إعلان

الشراكة الصّينية - الإيرانيّة... رسالة مزدوجة إلى أميركا

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
وزيرا خارجية الصين وايران
وزيرا خارجية الصين وايران
A+ A-
بعد إرجاء استمر نحو ستة أعوام، وقّعت الصين وإيران نهاية الأسبوع الماضي اتفاق الشراكة الإستراتيجية بينهما. واختيار هذا التوقيت بالذات للتوقيع، يحمل جملة رسائل إلى إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، من الجانبين الصيني والإيراني. 
 
فالصين، بعد جولة أولى من الحوار مع الإدارة الأميركية الجديدة في ألاسكا، باتت على اقتناع بأن الحرب الباردة مع واشنطن صارت واقعاً مقيماً ولم تعد مجرد تكهنات تسري على ألسنة الكتّاب والمعلقين ومراكز الأبحاث والرأي. 
 
ومواضيع الخلاف بين الصين والولايات المتحدة، لم تعد محصورة فقط في تنافس تجاري شرس، بل باتت تطاول مروحة واسعة من القضايا، من هونغ كونغ إلى الإيغور إلى تايوان وميانمار وكوريا الشمالية. وعندما قرر بايدن أن يطبق "التوازن بين القيم والمصالح" في السياسة الخارجية، اصطدم بالصين. والرئيس الأميركي كان جازماً في كل تصريحاته ومواقفه منذ دخل البيت الأبيض في 20 كانون الثاني (يناير)، بأنه لن يسمح للصين التي يتسارع نموها اقتصادياً وعسكرياً، بأن تبسط نفوذها حول العالم، بما يشكل تهديداً للزعامة الأميركية للعالم.
 
وأقرن بايدن القول بالفعل، عندما سارع إلى إيلاء الاتصالات الدبلوماسية مع حلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الأولوية القصوى لعمل إدارته. وأوفد وزيري الخارجية والدفاع أنطوني بلينكن ولويد أوستن إلى اليابان وكوريا الجنوبية والهند، وعقد قمة مع زعماء أستراليا واليابان والهند في إطار التحالف غير الرسمي الذي يطلق عليه مجموعة "كواد".  
 
ومضى بايدن في سياسة سلفه دونالد ترامب حيال الصين، وعمد إلى فرض العقوبات عليها على خلفية اتهامات لبكين بممارسة ما وصفه بـ"الإبادة" ضد أقلية الإيغور المسلمة، ووضع مليون شخص منهم في معسكرات اعتقال بذريعة "إعادة تثقيفهم". وساند الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في هذه المقاربة، الأمر الذي سارعت الحكومة الصينية إلى الرد عليه بفرض عقوبات على مسؤولين أميركيين وبريطانيين وأوروبيين، اتهمتهم بالتحريض في مسألة إقليم شينجيانغ والتدخل في شأن صيني داخلي. 
 
وآخر اقتراحات بايدن، هو أن تبادر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى الرد على مبادرة "الحزام والطريق" الصينية التي تشمل أكثر من 80 بلداً في أنحاء العالم، بمبادرة معاكسة لاحتواء النفوذ الصيني.  
 
وعندما أيقنت القيادة الصينية، بعد حوار ألاسكا، أن لا مجال لإحداث تغيير في السياسة الأميركية في عهد بايدن، مضت إلى توقيع اتفاق الشراكة الإستراتيجية مع إيران، الذي يمتد على 25 عاماً، ويغطي مجالات كثيرة أبرزها استثمارات صينية في إيران قد تصل إلى 400 مليار دولار.  
 
ومن ناحية طهران، صار القادة الإيرانيون على اقتناع بأن رفع العقوبات الأميركية ليس قريباً، نظراً الى الشروط التي يفرضها بايدن على إيران كي يعود إلى الاتفاق النووي لعام 2015. وهذا يعني مزيداً من الإنهاك للاقتصاد الإيراني.  
 
وكان بايدن واضحاً منذ البداية، بأن الولايات المتحدة لن ترفع العقوبات التي عاود ترامب فرضها على طهران عند انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، إذا لم تعد طهران عن انتهاكاتها للاتفاق، وتقبل التفاوض على اتفاق أكثر شمولية يأخذ في الاعتبار برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. وبما أن الوقت بات ضاغطاً بالنسبة الى انتخابات الرئاسة الإيرانية في حزيران (يونيو) المقبل، فمن المرجح أن يسود الجمود في الأشهر المقبلة على صعيد جهود إحياء الاتفاق النووي.  
 
في هذه الأثناء، ستستخدم إيران اتفاقها مع الصين ورقة ضغط عندما يحين وقت الجلوس مع الأميركيين. إذ إن من شأن اتفاق الشراكة مع بكين أن يعوّض طهران بعض خسائرها نتيجة العقوبات الأميركية، ويزيل عنها عامل الضغط الاقتصادي الذي تستخدمه واشنطن رافعة لحمل إيران على التفاوض على اتفاق جديد.  
 
ويتيح الاتفاق للصين "التغلغل" أكثر في الشرق الأوسط وفق تعبير صحيفة "النيويورك تايمز"، ويعزز مبادرة "الطريق والحزام"، التي تعوّل عليها الصين، والتي تعتبر ركيزة بكين في بناء النفوذ في العالم في مواجهة النفوذ الأميركي.  
 
وبذلك، يعتبر اتفاق الشراكة، رسالة مزدوجة من الصين وإيران نحو الولايات المتحدة، في سياق صراع أوسع وأكثر شمولية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم