إعلان

الأولمبياد... والموت لإسرائيل

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
القحطاني ومنافستها الاسرائيلية
القحطاني ومنافستها الاسرائيلية
A+ A-
يأتي الأولمبياد كل أربع سنوات ليقدم للعالم خيرة الرياضيين الذين يتنافسون على أعلى مستوى من الأداء والروح الرياضية، في مناسبة توحّد كل شعوب العالم بمختلف أعراقهم وهوياتهم الدينية والسياسية تحت سقف الإنسانية المجردة.

في دورة 2020، استوقفني انسحاب عدد من الرياضيين العرب والمسلمين لدى مواجهتهم غريمهم الإسرائيلي، ولا سيما في الرياضات القتالية، وتحديداً رياضة الجودو. للوهلة الأولى، قد يتخيل المرء أن الانسحاب هو من الأعمال النبيلة التي قد يلجأ إليها الرياضي العربي أو أي رياضي آخر، كون جوهر إسرائيل الصهيوني يتناقض مع جوهر الألعاب الأولمبية، بل وإن إسرائيل نفسها هي جوهرة الفصل العنصري على ساحل المتوسط.
 
ولكن هذه النشوة القومجية والممانِعة ما تلبث أن تنخفض عندما يتبادر الى ذهن المرء أنه لو كنت رياضياً يمارس أي نوع من الفنون القتالية لكان تمنى أن يقارع رياضياً إسرائيلياً ويتغلب عليه انتقاماً، وإن بطريقة ساذجة، لمعاناة الفلسطينيين والعرب على يد إسرائيل والصهيونية. فمن الغريب جداً، وربما الغباء، الانسحاب أمام الخصم، خصوصاً إذا كان اسرائيلياً، بل على الرياضيين العرب استغلال فرصة مواجهة خصومهم الرياضيين الإسرائيليين في أعلى مناسبة رياضية وإثبات تفوقهم عليهم.

الفوز في وجه الإسرائيلي في المناسبات الرياضية ليس هدفاً، بل يمكن، ولو نظرياً، استغلال مثل هذه المناسبات للحصول على التغطية الإعلامية المطلوبة وجذب الرأي العام العالمي نحو مطالب الشعب الفلسطيني المحقة. فالانسحاب من المباريات من شأنه إبقاء القضية الفلسطينية منسية، بل جعل إسرائيل تبدو كالنعجة في وجه الذئب العربي.
 
ربما على الممانعين والحريصين على فلسطين مراجعة تاريخ الألعاب الأولمبية، وتذكر إنجاز رياضي المضمار والميدان الأميركي من أصل أفريقي جيسي أوينز وتمكنه من انتزاع أربع ميداليات ذهبية من تحت أنف الديكتاتور النازي أدولف هتلر في أولمبياد برلين 1936.
 
النصر الذي حققه أوينز في برلين تجاوز الميداليات الأربع، بل جعل من صورته على عرش التتويج صورة أيقونية، ليس في تاريخ الرياضة فحسب، بل في تاريخ الحركة المعادية للفاشية التي تستمر في مواجهة الأنظمة العنصرية مثل إسرائيل. في أولمبياد 1968 الذي جرى في ميكسيكو سيتي، وقف العداءان الأميركيان من أصول أفريقية جون كارلوس وتومي سميث على منصة التتويج، رافعين قبضتيهما نحو السماء في ما يعرف بـ black power اعتراضاً على اغتيال القس مارتن لوثر كينغ وعلى الحرب في فيتنام.

في الحقيقة، كان أداء الفريق الإسرائيلي في الألعاب الأولمبية ضعيفاً، حيث لم تحصل إسرائيل سوى على عشر ميداليات (ذهبية في رياضة القوارب وفضية في رياضة الجودو وثماني برونزيات في رياضات مختلفة)، في حين أن البلدان العربية مجتمعة فازت بمئة وثماني ميداليات (26 ذهبية، 27 فضية و55 برونزية)، وفي رصيد مصر وحدها 32 ميدالية، منها 7 ميداليات ذهبية.

خلال الأيام الماضية، رفضت لاعبة الجودو السعودية تهاني القحطاني الانسحاب من منازلة غريمتها الإسرائيلية في مباراة انتهت بخسارتها. وفيما قام إعلام الممانعة وبعض المنافقين بتخوين القحطاني التي صافحت اللاعبة الإسرائيلية في نهاية المباراة، صرحت اللاعبة السعودية وبشجاعة: "كانت مباراة عادية، لقد خسرت، ولكن شعوري عادي وهذه بالنهاية رياضة".
 
إذا أراد عاشقو فلسطين المزعومون خدمة القضية، فعليهم أيضاً مقاطعة مباريات الولايات المتحدة الأميركية التي هي، في قاموسهم، الشيطان الأكبر. فإن كانوا يمانعون مواجهة الشيطان الأصغر فكيف بالأحرى أميركا أو فرنسا أو المملكة المتحدة، الدول التي أعطت وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو. وبينما كان هؤلاء الممانعون يهذون من خسارة القحطاني "الفادحة"، غابت عنهم خسارة إيران، على سبيل المثال، أمام أميركا في رياضة كرة السلة، حيث كبّد الفريق الأميركي إيران هزيمة نكراء انتهت بـ 120-66.
 
مقاطعة الأولمبياد والانسحاب منه موقفان يشبهان الدعوات الى رمي إسرائيل في البحر، وليسا سوى سلاح استُنفد وبرهن عدم فعالية كافية في المواجهة المستمرة مع العدو الصهيوني، بل ساهما في إعادة استغلال أنصار إسرائيل الخطاب الممانع لمصلحتهم للحصول على التمويل والسلاح الغربي الذي يستخدمونه، ليس لحماية أنفسهم كما يزعمون، بل لقمع الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال.
 
في النهاية، وكما قالت الرياضية السعودية تهاني القحطاني "إنها رياضة"، وعدم التنافس هو إحدى طرق الخسارة. وكي يصل العرب في المجمل إلى درجة عالية من الوعي، عليهم أن يتعلموا الخسارة قبل الربح، عندها فقط قد نتمكن من إخراج متلازمة النكبات والنكسات التي تمنعنا من هزيمة أكبر عدو لنا ألا وهو التخلف. الربح والخسارة ليسا بعيب في حين أن النفاق والكذب هما ملح "الممانعة".





 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم