إعلان

في السابع والعشرين من حزيران

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
الشرطة الفلسطينية في مواجهة المحتجين على اغتيال بنات
الشرطة الفلسطينية في مواجهة المحتجين على اغتيال بنات
A+ A-
 في السابع والعشرين من حزيران (يونيو)، هناك صورة التقطت في احتجاجات رام الله على اغتيال نزار بنات، صورة لا تشبه تسونامي الصور الذي يتدفق منذ إعلان محافظ الخليل عن وفاة المعارض الفلسطيني نزار بنات، بعد ساعة وأربعين دقيقة من اعتقاله على أيدي الأجهزة الأمنية الفلسطينية، صورة من بين صور مؤلمة كثيرة لوجوه وأشخاص يعتدون على المحتجين/ات بعنف غير مسبوق، شكل صدمة للشارع الفلسطيني، ودفع به نحو واقع حاول عبر البلاغة والخوف والوهم تجاوزه. فجأة انفجر عنف الأجهزة الأمنية وتحقق المشهد الذي حاول الفلسطينيون تجاهله، رغم وضوحه وقسوته، رجل أمن بملابس مدنية يدق رأس متظاهر بحجر مدبب، صورة الشرطية التي تسحل إحدى الفتيات المحتجات على الجريمة من شعرها، صور لمجاميع من المنفلتين وهم يتعاونون على سحل أحد المحتجين بحرية مطلقة كما لو أنهم في تدريب نهاري، قنابل الغاز والصوت والهراوات والعصي الخشبية، كل ما يمكن أن تحتويه ترسانة القمع ظهر من دون مقدمات في استباحة مطلقة لحقوق الناس وحرياتهم التي راكموها عبر عقود طويلة من مواجهتهم مع الاحتلال، يضاف اليها مجاميع هائجة من العصابات، محمية من أجهزة الأمن الكثيرة، مخابرات ومخابرات عسكرية وأمن وقائي وشرطة بأنواعها، كان هناك، بحسب الصور، أفراد من الجمارك أيضاً، ومبررة عبر خطاب السلطة  وإعلامها وتصريحات المتحدثين باسمها، ومسنودة بمراسيم تأخذ محل القوانين، ومغطاة من خلال شعارات "وطنية" وتنظيمية، مؤامرة على الوطن، انقلاب، تفكيك "فتح"، أجندات خارجية وطابور خامس الى آخر قاموس الديكتاتوريات العربية،...بحيث بدا الاعتداء على الصحافيات وسرقة حقائب المتظاهرات وأجهزة الهاتف ونشر خصوصياتهن على مواقع التواصل الاجتماعي امتداداً لعمل "وطني" متواصل.
 
كما لو أن الأمر اليومي لصباح السابع والعشرين من حزيران كان مخصصاً لإهانة النساء وقمع الإعلام، تحديداً الكاميرات، كانت مواجهة مذعورة مع فكرة الاحتجاج ومع الصورة.
 
كما لو أن السابع والعشرين من حزيران كان معداً في سيناريوات الأمن، ومحبوساً في ملفاتهم الى أن أطلق في موعده، أطلق كي لا يُنسى، وها هو يواصل تحديقه في مصائر الفلسطينيين من دون أن يرمش.
 
سلسلة من الحلقات المترابطة، تبدأ بارتكاب جريمة الاغتيال وتتسلسل في جملة طويلة ومنجزة، من محاولة الاحتيال على الحقائق وتعويم الجريمة وصناعة الخوف والمغامرة الخطرة في زج "فتح" في مواجهة شعبها، الى أن تصل الى "الانتصار" على "المؤامرة".
 
سأستثني من كل هذا الضابط في بيت لحم الذي كان يطلق سراح المعتقلين من الشبان بمجرد إحضارهم اليه.
 
فجأة انفجر الغضب المتراكم في الشارع أيضاً، غضب قديم ومؤجل توجه في جانب منه نحو السلطة نفسها وأجهزتها، في انزياح واضح عن المألوف، وبدل أن تتوجه المسيرات الغاضبة نحو حواجز الاحتلال، تواصلت في ميداني المنارة والساعة المتجاورين، أو عبر شارع الإرسال المؤدي الى "المقاطعة"، وبدا بوضوح أن الفلسطينيين يعيشون بالضبط بين المطرقة والسندان.
 
أبعد من ميداني المنارة والساعة في رام الله والخليل ومواقع التواصل الاجتماعي، انتقلت المواجهة الى مناطق جديدة، وربما للمرة الأولى يتحرك المجتمع المدني بمؤسساته الحقوقية والثقافية، بهذه القوة وهذا الإجماع، ليوجه إدانة غير مسبوقة للجريمة وبؤس إدارة السلطة للأزمة، ويشكك بوضوح في عقيدة الأجهزة الأمنية وسلوكها، سواء جريمة القتل نفسها أم التعامل معها ومحاولة التحايل على حقائقها، أو قمع الاحتجاجات التي تلتها.
 
ستصرخ "حماس" وسيحاول إسماعيل هنية وخالد مشعل ركوب الموجة، ولكن من يصدق "حماس" عندما تتحدث عن حرية التعبير وحقوق المواطنة والحريات؟!
لقد ظهرت السلطة معزولة ومرتبكة وخارج التغطية تماماً، في الشارع وفي المؤسسات الممثلة للمجتمع المدني، ودولياً عبر استنكار المجتمع الدولي ونقده، الذي شمل الممولين والاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الأميركية نفسها.
 
عودة الى الصورة التي تذكّر بالصورة الشهيرة في ثلاثينيات القرن الماضي في ألمانيا، حيث يرفع الآلاف يدهم بالتحية النازية باستثناء رجل ببدلة رمادية، بدا الرجل قوياً وشجاعاً وممتلئاً بالثقة، ولكنه غير قادر على الانتصار، على الأقل في تلك اللحظة.
الصورة لأحد كوادر حركة فتح، "أسير محرر"، التقتطه الكاميرا وهو يحاول حماية المتظاهرات من الهجوم المنفلت لمجاميع من الهائجين وأفراد الأمن بلباس مدني على التظاهرة.
 
لؤي المنسي كان وسط هذه الفوضى المدروسة، يدفع بيديه وجسده الاندفاع الوحشي للمهاجمين الهائجين، الذين وصلوا الى موقع التظاهرة برعاية ومرافقة أمنية، وضمن تخطيط مسبق ومتفق عليه.
تمسك الفلسطينيون بالمشهد كما لو أنه قشة ستحميهم من انفلات الأمن وتوابعه على حقهم في التعبير عن احتجاجهم على عملية قتل مواطن تحت التعذيب، بسرعة تناقلت العديد من المواقع الصورة، التي كانت دفاعاً عميقاً عن حركة "فتح" ودورها وحضورها.
كما لو أنه استدعاء مفعم بالألم لصورة "فتح" التي يحبونها، فتح التي تشبه لؤي المنسي.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم