إعلان

حكومة لا تحكُم في لبنان... حزبٌ مقرّرٌ ورئيس يصادر الصلاحيات!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
الصورة التذكارية للحكومة اللبنانية مع الرؤساء
الصورة التذكارية للحكومة اللبنانية مع الرؤساء
A+ A-
على الرغم من إقلاع الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي بعد نيلها ثقة مجلس النواب، واتخاذها قرارات أبرزها تشكيل وفد للتفاوض مع صندوق النقد الدولي، إلا أن الملفات الرئيسية تشهد صراعاً لبنانياً واضحاً على الصلاحيات ومن يُمسك بالقرار السياسي. ولا شك في أن الحكومة تريد بالدرجة الأولى الحصول على مساعدات، فيما المجتمع الدولي يشترط وضع خطة للإصلاحات وتطبيقها، وهو موقف تبلّغه رئيس الحكومة من الفرنسيين، بأن لا مساعدات ما لم تُقدِم حكومته على إجراءات إصلاحية جدية، فيما العامل السياسي لا يزال عامل خلاف على المستوى الدولي، إذ إن الأمر يتعلق بـ"حزب الله" بالدرجة الأولى، وكذلك في التحالف القائم بينه وبين رئيس الجمهورية ميشال عون.
 
إقلاع الحكومة لم يكن على مستوى التوقعات. الخلاف على الإصلاحات وطريقة مقاربة التواصل مع المجتمع الدولي، ظهر في الصراع على تشكيل الوفد اللبناني المفاوض مع صندوق النقد، إذ أصر رئيس الجمهورية على تعيين مستشارين له أعضاءً في الوفد، بما يعني أنه يريد أن تكون المفاوضات من صلاحياته، والأمر نفسه ينسحب على ملفات أخرى أبرزها مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.
 
ينظر المجتمع الدولي إلى الحكومة اللبنانية كحكومة ممانعة، بالرغم من زيارة ميقاتي إلى فرنسا ولقائه الرئيس إيمانويل ماكرون، وكذلك الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة الأردنية بشر الخصاونة والمخصصة في شكل رئيسي للربط الكهربائي واستجرار الكهرباء من الأردن إلى لبنان عبر سوريا. لكن الأنظار تتجه إلى الموقف الخليجي من لبنان خصوصاً السعودي الذي لا يزال سلبياً، إذ لا تبدي السعودية اهتماماً بلبنان وهي أبلغت الفرنسيين الذين حاولوا تليين موقفها أنها غير مستعدة لإعادة تعويم التحالف الحاكم الممسك بزمام الأمور والذي لم يترك مناسبة إلا وأساء للسعودية واختار الانحياز إلى إيران. وللسعودية مشكلة مع "حزب لله" وهي ترى أنه استطاع فرض سياسته الخارجية على الحكومة والدولة كلها، وهو لا يزال يواجهها في عدد من دول المنطقة برعاية إيرانية مباشرة.
 
وعلى المنوال نفسه ينبغي التوقف عند بيان مجلس الأمن الدولي قبل أيام، والذي خُصص للوضع في لبنان، حيث ذكّر بالقرارات الدولية كلها ومنها خصوصاً القرارين 1559 و1701، وهذا الأمر يعني أن البعد السياسي للموقف الدولي حاضر وهو مرتبط بـ"حزب الله" وسلاحه، وإن كان العالم خصوصاً الفرنسيين وما عكسته الخطوات الأردنية الأخيرة بالانفتاح على النظام السوري. خلاصة الموقف الدولي أن لا مساعدات للبنان من دون حسم مجموعة من الملفات، أولها الإصلاحات التي ترتبط ببعد سياسي لا يبتعد عنه "حزب الله" وأيضاً الطريقة التي سيدار بها التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهذا الملف الأخير يهتم به الأميركيون ويتابعونه انطلاقاً من أن التفاوض سيتطرق إلى مسألة ضبط الحدود ووقف التهريب، وصولاً إلى مسألة إدخال المحروقات الإيرانية من معابر غير شرعية بين سوريا ولبنان، علماً أن "حزب الله" يعتبر هذا الأمر انجازاً له وكسراً لما يسميه الحصار الأميركي على لبنان.
 
الملف الثالث والمهم المرتبط بـ"حزب الله" والذي له علاقة بموقف المجتمع الدولي والأميركيين خصوصاً، هو ترسيم الحدود البحرية والبرية لاحقاً أو الاثنين معاً، فبينما إسرائيل شرعت في التنقيب بتلزيم شركات للحفر في منطقة متنازع عليها مع لبنان، يستعجل لبنان إحياء المفاوضات لوقف التنقيب الإسرائيلي وحماية حقوقه، إلا أن الخلاف لا يزال مستمراً حول تعديل قانون الحدود البحرية ومن يُمسك بهذا الملف على مستوى المرجعيات، وأيضاً بالتنسيق مع "حزب الله".
 
ملف ترسيم الحدود يخضع أيضاً لمصالح مرتبطة باستحقاقات مقبلة، تختصرها المرحلة الانتقالية التي يعيشها البلد وكيف سترسو التوازنات في خريطة النظام المقبل. فبينما يواصل "حزب الله" فرض هيمنته على القرار السياسي الخارجي، ويستمر في ممارساته على الأرض، من خلال استيراد المحروقات الإيرانية، وكذلك الدفع لإرساء علاقة متينة مع النظام السوري، ويعاود الإمساك بالحدود الجنوبية للقول أنه صاحب القرار في السلم والحرب، يسعى رئيس الجمهورية ميشال عون إلى الإمساك بكل ما يتعلق بالحكومة، وإن كان يحافظ على علاقة جيدة مع ميقاتي، فيضغط لفرض ما يريد من أسماء في التعيينات القضائية والأمنية والدبلوماسية، إلى فرض خطة الكهرباء التي طرحها صهره رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، وإبقاء الصلاحيات في يد وزير الطاقة. وأول خطوات الإطباق على ميقاتي كانت فرض تعيين مستشارين في الوفد المفاوض لصندوق النقد، وترؤس عون اجتماع المجلس الأعلى للدفاع قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء اللبناني الأولى في قصر بعبدا التي ترأسها عون نفسه أيضاً، وهي ممارسة تشير إلى أن رئيس الجمهورية يريد أن يكرّس صلاحيات الأمر الواقع وأنه صاحب الصلاحيات في ما يقرره مجلس الوزراء بعد مجلس الدفاع.
 
لبنان يتأثر أيضاً بما يجري في المنطقة أو على الأقل ينعكس عليه. وهو اليوم حلقة ضعيفة في غياب الدولة، حيث تقرر عنها قوى الأمر الواقع وفائض القوة، وإن كانت الحكومة قد تشكلت، لكنها محكومة بالهيمنة. فالزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان إلى بيروت لن تكون كزيارات سابقة لمسؤولين إيرانيين، وإنْ كان موعدها لم يحدد بعد، فهي تأتي في وقت تمكّن "حزب الله" من تثبيت وقائع جديدة في الشأن اللبناني مكنته من الهيمنة أكثر على القرار السياسي، خصوصاً في ما يتعلق بالإقليم والخارج وملفاتهما، ومن هنا تعتبر إيران أن لبنان كله بات إلى جانبها، فرئيس الجمهورية ميشال عون حليفها وهو الذي غطّى تدخل الحزب في دول المنطقة خصوصاً سوريا، والأهم أن قوتها الممثلة بـ"حزب الله" هي الحاسم والمقرر. هذا يشير أيضاً إلى الإطباق الإيراني على لبنان، وهو عامل أساسي يفسر عدم الترحيب العربي والخليجي بتشكيل حكومة ميقاتي. ومن هذا الموضوع بالذات يمكن تصوّر كيف سيكون عليه الوضع الحكومي في لبنان، وهل الحكومة تحكم فعلاً؟.
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم