القمي مصر، والتقى حسن البنا، كما استضاف سيد قطب، مجتبى ميرلوحي، الشهير بـ"نواب صفوي"، خلال زيارته القاهرة في عام 1954، ويعتبر صفوي، مؤسس الحركة الشيعية الثورية "فدائيان إسلام" عام 1946 المناوئة لحكم الشاه آنذاك، وهي أول جماعة إسلامية متشددة في إيران الحديثة، ولعبت دوراً في ربط الإسلاميين الشيعة بالحركات الإسلامية في الدول الأخرى.
 
يمثل فكر سيد قطب مرجعية سياسية لقادة نظام الملالي الصفوي، بعدما تم تأليف 100 كتاب عنه وعن أفكاره، ففي دراسته "الإمام الخميني بين الحاكمية وولاية الفقيه" أوضح الباحث اللبناني ورئيس "مركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط" الدكتور هيثم مزاحم، أن ثورية الخميني ارتبطت بأفكار سيد قطب ارتباطاً وثيقاً، متأثراً بمفاهيم نظرية الحاكمية الإلهية لدى كل من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وبلورت في نهاية المطاف نظرية "ولاية الفقيه".
 
كان عراب العلاقات "الإخوانية" الإيرانية، ومسؤول الاتصال بين الطرفين، يوسف ندا، الذي صرح بأن "الإخوان" شكلوا وفداً لزيارة الخميني عندما كان في المنفى في باريس لدعمه، وأن ثالث طائرة تهبط في إيران بعد طائرة الخميني بعد الثورة عام  1979، هي طائرة وفد "الإخوان" الذي قدم لإيران لتهنئة الخميني، وكان على متنها وفد ضم راشد الغنوشي من تونس، وحسن الترابي من السودان، وعدداً من "إخوان" لبنان.
 
وفي كانون الثاني (يناير) 1982، صرّح عمر التلمساني، المرشد الثالث لجماعة "الإخوان" الى إحدى الصحف الأسبوعية المصرية قائلاً: "لقد دعمنا الخميني سياسياً، لأنّ الشعب المظلوم تمكّن من التخلص من حاكم قمعي، واستعادة حريته".
 
نشرت وكالة "تسنيم" التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني"، في كانون الثاني (يناير) 2021 تفاصيل عن علاقة جماعة "الإخوان المسلمين" بالنظام الإيراني، مؤكدة أن طهران دعمت وصول "الإخوان" الى السلطة، وأن "ثورة 25 يناير" 2011، مهدت الطريق بشكل كامل للوجود الإيراني في مصر، وفقاً لاعترافات أدلى بها قاسم سليماني خلال اجتماع مع قادة "الحرس الثوري". 
 
زار سليماني مصر سراً عام 2013، منتحلاً صفة سائح بجواز سفر مزور، والتقى قيادات "الإخوان" في أماكن عدة، وأجرى مباحثات مع عصام الحداد، مستشار محمد مرسي للشؤون الخارجية ومسؤولين من الجماعة، منهم خيرت الشاطر. اللقاءات تمت في مدينة نصر ومنطقة التجمع شرق القاهرة، والأقصر في صعيد مصر، بغية تكوين جهازَيْن أحدهما أمني والآخر استخباري خاصَّيْن بـ"الإخوان"، يكونان منفصلَيْن عن أجهزة الدولة في مصر، وفقاً لما كشفته صحيفة "التايمز" البريطانية. 
 
اعترافات وكالة "تسنيم" التابعة لـ"الحرس الإيراني" بدعم طهران لجماعة "الإخوان"، لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقتها تصريحات رسمية في شباط (فبراير) 2020، أدلي بها المساعد الخاص حينها لرئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية أمير حسين عبد اللهيان، خلال مؤتمر تحت عنوان "دور سليماني في أمن واستقرار المنطقة والعالم"، كاشفاً عن لقاءات أجراها مع وفد أرسله الرئيس "الإخواني" محمد مرسي إلى طهران، لفتح العلاقات الدبلوماسية والسياسية والعسكرية، الى جانب الاستعانة بـ"الحرس الثوري" في تشكيل كيان أمني "إخواني" يدين بالولاء للتنظيم لتعزيز قبضته على السلطة.
 
حالة التطبيع الديني والسياسي مع طهران كانت واضحة خلال تصدر "الإخوان" المشهد السياسي في مصر، إذ عرض وزير خارجية إيران علي أكبر صالحي، صفقة على قيادات مكتب الإرشاد تضمنت دفع إيران 30 مليار دولار، في حال فتح سفارة للقاهرة في طهران، مقابل فتح سفارة لإيران في القاهرة، إضافة الى 5 ملايين سائح إيراني بهدف انعاش السياحة المصرية، وتطوير المصانع المصرية المتوقفة بيد خبراء فنيين مُتخصصين تابعين لـ"الحرس الثوري"، وإعادة تشغيلها مرة أخرى حتى تعبُر مصر أزمتها الاقتصادية.
 
تضمنت الصفقة شرطاً آخر تمثل في تسليم جميع المساجد التي بناها الفاطميون في مصر في العهد الفاطمي الى الدولة الإيرانية، لترميمها وإدارتها بشكل مستقل، والموافقة على إصدار صحيفتين، يتم تمويلهما لتكونا ناطقتين باسم نظام الملالي في القاهرة، والموافقة على إلحاق 200 ألف طالب مصري للدراسة في طهران سنوياً وبصفة دورية. 
 
في إطار محاولات التطبيع السياسي والثقافي، دعمت طهران الزيارات المتبادلة من خلال وفود إعلامية وسياسية وشعبية تحت رعاية جماعة "الإخوان"، فضلاً عن أنه لا يمكن تجاهل زيارة مرسي لطهران عام 2012 للمشاركة في مؤتمر "دول عدم الانحياز" كأول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاماً، وزيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للقاهرة، وإلقائه خطبة من  داخل الأزهر الشريف.
 
كانت إيران الملاذ الأول لجماعة "الإخوان" في تأسيس كيان أمني يحمي مشروعها، ويدين لها بالولاء، ليكون بديلاً من الأجهزة الأمنية التي فشلت في تطويعها لأهدافها الخاصة التي لا تعترف بضروريات الأمن القومي المصري، إذ أكد رئيس لجنة التحفظ وإدارة أموال جماعة "الإخوان" في القاهرة المستشار عزت خميس، في 24 كانون الثاني (يناير) عام 2016، أن إيران وبموافقة "الإخوان" حاولت التقارب مع مصر من طريق ضخ نحو 10 مليارات دولار إلى البنك المركزي المصري كوديعة، وإمداد القاهرة بالمواد البترولية، كما عثر على مستندات في مقر جماعة "الإخوان" تفيد بإنشاء جهاز أمني "إخواني" غير معلنة هويته الحقيقية وتابع لرئاسة الجمهورية وبمساعدة إيرانية.
 
ومما يترجم حالة التشابك والتواصل المستمر بين جماعة "الإخوان" ونظام الملالي الصفوي، ما رصدته الأجهزة الأمنية المصرية في حزيران (يونيو) 2012، من دور لـ"الحرس الثوري" في نشر عناصر مدربين في الأراضي المصرية عبر الأنفاق غير المشروعة، حيث قاموا بتحديد الأماكن والمنشآت الهامة والأمنية بشمال سيناء ومعاينتها والعودة عقب ذلك إلى قطاع غزة عبر الأنفاق، حيث تم تدعيمهم بالسلاح والمعدات اللازمة.
 
اتفقت تلك المعلومات مع التحريات التي أجراها قبل اغتياله، المقدم محمد مبروك، مسؤول متابعة ملف "الإخوان" في جهاز الأمن الوطني في القاهرة، في تقريره الأمني عن حجم التنسيق بين التنظيم الدولي لـ"الإخوان" و"الحرس الثوري" الإيراني، وحركة "حماس" و"حزب الله" خلال أحداث 25 كانون الثاني (يناير) 2011.
 
تقرير محمد مبروك، أكد أنه في الفترة ما بين 2006 إلى 2010، كانت هناك لقاءات متصلة ومستمرة بين "الحرس الثوري" الإيراني، وقيادات "إخوانية" في مقدمهم محمد البلتاجي ومحمد سعد الكتاتني وصلاح الدين عبد المقصود وحسين محمد إبراهيم وحازم فاروق، فضلاً عن قيادات "حزب الله" في لبنان.
 
دعم إيران لـ"الإخوان" لم يتوقف عقب سقوطهم سياسياً وشعبياً، وإطاحتهم من السلطة في 30 حزيران (يونيو) 2013، اذ تلقت الجماعة دعماً مسلحاً من النظام الإيراني، وذلك وفقاً لبيان الداخلية المصرية التي أعلنت رسمياً عن ضبط خلية إرهابية "إخوانية"، وعدد من مخازن السلاح والمتفجرات في مزرعتين في البحيرة والإسكندرية؛ وكان لافتاً أن الأسلحة مكتوب عليها "صنع في إيران".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم