إعلان

كوميديا الدم الإيرانية في العراق: "طرفة" هادي العامري وضحكاته...

المصدر: النهار العربي
محمد السلطاني
هادي العامري
هادي العامري
A+ A-
"يستظرف" هادي العامري، زعيم تحالف "الفتح" أحد الأجنحة السياسية لمجاميع "الحشد الشعبي"- أثناء حديثه عن الانتهاكات الحكومية والفصائلية بحق العراقيين، فيدعو النشطاء المهجرين من مدنهم إلى التخفّي عبر ارتداء "كمامة كورونا" إذا أرادوا زيارتها واللقاء بعائلاتهم سراً وبعيداً من بنادق المسلحين، الذين هم في الغالب مسلحوه.
 
"الطرفة" التي أتبَعَها العامري ببضع قهقهات، تأتي قبل الانتخابات العراقية المفترضة، والمقررة في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري. وبرغم أن أحداً من الحضور لم يضحك للعبارة التي أطلقها العامري بنيّة "الاستظراف والتفكّه"، ملتفتاً إلى الجمهور الذي لم يجد في ما يقوله العامري ما يُضحِك، إلا أن ضحكاً وبكاءً كثيراً يُسمع هذه الأيام في بغداد.
 
أن تكون متهماً بسلسلة عمليات تصفية واختطاف وتعذيب، تستدعي أن يتلثم المدنيون بالكمامات هرباً من سلاحك، فهو بالطبع -والحديث هنا عن أطباع البشر الأسوياء- أمرٌ لا يدعو للضحك، إلا بالنسبة إلى العامري و"المقاومين" من حوله.
 
خلال الساعات الماضية، تفاعل الآلاف مع فيديو جديد، يوثق اللحظات الأخيرة لأحد الناشطين قبل أن يغادر بغداد، حيث سجّل المتظاهر "محمد فاضل"، باكياً، مقطعاً فيديوياً أمام نصب التحرير وسط العاصمة، وهو يودّع بلاده ببضع كلمات، دان فيها الميليشيات بأسمائها، وهي عبارات رغم بساطتها، إلا أن النطق بها، وفق شريعة العراق، يستلزم مغادرة البلاد، حيث لم يتمكن الناشط من نشر الفيديو إلا بعد أن تجاوز جسده الحدود العراقية.
 
كان "فاضل" أحد المتظاهرين الشباب الذين شاركوا في معظم النشاطات الاحتجاجية ابتداءً من 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وصولاً إلى تظاهرة 25 أيار (مايو) 2021 التي رفعت شعار إنهاء الإفلات من العقاب بحق القتلة من عناصر الميليشيات الحكومية، إلا أن مطلب تلك التظاهرة لم يتحقق، وعوضاً عن القصاص، قدم النظام السياسي العراقي والبعثات الدولية المساندة وعلى رأسها "يونامي" للعراقيين "طرفة" هادي العامري، التي نصح فيها أمثال "فاضل" بالتخفي والتظاهر بارتداء الكمامة للوقاية من كورونا.
 
وتماماً كما يريد العامري، هناك الآن، بالفعل، بين أزقة بغداد ومدن الوسط والجنوب، مَن يتلثم بالكمامة متذرعاً برغبته في الوقاية من كورونا، ومُخفياً هدفه الحقيقي في الإفلات من رصاصات قوى السلاح السياسي، بل إن هناك مَن ذهب إلى ما هو أبعد، حيث أبرم عدد من الناشطين المعارضين "تفاهمات" مع القوى السياسية المسلحة، خفضوا فيها سقف حراكهم، من محاولة إصلاح البلاد، إلى مجرد الحصول على تذكرة ضمان الأمن الشخصي من الاغتيال أو الاعتقال والتعذيب، إلى جانب مَن قرر "شراء راحة باله" والانضمام رسمياً إلى طوابير تلك القوى المسلحة، والاستمتاع بالحياة بعيداً من العدالة الانتقالية التي أصبح اسمها "طوباوية" كما تعبّر فئة من "المؤلّفة قلوبهم" الجدد لأحزاب السلاح.
 
في جلسة "الطرفة" ذاتها، صرّح العامري -الذي يقود أوضح كتلة سياسية مسلحة موالية لإيران- أنه على استعداد لتوفير الحماية للمعارضين المهجّرين، إلا أن قوى وشخصيات أخرى رأت في "العرض" وما بعده، عبثاً وإذلالاً ظهرا جلياً في التغيير -الذي بدا إجبارياً- على خطاب بعض الشخصيات التي أجرت هذا النوع من التفاهمات، فضلاً عن أن توفير "الأمن الشخصي" لم يكن يوماً أحد مطالب "تظاهرات تشرين"، بل إخضاع القتلة إلى محاكمات علنية، وإجراء سلسلة إصلاحات على العملية الانتخابية تفضي إلى جعلها "عملية انتخابية" لا "مسابقة يانصيب موسمية".
 
وعوضاً عن "تفاهمات الأمن الشخصي" غير المُفضية، تناقش جهات وشخصيات من قلب الاحتجاجات، خيارَ "إدارة الظهر للوكلاء" وقبول دعوات مُعلقة من السفارة الإيرانية في بغداد، لبدء تفاوض صريح ومباشر مع "الجهة الأم" ومساءلة طهران عن سلوكيات "رعاياها" المسلحين في العراق، والضرر البالغ الذي تسببوا به لمستقبل العلاقة بين الشعبين، والتي لم يسبق أن شهدت تصدعاً مماثلاً على المستوى الشعبي منذ اندلاع الحرب بين البلدين مطلع الثمانينات من القرن الماضي، بل وربما حتى أثناء الحرب.
 
يطوّر المحتجون -الذين وجدوا أنفسهم جزءاً من أوسع حراك وطني مناهض للتبعية- أساليبهم باستمرار، وكما كان اندلاع "تظاهرات تشرين" مفاجئاً ومُربكاً لحلفاء إيران، وسائر أقطاب الطبقة السياسية العراقية، تبدو عقول "جيل ما بعد تشرين" مُنتجة، بينما يتحجر خصومهم من شيوخ النظام السياسي عند الأساليب والألاعيب التي غادرها الزمن، من قبيل محاولة إيهام الرأي العام بالقوة، وبث أنباء انتصارات سياسية مرتقبة يوم العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، فبالعودة إلى ما أضحك العراقيين خلال الأيام القليلة الماضية، نالت تصريحات القوائم الانتخابية عن "فوزها الوشيك الساحق" القسط الأكبر من السخرية على صفحات التواصل الاجتماعي العراقية.
 
الأذرع الثلاث الأقرب إلى إيران، وهي تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري، وائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، وقائمة "حقوق" بزعامة المستقيل من كتائب "حزب الله"، حسب زعمه، حسين مؤنس، أكدت مجتمعة في تصريحات متفرقة أنها ستحقق انتصارات ساحقة، أو أن لديها من القوة ما يخيف الخصوم، فالمالكي قال إن "المؤشرات تقود إلى أن ائتلافه سيكون الفائز رقم 1"، والعامري أكد أن تحالفه سيحقق "فوزاً كاسحاً"، وحركة "حقوق" قالت إن "الخصوم متخوّفون من مشروع الحركة الثوري وغير المسبوق"، أما تحالف الصدر، الذي يؤكد دائماً أنه ليس تابعاً لطهران، فكان السبّاق إلى إطلاق حمّى "الاكتساح" حين تحدث عن نيله 100 مقعد، بينما يبدو "تحالف قوى الدولة" الذي أسس برنامجه على مناهضة "المسلحين" غارقاً في أمر الزعامة، فقد قرر حل مشكلة زعامة التحالف بين زعيم "تيار الحكمة" عمار الحكيم، وزعيم "ائتلاف النصر" حيدر العبادي، عبر اختلاق منصب "زعائمي" ثانٍ، فصار للتحالف "رئيس"، هو عمار الحكيم، و"رئيس قيادة" هو حيدر العبادي.
 
على الساحة السنيّة، يؤكد العاملون لدى "جناحي" التنافس، بين قائمة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وزعيم تحالف "عزم" خميس الخنجر، أنهما سيحصدان الأغلبية الساحقة أيضاً، رغم أن الجمهور في بيئة الحزبين، لم يعرف حتى اللحظة، أوجه الاختلاف بين برنامجي الجناحين، أو ما الذي يُمثله كل جناح، فكلاهما يمين حين يشاءان، وكلاهما يسار، والوعود التي يطلقها أحدهما، يؤكدها الآخر ويزيد عليها. ويتداخل مرشحو الحزبين انضماماً وانسحاباً حتى لا يكاد يعرف الناخب مرشّح مَن في قائمة مَن؟، وقد عبّر أحد أبرز رسامي الكاريكاتير العراقيين "أحمد فلاح" عن حقيقة المشهد، حين وضع الزعيمين في مشهد واحد، يتجاذبان خيمة للنازحين، في إشارة إلى جزء كبير من مهجري المحافظات ذات الأغلبية السنيّة.
 
أما شمالاً في إقليم كردستان، فتتحول قصة الانتخابات تدريجاً إلى "أولد فاشن"، فالإقليم سبق بقية مناطق العراق حين حصل على حكم ذاتي في تسعينات القرن الماضي، وأنهى جولات من التطاحن السياسي الدموي، لتستقر خريطة الهيمنة بين حزبين، باستثناء اختراقات طفيفة هنا أو هناك سرعان ما يتم احتواؤها، كما في تجربتي حركتي "التغيير" و"الجيل الجديد" التي أخرجت، إلى حدٍ ما، المشهد السياسي في الإقليم من ملل التكرار، من دون تأثير جوهري على مراكز الهيمنة الحقيقية على السلطة والثروة.
 
في انتخابات العراق "المزعومة" أطنان من السلاح، ومثلها من المال، وبينهما الكثير من الاغتيالات والتهجير والتعذيب وانتهاك موارد الدولة للتوظيف السياسي، والطرائف المتشحة بالدماء التي يطلقها "القادة"، وبرغم ذلك، يصر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على أن تجرّد العملية الانتخابية من أبسط شروطها، هو مجرد "نواقص" لا ينبغي أن تؤخر العراقيين عن التجمهر أمام مراكز الاقتراع لاختيار الأصلح من بين كومة المسلحين أولئك.
 
لا تكمن خطورة الانسداد الذي يتسبب به تعنّت الطبقة السياسية في النظام السياسي العراقي في حرمان الشعب من حقه في التغيير والتمثيل السياسي العادل، وتحسين أوضاعه المعيشية فحسب، بل في أن "عملية النواقص" هذه، تحظى برعاية من منظمة الأمم المتحدة وعلى أعلى مستوى، متمثلةً بحلقة التطبيع الأكبر بين النظام العراقي والمجتمع الدولي، مبعوثة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت، التي لم تجد في فوضى الاغتيالات والمال السياسي ما يدفعها لمراجعة قرارها والتوقف عن تشجيع القوى السياسية على الاستمرار في إجراء "انتخابات اليانصيب" تلك، بل زادت حين أطلقت سلسلة تصريحات قرّعت فيها دعاة المقاطعة، في سلوك يرسّخ شبهة التواطؤ، وقد ردّ عدد من الكتاب البارزين والنشطاء المعارضين والوجوه الاحتجاجية، على دعوات بلاسخارت الحثيثة للمشاركة في الانتخابات، بنشر صور للأشخاص المؤثرين الذين اغتالهم "المسلحون المجهولون"، وكتب النشطاء أسفل صورة كل ضحية: "هذا مُرشحي"، وقد كان مِن بين مَن حصدته ماكينة الاغتيال التي لم تكشفها "حكومة تهيئة أجواء الانتخابات" مرشحون بالفعل.
 
ليس العامري وحده، بل رفاقه وخصومه في النظام السياسي، أصروا على التعامل مع المجزرة، على نحو "الطرفة العابرة"، وقد سبق أن علت في العراق قهقهات "القائد الضرورة" صدام حسين، الذي كان واثقاً من قبضته الحديدية كورثته، وكثيرَ السخرية من خطر إغلاق الأفق الذي تسبب به طيلة فترة حكمه، والطبقة الحاكمة الحالية تتجاوز اليوم ثلثي الفترة التي حكمها سلفها صدام، وكما اشتُهر الأخير بانتخابات الـ 99 في المئة، فإن الورثة يستنسخون التجربة، تارة عبر إعلانات "الفوز الساحق"، وأخرى من طريق "بدعة" مُسبقة للتخلص من فضيحة محتملة على مستوى نسبة المشاركين في الانتخابات، حيث أُشيعَ على نحو شبه مؤكد، أن مفوضية الانتخابات تخطط لاحتساب نسبة المشاركة المئوية تبعاً لعدد حاملي البطاقات الانتخابية، بدلاً من احتساب نسبة المشاركة قياساً إلى عدد مَن يحق لهم التصويت، وبما يُطرِب أسماع "القادة" بنسب مشاركة على غرار الـ99 الصدامية، من دون اكتراث إلى أقدامهم وهي تغوص في الرمال المتحركة ذاتها، وتصرّ على تكرار الألاعيب ذاتها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم