هلا بنت محمد آل خليفة تروي لـ"النهار العربي" حكاية لؤلؤ البحرين... "تعب وترف وتراث"

المصدر: النهار العربي
مايا بنّوت
حكاية اللؤلؤ البحريني.
حكاية اللؤلؤ البحريني.
A+ A-

تغنّي النّسوة "المراداة" التي تجسّد كلماتها أمنيات وآمالاً بعودة أزواجهن وأبنائهن بسلام من موسم الغوص البحريني.

 كانت مدينة المحرق، عاصمة البحرين سابقاً، تتحوّل إلى "مدينة النساء" بمجرّد أن يبحر الرجال على متن سفنهم التي تفوح منها رائحة القهوة والتمر والسمك والمحار المتراكم.

 
 

 لم تكن النساء يغطّين وجوههن عندما يمشين في الشوارع خلال هذا الموسم. هي حكاية انتظار في المدينة التي زارها أشهر تجار وصانعي المجوهرات الفرنسيّين، والبريطانيّين والأميركيّين، لانتقاء اللّؤلؤ الطّبيعي وصياغة الفخامة والترف. وقد كان من ضمنهم جاك كارتييه، حفيد صاحب علامة "كارتييه" للمجوهرات في فرنسا، الذي أسّس لعلاقة مع البحرين لا تزال مستمرّة حتّى يومنا هذا.

 
 المديرة العامة للثقافة والفنون في هيئة البحرين للثقافة والآثار، الشيخة هلا بنت محمد آل خليفة التي شغلت العديد من المناصب الإدارية في المتاحف والفنون، الفنانة التشكيلية المعاصرة والمتمسكة بتراثها باعتزاز والشغوفة بتوثيق ذاكرة وطنها الثقافية تحدثنا عن تاريخ الجوهرة الخالدة.

 

 
 
الشيخة هلا بنت محمد آل خليفة.
 
يمكن الحديث عن تاريخ الشعوب من خلال الكتب والأفلام والوثائقيات، ما هي أهمية مشروع "مسار اللؤلؤ" بالنسبة للبحرين؟

إن موقع "مسار اللؤلؤ: شاهد على اقتصاد جزيرة" يعد واحداً من أهم المواقع التي توثق لذاكرة الحضارة البحرينية، فالأجزاء التي تمتد لأكثر من ثلاثة كيلومترات داخل مدينة المحرّق، تحكي سيرة الإنسان البحريني وعلاقة عمرها مئات السنين بالبحر وبالغوص وباللؤلؤ.

موقع مسار اللؤلؤ يوثّق لمكانة مملكة البحرين خلال فترة ازدهار تجارة اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي، حيث كانت البحرين تعد أهم مركز لصيد اللؤلؤ وكانت تنتج أجود أنواعه واعتمد اقتصادها اعتماداً كبيراً على هذه المهنة التي تداخلت مع مختلف عادات المجتمع البحريني وتراثه وتقاليده.

 

 

 وربما من الجدير التنويه إلى أن البحرين امتلك أسطولاً من سفن صيد اللؤلؤ يصل إلى أكثر من ألفين وأربعمئة بانوش (سفن صيد اللؤلؤ) وهو ما شكّل حوالي 80% من إجمالي سفن صيد اللؤلؤ في منطقة الخليج. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن موقع طريق اللؤلؤ هو أحد أركان ثلاثية مواقع البحرين على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو، حيث نجحت البحرين برغم مساحتها الضئيلة مقارنة بدول أخرى في تسجيل هذا العدد من المواقع على القائمة، وهو ما أعطى للمملكة مكانة مرموقة في المجتمع الدولي وسمعة عالية لدى المنظمات العالمية العاملة في مجال حماية التراث الإنساني في مختلف أنحاء العالم.

 

إن موقع مسار اللؤلؤ أضاف إلى مدينة المحرّق بعداً ثقافياً جديداً وساهم في جعلها مركزاً ثقافياً على المستوى العالمي، لذلك نالت المدينة على مدى السنوات الماضية عدداً من الجوائز والألقاب، فتم اختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2018م وفازت بجائزة الآغا خان للعمارة وتم إدراجها في شبكة المدن المبدعة لمنظمة اليونيسكو في مجال التصميم.

 

 ما هي الرمزية الثقافية لمجتمع اللؤلؤ وعلاقته بالهوية البحرينية؟ 

  • إن موقع مسار اللؤلؤ يشكل اليوم عصب الحراك الثقافي في مدينة المحرّق، فهو مركز ثقافي جامع ومتكامل يثري المحرّق ويساهم في تعزيز الهوية الوطنية البحرينية ويحافظ على الإرث الوطني للمملكة.

  •  وعلى الرغم من انتهاء حقبة اعتماد البحرين على اقتصاد اللؤلؤ، إلا أن آثار هذا النظام الاقتصادي وشواهده ما زالت حاضرة حتى اليوم بحكاياته وقصصه التي تشكل مصدراً جميلاً للتعرف على جزء هام من الهوية الثقافية البحرينية. ومن أهم ما يميز الدور الذي يلعبه موقع مسار اللؤلؤ، هو قدرته على إحياء التراث الثقافي غير المادي لمملكة البحرين، ففي تفاصيل حكايات اللؤلؤ التي يوثقها الموقع تقاليد وعادات وممارسات تشكل هوية حضارية وذاكرة إنسانية مميزة للبحرين، فالكل يعرف الآن فن الفجري الشعبي، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمهنة اللؤلؤ ومارسه الأجداد على مدار سنوات طويلة، واليوم نسعى في هيئة البحرين للثقافة والآثار لتسجيل فن الفجري على قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي. 

 
 
  • المنافسة من أجل نيل أرقى أنواع اللؤلؤ من موطنها الأصلي البحرين، ما الذي كان يميز اللؤلؤة البحرينية؟ 
  • إن الشواهد التاريخية تشير بلا شك إلى أن البحرين تميزت منذ القدم باحتوائها على أغنى المغاصات التي تميزت بجودة اللؤلؤ وكثافة المحار.

  • ومن بين النصوص القديمة التي تؤكد على ذلك، ما روته أسطورة جلجامش (حوالي 3 آلاف عام قبل الميلاد)، بأن الملك السومري جلجامش غاص في مياه البحرين (دلمون) لاستعادة "زهرة الخلود" التي يرجّح أنها اللؤلؤ.  كذلك فإن بعض النصوص القديمة في بلاد ما بين النهرين وصفت اللؤلؤ البحريني بأنه "عيون السمك" في عصر حضارة تايلوس، كما تم تحديد البحرين كمركز رئيسي آنذاك لصيد اللؤلؤ.

  •   واحتفظت البحرين بمكانتها هذه لتصبح في القرون اللاحقة مركز صيد اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي. وكانت التنقيبات في المملكة قد أسفرت عن اكتشاف لقىً أثرية متعلقة بصيد اللؤلؤ من فترات دلمون، تايلوس والعصر الإسلامي.

 

 
  •  وقد استضاف مركز زوار مسار اللؤلؤ في المحرّق ما بين 2018م و 2019م معرض "5000 عام من لآلئ البحرين"، والذي ضم  مجموعة فريدة من مجوهرات اللؤلؤ من مقتنيات متحف البحرين الوطني وقلائد لؤلؤ بحريني من مطر للمجوهرات تم تجميعها على مدى سنوات طويلة، إضافة إلى قطع ثمينة من مجموعة كارتييه الشهيرة للمجوهرات، حيث أظهرت القطع حرفية وبراعة في التصميم، ويرجع مصدر الكثير من لآلئ هذه المجوهرات إلى مملكة البحرين.

 

 
  • ومن الموثق تاريخياً أن المصمم الفرنسي العالمي جاك كارتييه، مؤسس العلامة التجارية العالمية الشهيرة كان قد زار مملكة البحرين بداية القرن العشرين بحثاً عن جودة اللؤلؤ البحريني.  

 

  • كارتييه في البحرين

  •  

    هل كانت النساء البحرينيات يتزينّ باللؤلؤ ويقدّرنه أكثر من أحجار كريمة أخرى؟ 

اللؤلؤ البحريني اشتهر كثيراً في مختلف أنحاء العالم وكان يعد من أثمن وأجود أنواعه، حيث يتمتع بصفات نادرة ومتميزة لا تخطئها عين الخبير حتى هذه الأيام. ولذلك لم يكن بالأمر الهيّن حصول أي شخص على مجوهرات مصنوعة من اللؤلؤ البحريني أو مزينة بها.

  

والمجوهرات البحرينية الأصيلة، كالذهب واللؤلؤ، معروفة كذلك وقد فضلت النساء في المملكة التزيّن بها على غيرها من المجوهرات بالطبع، إلا أن امتلاك هذه الحلي الثمينة كان مقتصراً على النساء المقتدرات من الناحية المادية، حيث كان يعد التزين بهذه المجوهرات علامة على المكانة الاجتماعية العالية.

 

 

وأود في هذا السياق التطرق إلى أن المجتمع البحريني اعتبر اللؤلؤ أثمن وأغلى هدية أو تذكار يمكن منحها أو الحصول عليها، وعندما أرادت البحرين المشاركة في تكريم أمير الشعراء أحمد شوقي أهدته نخلة من الذهب واللؤلؤ البحريني. ووثق لهذه المناسبة الكاتب والباحث صقر بن عبد الله المعاودة في كتابه "البحرين وتكريم أمير الشعراء" وألقى فيه الضوء على اهتمام البحرين بالحركة الأدبية محلياً وعربياً وسعيها للمشاركة في الحراك الثقافي في المنطقة.  

 

  

 

حقائق وأرقام عن لؤلؤ البحرين

 *يرتبط موقع التراث العالمي "مسار اللؤلؤ: شاهد على اقتصاد جزيرة" بالإرث الفريد لعصر صيد اللؤلؤ في البحرين، من خلال العمارة والتراث الحضري لمدينة المحرق القديمة، فضلاً عن ثلاث من مصائد اللؤلؤ "الهيرات" الموجودة في المياه الإقليمية الشمالية للبحرين. تستمر أعمال الحفظ في الموقع منذ عام 2011، ومن المقرر الانتهاء من المشروع بحلول عام 2021

 


*مع مرور الوقت، تراجع اقتصاد اللّؤلؤ بالتّزامن مع اكتشاف النّفط والغاز الطّبيعي في البحرين. كما أدت الأحداث المتعاقبة إلى انهيار هذا الاقتصاد إلى جانب ظهور اللّؤلؤ الاصطناعيّ الرخيص.

 

*خلال الثلاثينات من القرن العشرين، احتج الغوّاصون على تردي أوضاعهم المادية وفقدانهم لمصادر رزقهم، الأمر الذي تسبّب في تدهور تجارة اللؤلؤ وصيده، وانهيارها تماماً مع حلول عام 1950.

 

عام 1877م، شكّلت صادرات اللؤلؤ ما يعادل ثلاثة أرباع صادرات البحرين، وكان معظمها موجّهاً إلى بومباي، إيران وتركيا. تلتها في القرن اللاحق أوروبا باعتبارها أحد أهم الأسواق المباشرة لصادرات اللؤلؤ البحريني، حيثُ تُقدر نسبة منتوج اللؤلؤ الذي يُصدّر عبر مملكة البحرين بحوالي 97.3% من مجموع منتوج الخليج العربيّ عامي 1904 و1905. وقد تضاعفت قيمة صادرات اللّؤلؤ البحرينيّ 6 مرات خلال الأعوام ما بين 1900 و1912، عندما اتّسع السوق البحريني ليشمل التجار من الهند، بالإضافة إلى تجّار آخرين من باريس، لندن ونيويورك، حيث كانت المنافسة من أجل نيل أرقى وأجود أنواع اللؤلؤ من موطنها الأصلي

 

تشير االلآلئ المثقوبة التي عُثِر عليها في سواحل الخليج العربي إلى استخدام هذا الكنز في صناعة الحُلي والمجوهرات منذ سنة 5000 قبل الميلاد

 

لا تزال هذه الصناعة التاريخية لصياغة روائع المجوهرات والحلي من اللؤلؤ الطبيعي البحريني مستمرة على أيدي العديد من الحِرَفيّين المهرة. وتمنع البحرين استيراد أو المتاجرة باللّؤلؤ الاصطناعيّ، كما تفخر بمعامل اختبار اللؤلؤ، لتّأكيد أصالة كل لؤلؤة طبيعية تباع

 

حرفية ثقب اللؤلؤ يدوياً
 

في متحف اللؤلؤ الذي سيتم تأسيسه في مجلس سياديّ، سيتمّ عرض مقتنيات من مجوهرات اللؤلؤ، من بينها بعض المقتنيات الأرشيفية التي صمّمتها دار كارتييه من اللؤلؤ البحرينيّ، بالإضافة إلى العديد من مجوهرات وحلي اللؤلؤ البحرينية، سواء التراثية والمعاصرة.

 

 

هوية وطن وأيقونات موضة

شكّل اللؤلؤ علامة فارقة للبحرين عن غيرها من المجتمعات المدنيّة في المنطقة، خصوصاً في العقد الأخير من عصر اللؤلؤ الذهبي ورحلات البحث عن المحار الكثيف. فقد كانت تمتاز ببنائها المعماري المشيّد بواسطة الأحجار البحريّة التي توثّق تراث وطن وحكايته التاريخية بأبعاده المادية واللّامادية.

 شهدت بعضها زيارة كبار تجار اللؤلؤ وصفقات شراء، حافظةً مرحلة مهمة ورحلة ملهمة سعياً وراء الكنز المنشود ... في المقابل، كانت العديد من مراكز اللّؤلؤ الأصغر في الخليج العربي مثل دبيّ، في مطلع القرن العشرين، تمتاز بعمران (البرستيّ)، والذي يقوم على فكرة تشييد بيوتٍ مؤقّتة باستخدام موادّ النّخيل. أما في عالم الشهرة والأضواء، فقد منح اللؤلؤ الهوية والتوقيع الشخصي لنجمات لامعات ارتدينه مع أزياء جريئة مثلما فعلت مارلين مونرو. فأحضرت إلى هوليوود أسلوب أناقة يتلاعب بين البراءة والمشاكسة الأنثوية. أميرة موناكو غرايس كيلي، اسم ثانٍ كان يحب الاكتساء بنقاء اللؤلؤ على الشاشة وفي حياتها الشخصية في الخمسينات. أودري هيبورن اسم ماسي ثالث ترصع باللؤلؤ وتألق بأسلوب أيقوني رقيق.

 
 

 

كيف يتكوّن "الحرير الصلب"؟

يتشكل اللؤلؤ الطبيعي داخل أصداف المحار. هو الجوهرة الوحيدة التي تتكون بين طيات كائن حي من خلال عملية بيولوجية دفاعية حين تدخل الى جوف الصدفة حبة رمل أو أي جسم غريب. فيقوم المحار بإفراز مادة عليه هي عرق اللؤلؤ التي تتراكم طبقاتها حتى تتشكل حبة اللؤلؤ المختبئة داخل نسيج ستائري ...

 الجوهرة الناعمة الملمس كالحرير والصلبة وتحاكي القوة والاكتمال في آن واحد. وتعدّ "الجيوان" من أجمل اللآلئ وأثمنها لاستدارتها المثالية وجاذبية بياضها.

 
 

اللؤلؤ، دانة في خزانة 2021... رُقيّ ورونق

يؤكد اللؤلؤ مجدداً أنه ليس "حلي الجدّة". يُسقط عنه هذه التهمة، ويستعيد شبابه على منصات باريس وميلانو ولندن في موسم ربيع وصيف 2021. أحببنا أنوثة صياغة اللؤلؤ لدى دار شانيل، احتفظت الدار بهوية مؤسستها غابرييل شانيل وباستدارة اللؤلؤ مع إضفاء لمسات عصرية معدنية تحاكي امرأة أنيقة، كلاسيكية وقوية.

 

 أما دار ديور، فمنحت اللؤلؤ مزاجاً تأرجح بين القبلية والتحرر الملتبس المتمثل بثنائية الأصفاد واللآلئ. بينما أطلقت دار فيرساتشي عنوان "فيرساتشيبولس" على مجموعتها التي استمدت إلهامها من تحت الماء. وبالتأكيد، حضر اللؤلؤ لكن المحار شكّل حمالة صدر مترفة ولافتة. فقد أرادت المديرة الإبداعية للدار دوناتيلا فيرساتشي أن تحلم بعالم جديد "عالم مصنوع من ألوان مفرقعة ومخلوقات رائعة وعالم نستطيع أن نتعايش فيه بسلام".

 
 

وتبقى اللؤلؤة جوهرة مرتبطة بالنساء، ليس لأن المرأة تتزين بها دون الرجل خلافاً لأحجار قد يرتديها الرجل الشرقي مثل الألماس. فهي الكنز الذي انتظرته المرأة وكانت في الحقيقة تنتظر زوجها وابنها وحبيبها. فليست كل امرأة انتظرت اللؤلؤ تزينت به. عسى أن يحمل نقاؤه الذي ظهر مجدداً بياضاً لأيام 2021.

الكلمات الدالة