مستقبل الأسواق الناشئة الأكثر غموضاً عالمياً

المصدر: النهار العربي
لميا نبيل
نحو الاسواق الناشئة
نحو الاسواق الناشئة
A+ A-
 
وسط غموض حاد يحيط بمستقبل الاقتصاد العالمي، فإن الأسواق الناشئة تعد من أكثر النطاقات تبايناً في رأي الخبراء والمؤسسات الدولية؛ بين تحذيرات واسعة في ما يتصل بحجم ديونها، وتوصيات أكثر اتساعاً بالانكشاف على اقتصاداتها.
 
ومع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق حول حزمة تحفيز أميركية جديدة، نتيجة الانقسام العنيف في الإدارة الأميركية، بخاصة بعد الانتخابات الأخيرة، وكذلك ارتفاع الإصابات في أوروبا وأميركا بكورونا، فإن المستثمرين توجهوا بشكل أكبر نحو الأسواق الناشئة التي تبدو أكثر استقراراً - ولو نسبياً - في هذه الأيام.
 
وفي الأيام الماضية، أظهر استطلاع لبنك أوف أميركا أن نصف مديري صناديق الاستثمار يفضلون وضع أموالهم في أسهم الأسواق الناشئة، بدلاً من استثمارها في سوق النفط أو في أسهم مؤشر ستاندرد أند بورز 500، وفق ما ذكرته صحيفة "فايننشال تايمز". 
 
وأدى التفاؤل بالنتائج المبشرة للقاحات المحتملة لمواجهة فيروس "كوفيد-19" إلى موجة من الثقة أدت الى ارتفاع أسهم الأسواق الناشئة بنحو 2.3% منذ الإعلان عن نتائج التجارب خلال الأيام القليلة الماضية، ما رفع مكاسبها على مدار العام إلى ما يكاد يصل إلى 8%، وفقاً لمؤشر "إم.إس.سي.آي" للأسواق الناشئة. 
 
وقال المحلل الاستراتيجي لدى بنك باركليز أندرياس كولبي إنه "من المحتمل أن تكون تلك النتائج قد أزالت بعض التشاؤم بشأن المسار المتوسط المدى للفيروس وعواقبه على الاقتصاد العالمي"، مضيفاً أن عملات الأسواق الناشئة وأصولها "المقومة بأقل من قيمتها" (رغم ارتفاعها أخيراً مقابل الدولار) ستستفيد من الانخفاض المتوقع لمستوى التقلبات.
 
هذه التوصية تشير إلى صعود نجم الأسواق الناشئة خلال العام المقبل، لكن في المقابل، فإن مخاوف الديون بلغت مداها. إذ أفاد بنك الاستثمار الأميركي جيه بي مورغان في التوقيت ذاته بأن ديون حكومات الأسواق الناشئة قفزت إلى مستويات قياسية مرتفعة في 2020، ومن المتوقع أن تواصل الارتفاع في العام القادم؛ بينما يكافح صانعو السياسات لاستئناف النشاط الاقتصادي الذي عصفت به جائحة فيروس كورونا.
 
وقال محللو البنك في مذكرة إن الديون العامة للحكومات في 55 دولة نامية قفزت الى أعلى مستوى على الإطلاق عند 59 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020، وإن المستويات خارج الصين ارتفعت إلى 57.7 في المئة. وأضافوا أن ديون القطاع الخاص في الأسواق الناشئة قفزت أيضاً إلى أعلى مستوى على الإطلاق عند 146.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لتقترب من المستوى الذي تشهده الأسواق المتقدمة حيث يبلغ المتوسط 161 في المئة.
 
ومع استبعاد الصين، ارتفعت النسبة الإجمالية لمستويات الدين في أرجاء الأسواق الناشئة إلى 89.9 في المئة. وكتب محللو جيه بي مورغان في المذكرة أن "صدمة كوفيد-19 أدت إلى أكبر الزيادات السنوية في كل من ديون حكومات الأسواق الناشئة والقطاع الخاص كنسبة مئوية إلى الناتج المحلي الإجمالي"، مشيرين إلى أن الغالبية العظمى من الديون العامة والخاصة ما زالت محلية، إذ يشكل الدين المحلي 87 في المئة من الدين العام الحكومي و94 في المئة من ديون القطاع الخاص.
 
لكن الديون لا تثير القلق بالكامل بين كل الخبراء، وفي مطلع الشهر الجاري، أظهرت تقديرات لـ"غولدمان ساكس" أن إصدار الديون السيادية في الأسواق الناشئة في عام 2021 قد يصل إلى نحو 140 مليار دولار، أي المستوىنفسه في العام الجاري تقريباً، مع تعويض فورة من مبيعات السندات ذات العائد المرتفع، إثر تباطؤ في إصدارات الفئة الجديرة بالاستثمار.
 
وقال البنك إنه في ظل تزايد الحاجة إلى التمويل نتيجة لجائحة كوفيد-19، سارعت الدول التي تحظى بتصنيف في الفئة الجديرة بالاستثمار لإصدار سندات، ما رفع مبيعات الديون السيادية في الأسواق الناشئة منذ بداية العام إلى 145 مليار دولار، عند أعلى مستوى من النطاق التاريخي.
 
وأشار غولدمان ساكس إلى أن توقعاته لزيادة إصدار السندات ذات العائد المرتفع العام المقبل تعكس جزئياً توقعه لآفاق أفضل، مع تحسن في الإقبال على المخاطرة يساعد الدول المصنفة ديونها عالية المخاطر.
 
وقالت المحللتان تيريسا ألفيس وسارة غرات في تقرير، إن الإصدارات السيادية العالية العائد في الأسواق الناشئة سترتفع إلى نحو 60 مليار دولار من 45 مليار دولار في 2020، في مقابل تباطؤ في الإصدارات الجديرة بالاستثمار إلى نحو 80 مليار دولار من 100 مليار دولار.
 
وأضافت المحللتان أن منطقتي الخليج وأميركا اللاتينية ستظلان على الأرجح أكبر الأسواق الناشئة الإقليمية طرحاً للسندات العام المقبل بمبيعات تبلغ نحو 37 مليار دولار و32 مليار دولار على الترتيب، تتبعهما آسيا. وقال البنك إن ارتفاع استحقاقات الديون في 2021 يشير إلى صافي إصدار لا يزال معتدلاً نسبياً. 
 
وفي الوقت نفسه، وإلى جانب الديون، فإن عملات الأسواق الناشئة، بخاصة في جنوب شرقي آسيا، تواجه ضغوطاً كبرى مع ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس "كوفيد-19". وأشارت "بلومبيرغ" إلى أن البنوك المركزية في تايلند، وإندونيسيا، والفيلبين، ستتوخى الحذر حيال أي إشارات قد تدق ناقوس الخطر حيال وتيرة ارتفاع عملاتها، والتي قد تؤثر في جاذبية العوائد التي يحصل عليها المستثمرون الأجانب من ضخ السيولة الأجنبية في تلك الأسواق.
 
وترتفع أسعار عملات الأسواق الناشئة نتيجة سببين رئيسيين، أولهما ضعف الدولار، وثانيهما مواصلة ضح صناديق الاستثمارات العالمية للسيولة في أسواق الأسهم والسندات في دول جنوب شرقي آسيا، مع ارتفاع الإقبال على المخاطرة والبحث عن العوائد المرتفعة في بيئة منخفضة لأسعار الفائدة... وبالتالي قد يوقف هذا الارتفاع جاذبية الاستثمارات العالمية في الأسواق الناشئة عند نقطة ما.
 
ويقول ويليام جاكسون، كبير الاقتصاديين في الأسواق الناشئة لدى كابيتال إيكونوميكس، إن "فوران الأصول في الأسواق الناشئة في النصف الثاني من العام الماضي بدأ بالتلاشي، لكنها كانت مدعومة بالتحول في توقعات الاحتياطي الفيدرالي... لكن مع استمرار ضعف الاقتصاد العالمي، فقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الرغبة في المخاطرة؛ وجعل النصف الثاني أكثر صعوبة بالنسبة الى أصول الأسواق الناشئة".
 
لكن حتى الآن، فإن معظم المراكز البحثية وبنوك الاستثمار ترى أن الوقت مناسب لزيادة الانكشاف على عملات الأسواق الناشئة وديونها السيادية بالعملة الصعبة. وقال جيمس لورد الخبير لدى مورغان ستانلي في مذكرة للعملاء الشهر الماضي إن "الأسواق الناشئة ستشارك بالكامل أكثر في تعافي النمو العالمي إذا جرى توزيع لقاح فعال... وإذا حدث هذا، قد نرى بعض التبادل في تكوين المستثمرين لمراكز بعيداً عن مناطق من الاقتصاد العالمي تعافت بالفعل مثل الصين، إلى بقية الأسواق الناشئة".
 
وقال مورغان ستانلي إنه يفضل الريال البرازيلي والبيزو المكسيكي والبيزو الكولومبي ودخل في مراكز دائنة في الراند الجنوب أفريقي والروبل الروسي. وفي الائتمان، عزز مورغان ستانلي انكشافه على جنوب أفريقيا والبرازيل ومصر وغانا وأوكرانيا وكذلك بيمكس المكسيكية.
 
الكلمات الدالة