إعلان

صناعة القرار بين "اللوبيات" والمؤسّسات الديموقراطية

عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
تعبيرية
تعبيرية
A+ A-
 
تثير عملية صناعة القرار داخل الأنظمة السياسية المختلفة، كثيراً من التساؤلات وعلامات الاستفهام، حيث يتداخل البعد المؤسساتي مع البعد الشخصي للقادة، ما يضفي كثيراً من التعقيد على هذه العملية التي لا تتوقف، لكن يتوقف عليها مصير الدول والشعوب، وحيث إن منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تعاني من خصاص كبير في الجانب المؤسساتي المرتبط بالتعثر البنيوي في تحقيق الديموقراطية وبتأثير شخصية القادة وجماعات الضغط في عملية صناعة القرار، فإنه يصبح مهماً امتلاك المعرفة الضرورية بكل ما يحيط بعملية صناعة القرار كمقدمة لفهم آلية صناعته في منطقتنا من خارج النسق المؤسساتي. 
 
لفهم كيفية اختراق اللوبيات لصناعة القرار على مستوى الدول، يجب أولاً فهم وإدراك عملية صنع القرار، وهي واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الباحثين والعاملين في حقول معرفية مختلفة، خاصة في العلوم الاجتماعية، إذ انتقل علماء السياسة مثلاً، من الاهتمام العام بالمؤسسات السياسية، إلى البحث في العمليات والسلوكات الناتجة منها، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية نتيجة لحجم التحولات التي عرفها مفهوم وشكل الدولة ومهامها في مختلف دول العالم، وبالنظر كذلك للطبيعة المركبة لعملية صنع القرار كظاهرة شغلت التحليل السياسي الحديث، حيث يجيب التمييز بين صنع القرار واتخاذ القرار فعلياً، فصنع القرار عملية معقدة تشترك فيها أطراف مختلفة رسمية وغير رسمية، داخلية وخارجية، بينما اتخاذ القرار، يتم بواسطة القيادة أو النخبة، وهذا هو نفسه مناط التمييز بين النفوذ والسلطة، فمن يمارس النفوذ لا يتبوأ منصباً رسمياً بالضرورة، واتخاذ القرار حسب (كارل دوتيش) يتوقف على ما يتيحه النظام السياسي من تسهيلات ملائمة بخصوص جمع المعلومات الداخلية والخارجية، مع ما يتطلبه من نقل للمعلومات والاتصالات وحرية تدفقها داخل المجتمع بما يخدم صناعة القرار، وذلك كله يتوقف على طبيعة النسق السياسي والنظام السياسي.
 
 لقد تحقق تراكم نظري مهم بخصوص بحث كيفية صناعة القرار في تلك البنيات وعلى مستوى الأفراد، ولئن كان ذلك يسيراً على مستوى  المنظمات (الهيئات الصناعية والتجارية والخدماتية...) وإلى حد ما على مستوى الأفراد، فإن الأمر ليس باليسر ذاته عندما يتعلق الأمر بالأنظمة السياسية التي تحتفظ بمناطق ظل واسعة في ما يتعلق بعملية صنع القرار حتى في الدول الديموقراطية، ويزداد الأمر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالأنظمة السياسية المغلقة والسلطوية التي تتسم بضعف أكبر في الديموقراطية والشفافية، مع العلم أنه في كل الأحوال، فصاحب القرار ليس جهة واحدة كما يقول الأستاذ عبد الله ساعف، هذا التعدد في مصادر صناعة القرار على مستوى الدولة، يرتبط أيضاً بالجوانب الأخلاقية للقرار التي تختلف عن تلك التي عند الأفراد وتشكل منطلقات لقراراتهم، فحسب دورتي وبالسغراف: "الدولة في سعيها لتحقيق مصلحتها القومية تكون محكومة بقيم تختلف عن قيم الأفراد في علاقاتهم الشخصية، والنتائج السياسية لسياسة معينة هي في الحقيقة معيار الحكم على هذه السياسة، بل إن الخلط بين القيم الفردية وقيم الدولة يعني وضع الأساس لكارثة قومية، لأن المسؤولية الأولى لرجل الدولة هي الحفاظ على بقاء الدولة، وهذا الالتزام يتطلب منه أخلاقيات تختلف عن تلك التي للفرد"... فالقرار هو الاختيار الرشيد من بين بدائل عدة، يحقق الهدف أو المصلحة العامة للقيادة السياسية، هنا يمكن القول إنه بالرغم من الصعوبات الواقعية التي يواجهها الباحثون في التوصل إلى تعريف موحد للقرار اصطلاحاً، فإننا نكاد نجد تقاطع تعريفات عدة عند ما نعتبره يمثل عملية اختيار واع بين مجموعة من البدائل، وذلك لتحقيق هدف أو أهداف محددة، أو للجواب على مشكلة معينة، أو لتجنب وضعية أو وضعيات محددة، وهو قد يكون فعلاً إرادياً مخططاً ومبرمجاً، أو مجرد رد فعل على وضعية معينة، كما أنه لا يتخذ دائماً طابعاً إيجابياً، بل إن الامتناع عن اتخاذ قرار يمثل في حد ذاته قراراً، كما ليس للقرار طابع خطي، بل بحكم تداخل كثير من العوامل والفاعلين، فإنه يتأثر بها سلباً أو إيجاباً، وهو ليس نهائياً، إذ يبقى دائماً قابلاً للمراجعة والتقويم، كما أنه يتسم بطابع سياقي، إذ لا يمكن فهمه واستيعابه خارج السياق/البيئة الذي أنتجته وأنتج فيها، وفي كل الأحوال تعتبر القدرة على تفكيك العملية التي تقود إلى صناعة القرار، مقدمة لكشف حجم تمتع نظام ما بقدر كاف من المشاركة والديموقراطية، والمشاركة هنا لا تتعلق بالأفراد فقط، بل بمختلف المؤسسات في الدولة، على أن تتم هذه المشاركة وفق قواعد المشروعية وقواعد أخلاقيات العمل السياسي.
 
لذلك فالتأثير على عملية صنع القرار، وبخاصة في البرلمانات حيث توضع القوانين، تعتبر أخطر من التعقيدات الأخرى لعملية صنع القرار، فإذا كانت دول، مثلاً كالولايات المتحدة الأميركية، تضع قوانين وقواعد لعمل اللوبيات التي تشتغل في واضحة النهار وشرعياً، فإن دولاً أخرى، ومنها دول منطقتنا، يتخذ القرار فيها في إحدى صورتين، الأولى شديدة السرية بحيث لا تشتغل عملية صنع القرار جهراً، وهذا ما يهم المصالح الكبرى أو تلك النوعية من المصالح التي لا يمكن إدراكها حيناً، بل تنكشف مع مرور الزمن، وهناك نوع آخر يشتغل بوضوح دفاعاً عن مصالحه، خاصة الفئات المهنية الحرة أو موظفي القطاع العام من خلال تنظيماتهم النقابية، وهؤلاء في الواقع يبقى تأثيرهم محدوداً أمام اللوبيات وأطراف النسق السياسي التي لا تتحرج من الوقوع في تنازع المصالح كحالة فاضحة للفساد الذي يؤطر في الغالب عملية صنع القرار في منطقتنا.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم