إعلان

أهمّية الانتخابات الكويتية... والإصلاحات المطلوبة

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
الأمير نواف الأحمد في مجلس الأمة.
الأمير نواف الأحمد في مجلس الأمة.
A+ A-
للانتخابات الكويتية التي تجري في الخامس من شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري أهمّية خاصة من زوايا عدّة. في طليعة هذه الزوايا أن مبدأ الانتخابات التشريعية مكرّس في الكويت، تماماً مثل مبدأ الانتقال السلمي للسلطة على أعلى مستوى. يؤكّد ذلك انتقال السلطة بسلاسة الى الأمير الجديد الشيخ نوّاف الأحمد مباشرة بعد وفاة الشيخ صُباح الأحمد. لم تمضِ أيّام إلّا وصار هناك وليّ جديد للعهد خلفاً للشيخ نواف الحمد هو الشيخ مشعل الأحمد الذي كان في الماضي يشغل موقع نائب رئيس الحرس الوطني.
 
امّا الزاوية الثانية التي يمكن النظر من خلالها الى أهمّية الانتخابات، فهي زاوية مرتبطة بالانتخابات نفسها التي ستجري في الخامس من هذا الشهر. إنّها الأولى منذ خلف الشيخ نوّاف أخاه الشيخ صباح الذي كان قائداً تاريخياً أدى دوره على صعيد تثبيت الاستقرار من جهة وفي مجال استعادة الكويت سيادتها من جهة أخرى... وإعادتها الى أهلها بعد الجريمة الموصوفة التي ارتكبها صدّام حسين صيف العام 1990.
 
هناك زاوية أخرى تعطي فكرة عن أهمّية الانتخابات. في أساس هذه الزاوية أنّه لا يجوز تجاهل أن الكويت تواجه حالياً مجموعة من التحديات فرضتها ظروف مختلفة ومتنوّعة، من بينها الوضع الاقتصادي. بسبب هذه التحديات، ستكون لتشكيلة المجلس الجديد أهمّية خاصة به تعود أوّل ما تعود الى وجود قوى في البلد تعمل على تقويض الاستقرار رافضة تحمّل مسؤولياتها.
 
لا بديل من الاستقرار في حال كان مطلوباً التصدي للتحدّيات التي تواجه الكويت في ظلّ انتشار وباء كورونا وهبوط أسعار النفط والتعقيدات الإقليمية والداخلية. الأهمّ من ذلك كلّه الحاجة الى إصلاحات جذرية لا يمكن القيام بها من دون الإصلاحات المطلوبة في بلد تذهب فيه نسبة 71 في المئة من موازنة الدولة الى رواتب موظّفي القطاع العام.
 
تأتي على رأس هذه القوى المعترضة على الاستقرار جماعة "الإخوان المسلمين" التي يعمل قياديون فيها على إيصال كتلة تضم 20 نائباً من تيارات الإسلام السياسي ومعارضين الى مجلس الأمة الجديد الذي يضمّ 50 عضواً. الهدف المرسوم والمعلن، إحداث تعديلات تشريعية مثل العفو العام عن مدانين بأحكام وتغيير النظام الانتخابي وإيصال رئيس جديد لمجلس الأمّة غير مرزوق الغانم الذي مارس في السنوات الأخيرة دوراً محورياً في مجال تثبيت الاستقرار وتنظيم التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بعيداً من المزايدات التي لا هدف منها سوى إسقاط الحكومات ومنعها من تنفيذ أي برنامج إصلاحي.
 
يراوح عدد نواب "الإخوان المسلمين" في البرلمان الكويتي عادة بين 3 و 5، لكن "الإخوان" يريدون هذه المرة تحالفاً مع سلفيين ومعارضين وقبليين ومستقلين بدعم من بعض الشيوخ لتغيير عدد من القوانين المعمول بها. في مقدّم هذه القوانين قانون الصوت الواحد الذي يمنع الناخب من التصويت لأكثر من مرشّح. مثل هذا القانون أمّن في السنوات الأخيرة حدّاً كبيراً من الاستقرار على الصعيدين الحكومي والتشريعي. تكفي الإشارة الى أن السنوات العشرين الماضية شهدت تشكيل 18 حكومة وإجراء 7 انتخابات نيابية. اضطر الشيخ صُباح الأحمد الذي كان معروفاً بحكمته للجوء الى الحزم من أجل قطع الطريق على مزيد من الفوضى في العلاقة بين مجلس الأمة والحكومة بغية ضمان حدّ أدنى من الاستقرار يسمح للمسؤولين في السلطة التنفيذية بالإنصراف الى معالجة الوضع الاقتصادي الدقيق والعجز في الموازنة من دون التخلي عن تنفيذ مشاريع كبيرة ذات طابع حيوي. مثل هذه المشاريع تحتاج اليها الكويت، خصوصاً في حقل البنية التحتية، الإسكان، ورفع مستوى التعليم والطبابة وترشيق الإدارات الحكومية... ومعالجة مشكلة قديمة ومستمرّة ومعقّدة الى أبعد حدود هي مشكلة المواطنين المسمّين "البدون". هؤلاء يخدمون في مرافق عامة، بينها الشرطة، لكنّهم لا يحملون الجنسية الكويتية.
 
ليس خافياً أن في الكويت مشكلات أخرى عدّة من بينها العمالة الأجنبية غير المؤهّلة. تكمن أهمّية الكويت في أنّ كبار المسؤولين لا يتهرّبون من هذه المشكلات ويعتبرون أن من الضروري معالجتها كي لا تتفاقم أكثر. لكنّ الحاجة تبقى قبل أيّ شيء آخر الى الاستقرار والإبتعاد من المشاحنات التي ميّزت العلاقات بين مجلس الأمّة والحكومة في مرحلة معيّنة، وهو ما نجح الأمير الراحل، بخبرته الطويلة، في وضع حدّ له وإن نسبياً.
 
نعم، هناك تحديات في الكويت. من بين هذه التحديات تمكين المواطنين من ممارسة واجبهم الانتخابي في جو طبيعي كي يثمر ذلك عن ولادة مجلس أمّة جديد يعمل من أجل الاستقرار وليس من أجل نشر الفوضى. لا يكتفي الذين يحضرون للفوضى بالتحضير منذ الآن لولادة مجلس أمة يقرّ قانوناً للعفو عن نواب سابقين لا يحقّ لهم الترشح بسبب إدانتهم بأحكام قضائية، بينها المسّ بأمير البلاد. إنّهم يسعون أيضاً الى جعل الكويت في عزلة عن محيطها العربي ومنبراً لمزايدات سياسية ذات طابع ديني ومذهبي لا طائل منها.
 
القيادة السياسية الكويتية قريبة جداً من الناس ومطالبهم وهي راعية للعملية الديموقراطية، لكنها تمتاز أيضاً بالحزم لجهة التأكيد أن لا تهاون مع كلّ من يريد التعرّض لاستقرار الكويت في وقت تحتاج الى مزيد من الاستقرار من أجل القيام بالإصلاحات المطلوبة. ليس طبيعياً بقاء الكويت دولة تخصّص هذه النسبة الكبيرة من موازنتها لموظفين لا يؤدون المطلوب منهم ولا يمتلكون المؤهلات التي تمكنهم من ذلك. العالم تغيّر. المنطقة تغيّرت. والكويت التي أدت دائماً في تاريخها الحديث دوراً طليعياً، منذ قبل الاستقلال، لا يمكن إلّا أن تتغيّر نحو الأفضل.
 
ليس عيباً الاعتراف بأن هناك إصلاحات لا مفرّ من القيام بها ولا يجوز تأجيلها. العيب في تجاهل التحديات المطروحة والتصرّف كأنّها غير موجودة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم