إعلان

التعافي الأميركي يهزّ الأسواق الناشئة ويهدد استقرار عملاتها

المصدر: النهار العربي
لميا نبيل
السندات الأميركية
السندات الأميركية
A+ A-
تواجه الأسواق الناشئة خطراً داهماً مع تراجع مؤشر عملاتها في أكبر انخفاض يومي نتيجة ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، وتوقعات أن تسفر حزمة التحفيز الأميركية عن تخارجات هائلة للسيولة من أصولها "العالية المخاطر".
 
وتشير مجلة "ذي أكونوميست" إلى أن الأسواق الناشئة قد تدخل في أزمة كبرى مشابهة لما شهدته عام 2013، حين تبنّى الفدرالي الأميركي سياسة التيسير الكمي والانسحاب التدريجي من شراء سندات الخزانة الأميركية كما يفعل حالياً، ما يمهد لجعل الأسواق الناشئة ضحية كبرى للنجاح البالغ الذي حققته في السنوات الأخيرة بالحفاظ على استقرار أسواقها وجذب الاستثمارات الساخنة بالعملة الأجنبية.
 
ومع اعتماد الأسواق الناشئة خلال الأعوام الأخيرة على زيادة نصيب الأجانب من الديون بالعملة المحلية، فقد تتسبّب هجرة الأموال المتوفرة بصورة كبيرة، سعياً وراء عوائد الديون الأميركية، في ضغوط تضخمية كبيرة وانهيار في عملات الأسواق الناشئة وارتفاع فاتورة ديونها الخارجية.
 
وضخ الفدرالي الأميركي والحكومة نحو 4 تريليونات دولار في الاقتصاد خلال العام الماضي، إضافة إلى نحو 1.9 تريليون دولار ستُضخ خلال السنة الحالية. ويتوقع المدير التنفيذي لشؤون الاستثمار في صندوق "بلاك روك"، ريك رايدر، أن تقود أموال التحفيز المالي والنقدي الضخمة التي ضخها الاحتياطي الفدرالي، إلى انتعاش الاقتصاد الأميركي.
 
ومع ارتفاع العوائد الأميركية وتوقع مزيد من التضخم في الولايات المتحدة، ربما يقود ذلك إلى عملية هروب الاستثمارات الأجنبية، وعلى رأسها الاستثمارات الدولارية من الأسواق الناشئة، إلى دورة ارتفاع جديدة في سعر الفائدة المصرفية في الأسواق الناشئة. إذ تفضل الصناديق والمصارف غالباً الاستثمار في أسواقها حينما يكون العائد مرتفعاً في الولايات المتحدة وأوروبا.
 
ومع بداية الأسبوع الجاري، خفّض بنك الاستثمار "مورغان ستانلي" أمس الاثنين نظرته المستقبلية لعملات وسندات الأسواق الناشئة للمرة الثانية خلال أسبوعين، متوقعاً أن تنخفض العملات بين أربعة وخمسة في المئة، وشجع مستثمري السندات على التحول إلى أدوات الدين الأكثر أماناً في الدرجة الجديرة بالاستثمار. وقال البنك في مذكرة لعملائه إن تراجع عملات الأسواق الناشئة سيعود بها إلى مستويات أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) 2020.
 
وفي مطلع شهر آذار (مارس) الجاري، أظهرت بيانات من معهد التمويل الدولي أن أسهم وسندات الأسواق الناشئة سجلت دخول تدفقات صافية بنحو 31.2 مليار دولار في شباط (فبراير) الماضي، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية قلص من تدفقات الأموال إلى الأسواق الناشئة، لتسجل أدنى رقم شهري منذ آب (أغسطس) 2020، مقارنة مع صافي تدفقات بلغ 52.5 مليار دولار في كانون الثاني (يناير) الماضي.
 
وبحسب معهد التمويل، بلغت تدفقات المحافظ لغير المقيمين إلى أسواق الأسهم الناشئة 8.4 مليارات دولار الشهر الماضي، في حين جذبت أدوات الدين 22.8 مليار دولار.
وكان نصيب الأسهم الصينية 7.8 مليارات دولار أو ما يعادل 93 في المئة من إجمالي التدفقات للأسهم. بينما بلغ إجمالي التدفقات من بيع السندات في الصين 9.3 مليارات دولار.
 
وفي ما يتعلق بالسندات، بلغ إجمالي التدفقات إلى الصين 9.3 مليارات دولار، وهو أدنى مستوى في عشرة أشهر، في حين أن بقية الأسواق الناشئة استقطبت 13.5 مليار دولار، أي أعلى بقليل من متوسط 12.1 مليار دولار على مدى العام السابق.
 
وفي 2020، تمكنت الأسواق الناشئة من جذب استثمارات بنحو 313 مليار دولار رغم صدمة جائحة كورونا، لكن في شكل عام كانت تلك الاستثمارات أقل 13 في المئة عن إجمالي التدفقات في 2019، إذ نالت من الأسواق العالمية الصدمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة كوفيد-19.
 
وتظهر أرقام كانون الأول (ديسمبر) الماضي أن الأوراق المالية للأسواق الناشئة استقطبت 45.9 مليار دولار، ذهبت منها 29.3 مليار دولار إلى الأسهم. ويشمل هذا الرقم الإجمالي 13.2 مليار دولار اتجهت إلى الأسهم الصينية وحدها. وقال معهد التمويل إن السندات وأدوات الدين الأخرى اجتذبت 16.6 مليار دولار من غير المقيمين في الشهر الماضي.
 
والأسواق الناشئة هي تلك الدول التي تمتلك بعض خصائص الدول المتقدمة ولكن لا تتوافق مع كل معاييرها، وتتمتع شعوب تلك الدول بدخول منخفضة أو متوسطة، وتشكل حوالى 80 في المئة من سكان العالم وحوالى 20 في المئة من اقتصادات العالم.
 
وفي الأسواق، خسر مؤشر إم.إس.سي.آي لعملات الأسواق الناشئة 0.7 في المئة أمس الاثنين، متجهاً صوب أكبر انخفاض يومي مذ هزت الجائحة الأسواق في آذار (مارس) العام الماضي، بعد أن أدى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى صعود الدولار وتضرر الأصول عالية المخاطر.
 
وأظهرت بيانات رفينيتيف انخفاض المؤشر - المائل ميلاً شديداً إلى العملات الآسيوية - إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أشهر عند أقل قليلاً من 1700 نقطة. وفقدت الليرة التركية وراند جنوب إفريقيا والبيزو المكسيكي ما يزيد على واحد في المئة مقابل الدولار، بينما انخفض اليوان الصيني في سوقه المحلية 0.5 في المئة ليتحول أداؤه إلى سلبي للمرة الأولى منذ بداية السنة الحالية.
 
وكان بنك "غولدمان ساكس" أشار حديثاً إلى أنه "إذا ثبت أن اللقاحات أقل فعالية مما نتوقعه وتعرّض الاقتصاد العالمي لعراقيل، فإن الدولار الذي يعتبر الملاذ الآمن سيواصل ارتفاعه". وأضاف خبراء في البنك، أنه "مع ذلك، لا يزال هناك ضعف واسع النطاق للدولار خلال هذه السنة مع زيادة التعرض للأصول الخطرة ووسط التوقعات بارتفاع أسعار السلع".
 
ومع بداية تعاملات هذا الأسبوع، ارتفع الدولار الأميركي الاثنين، متجهاً صوب أعلى مستوى في شهرين ونصف الشهر، حيث أثار ارتفاع عائدات سندات الخزانة الأميركية قلق المستثمرين في أسواق الأسهم.
 
وتراجعت العملة الأميركية 4 في المئة في الربع الأخير من 2020، لكنها ارتفعت أكثر من 2.4 في المئة منذ بداية السنة الحالية أمام منافسيها، إذ يتوقع المستثمرون أن يضغط ارتفاع عوائد السندات الأميركية على تقييمات الأسهم المرتفعة ويزيد من إغراء العملة. وسجل مؤشر الدولار 92.186 مقابل سلة من ست عملات، مرتفعاً 0.3 في المئة، ومقترباً من ذروة أواخر تشرين الثاني الماضي البالغة 92.201 والمسجلة يوم الجمعة الماضي.
 
ومن جهة ثانية، قال متعاملون في أسواق الصرف في آسيا إن المستثمرين الأجانب يبيعون الدولار التايواني بكميات كبيرة في ظل ارتفاع قيمة الدولار الأميركي وعمليات البيع الكثيفة للأسهم التايوانية.
 
وأشارت وكالة "بلومبرغ" إلى أن المصدرين كانوا يبيعون الدولار الأميركي في تايوان في وقت سابق وهو ما ساعد في دعم العملة التايوانية، لكنها واصلت التراجع، ما دفع المصدرين إلى التوقف عن بيع الدولار الأميركي. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار ضعف العملة التايوانية دفع المستوردين إلى التوسع في شراء العملة الأميركية.
 
وأشارت "بلومبرغ" إلى أن هذه المعلومات حصلت عليها من تجار عملة مطلعين على التعاملات وطلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لأنه غير مسموح لهم التحدث لوسائل الإعلام.
 
وقال المحللون لدى يو.بي.إس في مذكرة يومية أن "ارتفاع العائدات الأميركية يزيد من اضطراب سوق الأسهم ويعزز الدولار الأميركي. وما زال مجلس الاحتياطي الأميركي يتبنى التيسير النقدي؛ لكن رئيسه جيروم باول قرر ألا ينتقد في تصريحاته ارتفاع العوائد ما يعطي الدولار دعماً إضافياً على المدى القصير".
 
وبحسب مجلة "ذي أكونوميست"، قد تتعرض الأسواق الناشئة لهزة جديدة مع بداية الانسحاب التدريجي للفدرالي الأميركي من شراء أذونات الخزانة الأميركية، وهي الخطوة التي بدأها وكثفها بداية العام الماضي كجزء من سياسة التيسير الكمي المتبعة لمواجهة الضغوطات التي تسببت بها جائحة "كوفيد-19".
 
وارتفع العائد على أذونات الخزانة الأميركية في شكل بالغ منذ نهاية شهر شباط (فبراير) الماضي ليتسبب بهجرة بعض استثمارات الديون من الأسواق الناشئة، ما أدى إلى هبوط أحد المؤشرات الرئيسية العامة لقياس أداء أسهم وسندات الأسواق الناشئة بنسبة 7 في المئة قبل أن يعود إلى الهدوء في بداية آذار (مارس) الجاري.
 
إلا أنه على الجانب الآخر، يتوقع بنك "ستاندرد تشارترد"، تحسن معدلات النمو الاقتصادي في الأسواق الناشئة في ظل الرؤية الاقتصادية للرئيس الأميركي جو بايدن، والتي ستكون دافعاً إلى انخفاض الدولار مقابل سلة العملات العالمية.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم