إعلان

مصطفى الكاظمي يعيد تموضع العراق

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي مصطفى كاظمي (أ ف ب)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء العراقي مصطفى كاظمي (أ ف ب)
A+ A-
يمكن اعتبار الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي الى المملكة العربية السعودية، ولقائه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتوقيع على اتفاقات اقتصادية بين الحكومتين بمثابة نقلة نوعية في مرحلة شديدة التوتر إقليمياً. فالانفتاح بين السعودية والعراق في هذا التوقيت بالذات يمكن تعيينه في إطار محاولة الحكومة العراقية بقيادة مصطفى الكاظمي تحييد نفسها والعراق عن التوترات المستعرة في المنطقة، واعتباره إعلاناً صريحاً من قبل الشرعية العراقية الممثلة بالحكومة من أن العراق ينأى بنفسه عن الصراع بين إيران والسعودية، والأهم أن العراق، يعلن جهاراً أنه يرفض بشكل كلي أن يكون منصة إيرانية لاستهداف الدول والكيانات العربية المجاورة.
 
وهنا تكمن أهمية هذه الزيارة التي ترى القيادة السعودية أنها مهمة بالنسبة الى مساعيها المتواصلة لجذب العراق الى الصف العربي، وإعادة ربط هذا البلد المحوري بجيرانه العرب، بما يمنع ابتلاعه عبر السيطرة على الحكم، والقرار في سياق المشروع التوسعي الإيراني. وهنا يتلاقى السعوديون مع حلفائهم الأميركيين في العمل الدؤوب على إعادة التوازن الى الساحة العراقية التي سيطرت عليها لمدة من الزمن الأحزاب، والميليشيات المرتبطة بإيران، الى حد صار يُسمع فيه كلام صادر عن قياديين إيرانيين في طهران مفاده أن بغداد تقع في عداد العواصم العربية التي تسيطر عليها ايران.
 
وفي هذا الإطار يمكن القول إن وصول مصطفى الكاظمي الى سدة رئاسة الحكومة العراقية مثّل انعاطفة كبيرة في المسار الانحداري الذي سار عليه العراق منذ تمدد الميليشيات المسلحة التابعة لإيران مستغلة غطاء الشرعية الذي منح لما سمي بـ"الحشد الشعبي". والحال أن السياسة التي اتبعها رئيس الوزراء العراقي منذ توليه منصبه دلت إلى أن خيار الكاظمي هو خيار توسيع دائرة الاستقلالية في القرار، والنأي بالنفس، وإعادة العراق الى الحضن العربي، من دون الاصطدام بالمحور الإيراني. إنما دون هذا الهدف صعوبات جمة تعود الى حقيقة أن السياسة الإيرانية شديدة العدوانية في ما يتعلق استراتيجة توسيع حلقة نفوذها في الإقليم. وقد تجلى ذلك خلال سنوات طويلة في العراق، وسوريا، ولبنان.
 
وبالنسبة الى العراق ليس سهلاً على الحكومة أن توازن بين استراتيجتها الساعية الى بسط سلطتها على كامل الأراضي العراقية، والسيطرة على الأرض، الأمر الذي تواجهه الميليشيات المسلحة التابعة لإيران بأستمرار، وعلى أكثر من مستوى. ولعل الهجمات الصاروخية المتكررة التي تقوم بها الميليشيات المشار اليها ضد أهداف دبلوماسية وعسكرية أميركية تمثل تحدياً كبيراً لإرادة الحكومة الشرعية، التي تخشى كما العديد من القوى السياسية المستقلة عن النفوذ الإيراني من أن يصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران، وصولاً الى ساحة مواجهة بديلة بين الشرعية العربية التي تقودها المملكة العربية السعودية وحلفاؤها في الخليج وصولاً الى مصر، وخصوصاً ان "الحرس الثوري" الإيراني كان ولا يزال يستخدم الأراضي العراقية، وتنظيمات تستظل بـ"الحشد الشعبي" للقيام بهجمات ضد مصالح سعودية، وبالتحديد ضد أراضيها. هذه الحالة لا يمكن إلا أن ترفع من مستوى التوتر بين العراق وجيرانه، باعتبار أن أي حكومة في أي دولة هي من يتحمل المسوؤلية السياسية والمعنوية والقانونية عن الأعمال التي تنطلق من أراضيها! 
المهم اليوم هو أن رئيس الحكومة العراقي الذي يواجه تحديات كبيرة جداً، أولها الخطر الدائم على حياته من احتمال اغتياله بأوامر إيرانية، لقلب الطاولة في الاتجاه المعاكس،الى إعادة العراق الى "الحظيرة" الإيرانية على النحو الذي كان قائماً في عهد حكومات نوري المالكي التي تسبب بكوارث داخلية وخارجية، وانتهى بها الأمر بالتسبب في إفلاس البلاد التي كانت تعتبر أغنى الدول العربية على الإطلاق، فضلاً عن فتح العراق على مصراعيه أمام استتباب النفوذ الإيراني في جميع مفاصل الدولة، والمؤسسات المدنية، والعسكرية والأمنية.
 
هذا الواقع السلبي، يحاول رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي الخروج منه، وهو يمشي في حقل من الألغام الداخلية والإقليمية. ولكن الأهم هنا أن الكاظمي يدرك أهمية العودة الى الحضن العربي، وخلق توازن حقيقي في بلد تعددي، وتمتلك فيه إيران أدوات عديدة قادرة على تخريب الوضع الداخلي. وهنا شجاعة الكاظمي السياسية والشخصية التي تتجلى في نجاحه تبديد التقييم الخارجي الذي يعتبر أن العراق هو ساحة إيرانية.
 
وبين الإصرار على وجود أميركي في العراق، وإعادة تموضع العراق عربياً، يخطو مصطفى الكاظمي خطوات مهمة في الطريق الى استقلال عراقي يلعب لعبة التوازن ببراعة. هذا درس للقيادات اللبنانية أيضاً!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم