إعلان

آخر منتدى للشطرنج في نيويورك... ما بين الواقع والخيال

المصدر: النهار العربي
هنادي الديري
خشان في منتدى الشطرنج في نيويورك
خشان في منتدى الشطرنج في نيويورك
A+ A-
وسط أجواء دراماتيكيّة، حميميّة، يتخلّلها الكثير من الرومنطيقيّة المحببة والنادرة التي تنتمي إلى ذاك الزمن التائه في رواق الحياة الحديثة السريعة الإيقاع والمؤلمة في تدميرها لكل ما هو أنيق ومخملي، يجلس رجل خمسيني بهدوء مسرحيّ خلف منضدة مزينة بالكماليات العتيقة.
 
يتأرجح ما بين الشباب وما تبقى منه بوقار ينعكس على الفسحة التي يملكها في مدينة نيويورك الأميركيّة. يتحدث بأسلوب الحكواتي الحكيم ويمزج الأخبار عن لعبة الشطرنج التي يدمنها والحياة التي يعيشها وكأنه بطل من أبطال الروايات الكلاسيكيّة حيث الفروسيّة والنبل والإنسانية التي لا تنتمي إلى ما آلت إليه يومياتنا المرتبكة هذه. يأخذ كل وقته في الشرح وإعطاء النصائح للمبتدئين في اللعبة التي يعشقها ويمارسها ما يقارب الـ9 ساعات يومياً، يعامل النجوم وسكان الشوارع الذين يتلحفون سماء نيويورك بالمحبة عينها، ولا يمل من تحويل لعبة الشطرنج الخليلة التي ما زال يراقص مزاجيتها وأصولها وحروبها الضارية منذ 25 عاماً. 
 
يملك آخر منتدى للشطرنج في المدينة التي تلملم أطرافها بعدما سحق مجدها وصخبها الشاهق الفيروس التاريخي الذي قلب المقاييس إلى الأبد. يدعى عماد خشان ويقول لـ"النهار العربي" في حديث معه إلى نيويورك أنه يشعر بأن الزمن نسيه في هذه الفسحة المعلقة ما بين الواقع والخيال تماماً كأغنية السيدة فيروز التي يرندح كلماتها بسكون مؤثر: "صرلي شي ميّة سنة مشلوح بهالدكان. ضجرت مني الحيطان". وصحيح أن العالم الافتراضي هيمن على الإنسان وعلى إنشغالاته، بيد أن "منتدى الشطرنج" الذي يملكه خشان، يعيش شعبية كبيرة تجعله، رغم الوباء المستجد، زينة المدينة التي يهجرها سكانها حالياً بحثاً عن الأمان والهدوء في ضواحيها.
 
يقول بأسلوبه الحكواتي: "الشباب والأولاد يعودون يوماً فآخر إلى الواقع بعدما غرقوا لسنوات طويلة في متاهة العالم الإفتراضي. يبحثون اليوم عن أي شيء ملموس يستطيعون من خلاله أن يشعروا بأنهم أحياء، وأن ثمة من يشهد على إنفعالاتهم وحروبهم الداخلية التي تترجم على لوحة الشطرنج". وفي حين أنها مسألة طبيعية أن نشاهد في المنتدى الذي يستريح على العلاقات الإنسانية، نجوم هوليوود وأبطال المسارح العالمية يلعبون بشغف وتواضع، يفرح خشان كثيراً لأن الشباب يرتادون "منتدى الشطرنج" القائم في شارع طومسون الشهير، بسعادة تعبر عن إصرارهم على العودة إلى الهوايات وإلى تنمية مهاراتهم بعيداً من الشاشات الصغيرة والعالم البعيد من الحياة. 
 
ويُعرف عن عماد خشان عشقه لنيويورك هو الذي هجر بيروت من أجلها بحثاً عن الأمان وعن مستقبل أكثر زهواً من ذاك الذي كان ينتظره في بلده لبنان. وحمل معه إلى المدينة التي يحلم بها كل من يريد التغلب على الموت ولو لبضع دقائق، عشقه للعبة الشطرنج التي تعلمها بفعل مراقبته لوالده الذي تعامل معها وكأنها من الحروب التي لا بد من أن يفك لغز أسرارها ليقترب بضع خطوات من الحياة. وفي حين أن المنتدى أغلق أبوابه لأكثر من 3 أشهر في شهر آذار (مارس)، بيد أن المئات من اللاعبين الأوفياء لهذا الرجل الذي يتنقل في الشوارع النيويوركية ليلاً ليقدم المال والمأكولات والمياه والملابس للمشردين، يدعمون المنتدى ويصرون على إستمراريته، ليس فقط لأنه آخر فسحة باقية للعبة الراقية فحسب، بل لأن خشان حوّل المنتدى الملاذ الآمن المعلق بعيداً من أنياب الزمن الذي لا يرحم.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم