إعلان

مئوية لبنان الكبير: مئة عام قادمة من العزلة

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
عرض جوي بمناسبة مئوية لبنان الكبير
عرض جوي بمناسبة مئوية لبنان الكبير
A+ A-
 
"هناك فرق كبير بين اصطناع البلدان كيانات سياسية مشروعة، وبين تحويل مثل هذه الكيانات إلى أوطان بالمعنى الصحيح بخلق هويات قومية مقبولة تتناسب معها".
 
بهذه الكلمات افتتح معلمي المؤرخ الراحل كمال الصليبي كتابه القيم "بيت بمنازل كثيرة: الكيان اللبناني بين التصور والواقع" شارحاً درب الجلجلة الذي مر به لبنان منذ بدايات نشوئه في القرن السادس عشر مع الإمارة الدرزية إلى قيام دولة لبنان الكبير مروراً بالحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.
 
فالخطاب الذي ألقاه المفوض السامي هنري غورو في ذلك الصباح الصيفي من يوم الأول من أيلول (سبتمبر) 1920 في قصر الصنوبر على زعماء الطوائف اللبنانية، نجح في توسيع حدود جبل لبنان إلى حدود لبنان الحالية، ولكن غورو فشل ومعه عشرة عقود مملوءة بالعنف والاضطرابات من إعطاء الشعب اللبناني وطناً يتطابق مع السردية كمنارة مشرقية ديموقراطية.
 
المشكلة الحقيقية تبدأ من قراءة اللبنانيين لإعلان دولة لبنان الكبير الذي حسب اعتقاد الكثيرين منهم كان نتيجة مشيئة لبنانية جامعة ونتيجة لضغط سياسي قامت به الكنيسة المارونية على الحلفاء في مؤتمر الصلح في فرساي. قد يكون لبنان الكبير   أُعطي لموارنة لبنان من قبل "أمهم الحنون" فرنسا ولكن أهل لبنان بمختلف طوائفهم ومدارسهم التاريخية فشلوا في تطوير هذا الكيان والانتقال به الى مصاف الأمم الناجحة وحولوه من نعمة يحتضنها الشرق والغرب إلى عزلة موحشة تبدو وكأنها أبدية.
 
المشكلة لا تكمن في ما أراده الجنرال غورو والبطريرك الحويك أو كليمنصو منذ قرن، بل في ما يرفضه الشعب اللبناني عبر السنين من حقيقة دامغة أن أي فكرة يمكن الاستغناء عنها لا سيما فكرة لبنان وأن الشعب اللبناني الذي استثمر عبر السنين في الطبقة السياسية الفاسدة يحصد سنوات من الفساد والخبث والمراهقة السياسية التي لا تزال تراهن على انتداب جديد يدير الدولة اللبنانية المارقة بالتعاون والتضامن مع قوى الأمر الواقع.
 
عند إقرار ميثاق عصبة الأمم تم إقرار الانتداب على المناطق المسلوخة عن الأمبراطورية العثمانية ودول المحور وتم تقسيم تلك البلدان إلى ثلاث فئات (أ، ب، ث) مستنداً إلى نظرة عنصرية وإمبريالية حول مدى تقدم تلك الدول آنذاك وحاجتهم إلى الوصاية الدولية ليصبحوا بلداناً قادرة على الاستقلال الفعلي. من حظ أو ربما سوء حظ لبنان وجوده في مصاف الفئة "أ" كون شعبه -نظرياً- صنف على أنه يتمتع بقدر عالٍ من الرقي والحضارة وينتمي وفق العقل الاستعماري إلى الحضارة الغربية المسيحية.
 
فلو أردنا أن نطبق معيار عصبة الأمم على لبنان الحالي وطلبنا من "غورو" القرن الحالي إيمانيويل ماكرون أن يصنف لبنان استناداً للفئات المذكورة أعلاه لكان واجه صعوبة كبيرة، كون لبنان تراجع عبر السنوات ليصبح خارج الفئات الثلاث وقد يضطر ماكرون باستشراقه أن يبتدع فئة جديدة تليق بسقوط لبنان إلى القعر.
 
فسخرية القدر جعلت من لبنان ميشال عون أسوأ بأشواط من لبنان هنري غورو وعصبة الأمم كون الطبقة السياسية رأت أنه من الرشد، أو عدمه ربما، التنازل عن سيادتهم لصالح مشروع إقليمي توسعي إيراني يتجاوز بأطماعه كل المشاريع المدمرة التي دخل فيها لبنان منذ نشأته الحديثة.
 
استهلال الرئيس الفرنسي ماكرون زيارته للبنان في مئويته بزيارة السيدة فيروز بادرة رأى فيها الكثيرون دليل محبة وتقدير من الرئيس الفرنسي للبنان وإحدى أهم أيقوناته الفنية والحضارية، ناهيك عن تقديرهم لزراعته شجرة أرز في محمية جاج كدليل على تجذر العلاقة التاريخية بين الشعبين الفرنسي واللبناني. قد تكون هذه المحبة موجودة و"حقيقية" لكن زيارة فيروز بما يرافقها من استشراق سيئ يجب أن تكون موضوع خجل للشعب اللبناني، فبعد مئة عام من الريادة و الإبداع المزعوم لم يبقَ من أسطورة لبنان غير السيدة فيروز التي ترافق اللبناني في هجرته أو خلال وجبته الصباحية لا أكثر ولا أقل.
 
من السخرية تقديس ماكرون والشعب اللبناني للظاهرة الرحبانية والمدرسة التي تروج للبنان الأخضر والقرية والشابة العذراء الطاهرة في حين أن الواقع مغاير تماماً ويشبه كابوساً أشرارُه يظهرون لنا بهيئة ساسة، بينما هم مجرد وحوش يقتاتون على الحقد المذهبي ودماء الأبرياء.
 
زيارة ماكرون والعديد من السفراء للبنان قد تمتد أياماً عدة، لكن عزلة لبنان الحالية والشعور الدولي المرافق لها بأنه ورقة ثانوية على طاولة المفاوضات هما مسألتان لن تتغيرا في القريب العاجل، ويجب على اللبنانيين الوقوف و التمعن فيهما، والوصول الى قناعة بأن وطنهم الذي تم الإعلان عنه منذ قرن قد أصبح مجرد "هيولة" وأن صورة غورو في قصر الصنوبر محاطاً بملوك الطوائف تختلف عن صورة ماكرون الذي يريد أن يمالح الطبقة السياسية اللبنانية التي قتلت وشردت الشعب اللبناني ودمرت مدينته بيروت طمعاً في بضع قطع من الفضة.
 
 
 
 
 
-أستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم