إعلان

رفع صورة أنزوروف في إدلب مصادفة "مركبة"... وحسابات معقّدة

المصدر: النهار العربي
عبدالله سليمان علي
تظاهرة الدعم لقاتل لانزوروف
تظاهرة الدعم لقاتل لانزوروف
A+ A-
 
 تحوّلت صورة عبد الله أنزوروف، الشاب الشيشاني الذي قتل المعلم الفرنسي صموئيل باتي، أيقونة تصدّرت مشهد بعض التظاهرات الشعبية التي خرجت في مدينة إدلب للتنديد بالإساءة إلى الإسلام ورسوله من جانب مسؤولين فرنسيين. 
 
وأثار رفع صورة القاتل الشيشاتي جدلاً واسعاً حول الجهة التي قامت به وما هي الرسائل التي أرادت توجيهها، ودلالاته وتداعياته المحتملة على ملف إدلب عامة وملف محاربة الجماعات المتشددة خاصة.
 
والتقطت عدسة المصور محمد الرفاعي الذي يعمل لدى وكالة "فرانس برس"، صورة لمجموعة من المتظاهرين وهم يرفعون على ظهر سيارة كانت تتقدم صفوف تظاهرتهم، صورة كبيرة لعبد الله أنزوروف وتحتها كتابات تمجده، وتحيط بالصورة من الجهات كافة رايات بألوان مختلفة مكتوبة عليها شعارات ذات طابع إسلامي.
 
وانتشرت الصورة كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما أثار تساؤلات حول خلفياتها ومن يقف وراءها، وما إذا كانت مقصودة تحمل رسائل مبطّنة أم تعبّر فقط عن حالة الاستياء العامة التي خيّمت على المسلمين جراء التصريحات الفرنسية المسيئة للإسلام ونبيّه.
 
وحاول البعض توجيه الاتهام إلى جهة محددة بالتخطيط والإعداد للتظاهرة ووضع الصورة في صدارتها بهدف التقاط الصورة ونشرها من دون توضيح الهدف الحقيقي الذي كانت تسعى إليه هذه الجهة.
 
وفي هذا السياق، أكّد موقع "جسر برس" الإلكتروني المعارض أن الصورة حقيقية وليست مزيفة، لافتاً إلى أن مجموعة تابعة لـ"حزب التحرير الإسلامي" اتخذت من المكان الكائن في شارع الجلاء في مدينة إدلب، مكاناً لتصوير هذه اللقطات، وتحديداً بالقرب من المصرف المركزي، الواقع في شارع لا يتعدى عرضه 8 أمتار، وهو مكان لم تنظم فيه أي تظاهرة سابقاً، فقد اعتاد سكان إدلب على التظاهر في مكانين محددين، هما ساحة الساعة، وساحة الحرية (السبع بحرات).
 
وأضاف الموقع أن عدد العناصر الذين شاركوا في هذا الحدث هو بضع عشرات، كما هو واضح في الصورة، أما الوقت الذي استغرقته هذه التظاهرة، فلا يتعدى الوقت الذي احتاجه التقاط هذه الصورة، ثم انفض المشاركون من المكان، ولم يكن بينهم أي مدنيين.
 
واعتبر عبد الناصر العايد، المعارض السوري المقيم في فرنسا، أن رفع صورة الشيشاني يخدم بالدرجة الأولى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفسّر ذلك بقوله: "يعتقد أرباب الحركات الإسلامية المتطرفة، بأطيافهم المختلفة، ومنهم داعش والقاعدة وحزب التحرير الإسلامي الذي رفع صورة عبد الله أنزروف في إدلب، أنهم بتبنيهم العمليات في الغرب، التي يقوم بها غالباً شبان مسلمون محبطون، يثبتون للغرب أنّ لديهم مخالب وأنياباً، وأن على الغرب أنْ ينصت اليهم، وهم يعتقدون أنهم بذلك أيضاً، يتفوّقون على النخب الوطنية التحديثية في العالم العربي، التي لا تملك سوى "الكلام المنمّق"، والمطالبات غير المجدية، للعالم الحر بالوقوف إلى جانب قضايا شعوبهم". 
 
وتابع قائلاً: "لكن في الواقع، هذه التنظيمات تخدم قوى النظام العالمي المتوحشة، وأنظمة الاستبداد في مجتمعاتنا، من خلال إعطاء الانطباع عن شعوبنا، بأنها شعوب همجية متوحشة، لا إمكان ولا أمل بإصلاحها أو دعم تطلعات القليل من أبنائها، ممن يوصفون بالتنويريين أو الحداثيين، وبأنه من الأفضل جعل تلك البلاد سجوناً لتلك الشعوب، يبقون فيها ووراء حدودها، ولا بأس في هذه الحال إنْ كان بشار الأسد "شاويش" أحد القواويش، فيما يمكن لبوتين أن يتمتع بدور مدير السجن "سجن صيدنايا الموسع"، وأنْ يستبيح ما تبقى من خيرات تلك البلاد وآمالها، نظير خدماته الجليلة".
 
ويتغافل هذا التفسير عن التعقيدات الإيديولوجية الكبيرة التي تحيط بملف الجماعات المسلحة في إدلب، والتي ترشحها للقيام بأكثر من مجرد حمل صورة تمجيداً لقاتل، ما دامت هذه الصورة تخدم دعايتها وتساعدها على استقطاب أعداد جديدة لتضيفها إلى صفوف محازبيها ومقاتليها.
 
وما يعزّز من رفض الرواية السابقة، هي أنها تنطوي بوضوح على احتمال وجود نوع من التواطؤ بين منظمي التظاهرة ومصوّر الوكالة الفرنسية، وإلا فكيف تمكن الأخير من التقاط الصورة، والتظاهرة بمجملها لم تستغرق من الوقت سوى ما يكفي لالتقاطها، وماذا كان يفعل مصور وكالة دولية في شارع لا يشهد عادة تظاهرات شعبية؟ ألا يعني ذلك أن الرواية مختلقة وجاءت للتغطية على الواقع الحقيقي الذي يسود في مدينة إدلب من تطرف وتشدد بإشراف جماعات جهادية مختلفة وبمظلة سياسية من الداعم التركي.
 
وبالتوازي، قامت القوات الخاصة في "لواء سعد بن أبي وقاص" التابع لـ"هيئة تحرير الشام" بمسير ليلي احتجاجاً على الرسوم المسيئة للنبي، تخللته هتافات تنادي بالثأر والانتقام من قبيل "بسواعدكم سوف ننصر ديننا ونثأر لرسولنا". وفي اعتبار أن من يقوم بالمسير هم قوات النخبة في لواء مقاتل تابع لجماعة مصنفة على قوائم الإرهاب، فإن "السواعد" قد تحيل إلى كل أنواع القوة وإمكان استخدامها لنصرة الدين والثأر للرسول.
 
وبما أن "هيئة تحرير الشام" تسعى منذ شهور عدة إلى تلميع صورتها وتعمل على رفع اسمها من قائمة الإرهاب الدولية، فإنه لا يمكن فهم تشددها في الشعارات التي أطلقتها خلال التظاهرات التي نظمتها ضد الإساءة للإسلام، إلا كونه محاولة لشدّ عصب حاضنتها الشعبية وتوظيف ذلك من أجل الإيحاء بأنها ما زالت متمسكة بأهدافها الإسلامية العامة، في محاولة واضحة للرد على خصومها من تنظيمات "القاعدة" التي باتت تتهمها بالتمييع والإرجاء.
 
ولم تقتصر التظاهرات التي انطوت على شعارات وتصرفات متشددة على منطقة إدلب فحسب، بل إنها جابت طوال الأسبوع الماضي كل أنحاء المناطق التي تقع تحت سيطرة الاحتلال التركي، من مدينة الباب مروراً بجرابلس وتل أبيض، وصولاً إلى رأس العين.
 
ولا يستبعد بعض المراقبين أن تكون هذه الفعاليات المنددة بالتصريحات الفرنسية وما بُني عليها من سياسات ضد جمعيات المسلمين في فرنسا، قد جاءت بعد وصول كلمة السر من أنقرة إلى وجهاء العشائر وقادة الفصائل في المناطق التي تحتلها القوات التركية بهدف الضغط على فرنسا في إطار التبارز العلني بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والفرنسي إيمانويل ماكرون.
 
ويعتقد هؤلاء أن أردوغان يسعى إلى تحويل المشاعر الدينية التي تكتسح مسلمي المنطقة إلى أداة جديدة يستثمر فيها من أجل تحقيق أهداف وغايات ذات طابع سياسي. وثمة خيط رفيع يفصل بين التنديد المحق الذي يعبر عن مشاعر تلقائية تختلج في نفس كل من تتعرض رموزه للإساءة، وبين توظيف هذه المشاعر عن سبق إصرار وترصد لحرفها عن تلقائيتها والزج بها في أتون صراع سياسي بين زعيمين يدّعي كل منهما أنه يمثل العلمانية في بلده.
 
وقد يكون التسريب الفرنسي بخصوص وجود صلة بين قاتل المعلم الفرنسي وجماعات جهادية في إدلب، قد أثار الريبة لدى الجانب التركي، بخاصة في ظل أنباء تحدثت عن إمكان استغلال روسيا لهذه الحادثة من أجل العمل على التقريب أمنياً بين باريس ودمشق بذريعة أنهما يواجهان عدواً مشتركاً. 
 
ولعل أكثر ما تخشاه أنقرة هو أن تدخل فرنسا على خط الصراع في مدينة إدلب بذريعة محاربة المتشددين ذوي الصلة بقتل المعلم صموئيل باتي، الأمر الذي من شأنه أن يزيد الصراع تعقيداً أكثر مما هو معقد اصلاً.
 
وقد يكون تكوّن اعتقاد لدى أنقرة أن أفضل طريقة للوقوف في وجه الاحتمال السابق هو اللعب على حبل المخاوف الفرنسية من استمرار عمليات الطعن فوق أراضيها ردّاً على إساءتها للرسول، وذلك من خلال الإيحاء بأن الفصائل المسلحة والجهادية في إدلب على اختلاف أيديولوجياتها ترى في فرنسا عنواناً مناسباً للثأر ونصرة الدين.
 
في المحصلة، يبدو أن أنقرة والجماعات الجهادية في إدلب هي الجهات الوحيدة المستفيدة من توظيف المشاعر الدينية في خدمة أجنداتها ولتحقيق أهدافها القريبة والبعيدة على الصعيدين الميداني والسياسي، وقد يكون تقاطع المصالح بينها هو ما دفع إلى تصدير صورة الشيشاني في بعض التظاهرات، لما بات لها من رمزية قادرة على استيلاد المزيد من العنف والفوضى في المنطقة.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم