إعلان

الانتخابات الأميركية في ميزان العرب (5): ماذا تعلّمنا؟

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
احتفالات في نيويورك. (أ ف ب)
احتفالات في نيويورك. (أ ف ب)
A+ A-
خلال دراستي العليا في الصحافة والعلوم السياسية في جامعة أوريغن، شاركت في إجراء استطلاعات رأي للانتخابات الرئاسية مع أحد أشهر الدارسين والمتابعين لها، البروفسور واين وانتا. كما تابعت الحملات الانتخابية للدورتين 1996 (كلينتون- دول)، و2000 (بوش- آل غور) خلال إقامتي وزياراتي الإعلامية لأميركا، فالانتخابات الثلاثة الأخيرة التي فاز بولايتين منها باراك أوباما ثم ولاية دونالد ترامب الأخيرة، وحتى الانتخابات الحالية. 
 
خرجت من هذه الدراسات والمتابعات بدروس وقناعات وتساؤلات ألخصها بما يأتي، لعلها تفيد في تطوير التجربة العربية ووعي الناخب العربي. 
 
تؤسس آلية النظام الديموقراطي الأميركي للفساد، بحيث لا يصل الى مقاعد السلطة الأكثر نزاهة وجدارة. فلكي تفوز، عليك أن تحصل على الدعم المالي الكافي لتمويل الحملات الانتخابية، من الانتخابات البلدية، فالولاية، فالكونغرس وحتى الانتخابات الرئاسية. ومع التمويل تأتي المديونية، فسواء كان الممول "لوبي" لصناعة السلاح او التبغ أو إسرائيل، أو أصحاب مصالح وأهداف مادية او سياسية أو عقائدية، سيأتي يوماً يطالبك فيه بالسداد. والتنافس على الفوز يدفعك الى مزيد من الاستدانة والاسترضاء على حساب مبادئك وقيمك وقناعاتك. وفي النهاية تتحقق مصالح الفئة الأقوى والأغنى والتي تمثل نسبة 1 في المئة من السكان، على حساب الوطن وبقية المواطنين. 
 
يخدم النظام الديموقراطي الأميركي حزبان رئيسيان خرج منهما معظم الرؤساء الـ45 في تاريخ البلاد. فمنذ الرئيس ميلارد فيلمور 1850-1853 من حزب اليمين (المنقرض)، ورغم وجود أحزاب ليبرالية ومرشحين مستقلين، إلا أنه لم يسبق أن فاز أحد منهم بأكثر من مقعد في الكونغرس. والسر أن الانتماء الحزبي يؤمن للمرشح منصة قوية جاهزة توفر التمويل والجمهور والدعم اللوجستي. وبالتالي، فإن خيار الناخب الأميركي محدود بشخصين فقط في بلد تملك كل هذه الموارد البشرية والكفاءات المذهلة.
 
تعمل استطلاعات الرأي على معادلات رياضية محايدة. لكنها قد تغفل الطبائع الإنسانية في التفكير والتجاوب واتخاذ القرار. فعندما تأخذ عينة عشوائية من 1000 شخص لتمثل توجهات مئات الملايين، فالافتراض هنا أن كلاً منهم أجابك بصدق، ولن يغير رأيه لاحقاً، وأنه يمثل فئة او منطقة أو طائفة متفقة، الخ. وهذه متغيرات كثيرة لو أخطأ بعضها أفسد النتيجة النهائية. وتزيد مساحة الخطأ اذا صيغت الأسئلة بطريقة متحيزة أو خاطئة. ولذا أخطأت استطلاعات الرأي بتحديد هوية الفائز في الانتخابات الرئاسية والتشريعية مراراً، وآخرها في 2016 و2020.
 
في الماضي، تميز الإعلام في البلدان الديموقراطية عموماً، والأميركية خصوصاً، بالمهنية والحيادية إلى حد كبير. الا أن العقدين الأخيرين شهدا تدهوراً في القيم والأعراف حتى أصبح إعلاماً حزبياً متحيزاً. فرموز الإعلام الليبرالي اليساري المسيطر أغضبهم فوز مرشح يميني (دونالد ترامب) على مرشحهتم الديموقراطية (هيلاري كلينتون)، واستثارهم تشكيك الرئيس في سلطتهم الرابعة وصدقيتهم المهنية، فانضموا الى معسكر أعدائه علناً وعملوا على إسقاطه خلال مدته وبعد انقضائها. والاستطلاعات إحدى الأدوات التي استخدمت في استهداف الرئيس وحزبه، ولا تزال.
 
حرص الرئيس ترامب أكثر ممن سبقه من الرؤساء على استرضاء إسرائيل، لكسب الصوت اليهودي الذي توجهه منظمات قوية مثل "أيباك". ولكن الدراسات الأخيرة تشير الى أنه لم يكسب ذلك الصوت الذي يميل تاريخياً الى الحزب الديموقراطي. ولعل هذا سيعدل مسار الحزب الجمهوري إما الى مزيد من الاستقطاب لليهود أو عدم الاعتماد عليهم.
 
تفخر أميركا بأنها مصهر هائل للموارد البشرية المتنوعة، وهذا سر تفوقها ونجاحها. ولكن الحقيقة التي كانت تخفيها حتى فضحتها انتخابات العقدين الأخيرين، هي أنها دولة أقليات وقوميات وأديان تتصارع على المال والسلطة وإثبات الوجود. وفوز أول رئيس أسود (باراك اوباما) عام 2008 بالرئاسة أخرج ما كان مستتراً. فالأوروبي الذي حكم لقرون، لم يقبل بتقاسم القيادة والسيطرة والبروز مع من جاء بهم عبيداً وعمالاً لخدمته. وما جرّمته قوانين الحقوق المدنية في ستينات القرن العشرين وما عملت عقود التنوير في الإعلام والفن والتعليم على إطفائه، ثارت براكينه مؤخراً، وعاد كل الى قديمه، تماماً كما حدث بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والدول التابعة كالاتحاد اليوغوسلافي. وزاد الطين بلّة صعود ممثل لهذا التيار، الرئيس الشعبوي ترامب، الى سدة الرئاسة واستغلاله الحرية غير المسؤولة أو المحكمة أو الموثقة، التي توفرها وسائل الاتصال الاجتماعي في تنشيط وشرعنة التعبير العاطفي الصادم عن المواقف العنصرية والدينية والسياسية المستهجنة. الخوف اليوم أن يؤدي كل هذا الحشد والاستقطاب الى مواجهات مسلحة قد تؤدي مستقبلاً الى حرب أهلية. 
 
أميركا ليست وحدها، فديموقراطيات كالهند وفرنسا وألمانيا وهولندا ولبنان وإسرائيل وفنزويلا وتركيا وروسيا، سمحت للخطاب الشعبوي، العقائدي والعنصري، أن يطغى على قيم التسامح والتعايش والمساواة بين المكونات الوطنية داخل الوطن الواحد، وتجاه الآخر المختلف خارجه. ولأن النظام الديموقراطي بطبيعته يحفز المرشحين على استخدام كل الأدوات المتاحة لكسب الناخبين، من دون سقف واضح وحازم لها، وبلا محددات لحرية التعبير، فقد نجح أمثال مودي الهندي، وأردوغان التركي، وبوتين الروسي، وماكرون الفرنسي، ونصر الله اللبناني، وترامب الأميركي، في الوصول الى السلطة على حساب الديموقراطية وقيمها، والوطن ومصالحه، والأمة ووحدتها. 
 
الأنظمة العربية التي طبقت الديموقراطية الغربية بكل ما سبق الإشارة اليه من العيوب، سبقت في استغلال الثغرات وتحويل الجمهوريات الى حكم طائفي وعائلي ومذهبي وحزبي وعسكري. وحوّرت الأنظمة الحاكمة لكل الأدوات المتاحة، بدءاً بالدستور والمؤسسات التشريعية والقضائية الضامنة له، ومروراً بآلية الانتخابات، ووسائل الإعلام، ومناهج التعليم، وحتى المؤسسات التنفيذية الأمنية والمدنية للدولة العميقة. 
 
الدروس المستفادة من أخطاء وعيوب وفساد الأنظمة الديموقراطية في أكبر رموزها الغربية والشرقية، والانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية أنموذجاً، تكشف لنا عوار من حاضر علينا بتفوق ونزاهة أنظمته، وكفاءة أدوات حكمه، وتلاحم مجتمعه، وتمثيله لأسمى القيم الإنسانية. وفضح لنا عيوب بضاعته التي سعى الى بيعها وفرضها علينا عقوداً، تارة بالإقناع، وأخرى بالاستعمار وشن الحروب، كما في العقدين الأخيرين، بدأ بغزو العراق والفوضى الخلاقة، وانتهاءً بـ"الربيع العربي" ومؤامرات التقسيم. 
 
تؤكد لنا الدروس أيضاً أن الحل يكمن في الاعتماد على انفسنا، واستلهام تراثنا ومراعاة خصوصية واقعنا وطبيعتنا والتخطيط لمستقبلنا، ومراعاة ذلك في صياغتنا لنظام الحكم الرشيد الذي يحقق أسمى ما يتطلع اليه الإنسان، السعادة، بتوفير الحرية والأمن والعدالة والرخاء. الهدف ثابت... والوسيلة متغيرة. والمجموع التراكمي لحضارة أمتنا منذ البابلية والفرعونية والأنباطية والسبأية والفينيقية وحتى العربية الإسلامية يؤهلها حضارياً وفكرياً لخط طريقها المستقل عن الآخرين. 
 
@kbatarfi
الكلمات الدالة