إعلان

المأزق!

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
من ثورات الربيع العربي
من ثورات الربيع العربي
A+ A-
عاد عدد كبير من الكتاب العرب وحتى غيرهم إلى النظر بحوادث الربيع العربي قبل عشر سنوات، ونوقش الموضوع على محطات الإذاعة والتلفزيون، ولم يكن غريباً أن يتناولها البعض من الزاوية التي يعتقد أنها "مركز الثقل" حيث تناول بعض تلك الكتابات الصورة الأعم "أي ربع العرب" بكل تعرجاته الإقليمية، فيما البعض الآخر تناول دولة أو مجتمعاً واحداً اختمرت فيه العاصفة ثم انفجرت.
 
في بلد مثل مصر وهي ذات ثقل سكاني واستراتيجي كبير في منطقتها نسمع من بعض الكتاب "أن الربع اختطف" وأن حكم "الإخوان" الذي استمر سنة تقريباً، هو النموذج الصحيح لما يراد، الى آخر مصفوفة القناعات تلك، والبعض الآخر يرى أن التدخل الأميركي هو الذي أفسد المشهد وحرّض العسكر على "الانقلاب". وفي بلد مثل ليبيا ما زال الأمر بعد عقد من السنين لم يرسُ على بر، ولا اعتقد انه سوف يرسو قريباً ليس لموقف عاطفي ولكن لأسباب موضوعية منها التدخل الخارجي ومنها الضعف الشديد في التعامل السياسي، ومنها أيضاً التركيبة السكانية ذات المتكأ القبلي والمناطقي. أما في تونس، فالأمر يتأرجح بين الدولة وبين الفوضى، وفي سوريا كما نشاهد لم تبقَ الدولة فاعلة بأي درجة ولم تصل المعارضة، وفي تقديري لن تصل الى توحيد صفوفها، ويتدهور الوضع كما يتجه من سيئ الى أسوأ. وفي اليمن حرب أهلية مشتعلة مع جماعة تعتقد أن لها "رسالة ربانية" ومتكئه أيضاً على تمويل ودعم دولة خارجية.
 
في معظم الكتابات التي قرأتها أنا على الأقل في الأسابيع القليلة الماضية، كان الكتاب يبحث عن تفسير لما حدث، ولكن هذا التفسير خارج "الأنا" كي يشير الى الآخر، أما "الانقلابي" او التدخل الخارجي او الثورة المضادة على غموض المصطلح الأخير. وأعتقد أن الأوان آن لأن نبحث عن أسباب الفشل إذا أمكن في داخل ثقافتنا. لعل أسباب الفشل هي تفاعل عدم وجود برنامج واضح لما يراد أن يكون مع غياب قيادة لها منهج وجمهور واسع مقتنع بذلك المنهج، وتفاعل العاملين هو الذي أدى ولا يزال يؤدي دور عامل "الكبح" وهذا التفاعل لم يتطرق له أو يتعامل معه فكرياً. شعارات مثل "حرية، عدالة اجتماعية" الى آخره هي شعارات فضفاضة.
 
لقد كان الجميع يعرف ما لا يريد استمرار النظام القائم ولكنه لا يعرف ما يريد. اذا كان "المسكوت عنه" في ما يريد أن يحصل على دولة مدنية مستقلة وديموقراطية وتعتمد على اقتصاد قوى، فذلك من ثالث المستحيلات، لأن ثقافتنا العربية، حتى الآن لا تحتمل الديموقراطية التعددية، ولأن القوى المنظمة وشبه المنظمة "مقفلة" على الأعضاء المختارين والذين اقسموا ولاء الطاعة العمياء للزعيم أو المرشد أو الرئيس أو الإمام! فهي مجموعات غير ديموقراطية في داخلها وطاردة للآخر، بل طاردة لأعضاء ينحرفون من وجهة نظر الزعيم أو القيادة عما يراه، فهو "لا يريهم إلا ما يرى".
 
في مقلب آخر، فإن ما عدا ليبيا التي تتوافر فيها موارد اقتصادية معقولة، كل الدول الأخرى تعاني من اقتصاد متوسط أو ضعيف، لا يقوى من دون خطط مجبولة على تضحيات أن يقوم المجتمع في الحد الأدنى. المثال هو تونس ولكن الباقي يتشابه أو حتى أكثر سوءاً. تقويم الاقتصاد وهو المهم للجمهور العريض يتطلب ضبط الشارع وتقليص الحريات العامة، لأن الحريات من دون قاعدة اقتصادية قد تتحول إلى فوضى تزيد الاقتصاد تدهوراً والمجتمع تنافراً. اذاً أمامنا معادلة صعبة تجعل البعض يقول غاضباً، أرجعوا لنا "مبارك وبن علي بل وحتى القذافي أو علي صالح"، كنا في حال أفضل في زمانهم! طبعاً هذا القول يدل على إحباط شديد من الكثيرين لما ألت اليه الأمور في تلك البلاد! اذاً في الواقع، الرئيس ليس في الخارج بل في الفضاء السياسي - الثقافي الذي نعيش، هو عدم تركيب آلية حديثة متطورة ومحترمة من الجميع لتسيير المجتمع. حتى في بلدان الديموقراطيات العربية ولو في بلد صغير، نجد هذا الشتات المجتمعي والإفلاس الاقتصادي والتحزب الاعمى للطائفة التي يقودها الزعيم الى حتفها، في الوقت الذي يزداد رصيده البنكي وأسرته بالدولارات.
 
بعد هذا العرض أليس من واجبنا وليس فقط من حقنا أن ننظر الى أنفسنا ونشير الى العطب المستعصي في ثقافتنا القطعية المنكفئة على نفسها والمقلقة، بجانب زعماء "النعامة" الذين يرفضون قراءة الواقع كما هو ويسعدون في واقع افتراضي متخيل لديهم. أعتقد أن النقاش الذي دار في الأسابيع الأخيرة حول الربيع العربي يؤكد من جديد تلك القطيعة مع الواقع، لأن الكل يريد أن يبرر أن الفشل بسبب "الآخر" وهو في الحقيقة بسبب ثقافتنا السياسية! المأزق أننا دخلنا "الحداثة الشكلية" ونقاوم "الحداثة الحضارية" والقائمة على مؤسسات وخيارات فردية وتواصل بين الفرد والدولة من دون وسيط وتطبيق القانون النابع من الناس.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم