إعلان

مخاوف من "تحفيز متسرّع" يخلخل الاقتصاد الأميركي

المصدر: النهار العربي
لميا نبيل
الرئيس بايدن خلال جلسة افتراضية مع أعضاء ديموقراطيين (أ ف ب)
الرئيس بايدن خلال جلسة افتراضية مع أعضاء ديموقراطيين (أ ف ب)
A+ A-
رغم الفوائد الكبيرة المتوقعة من حزمة التحفيز الأميركية الضخمة، إلا أن بعض المراقبين يخشون عواقب وخيمة قد تتسبب، حال حدوثها، في صدمة خطيرة للاقتصاد الأميركي والعالمي.
 
ويترقب الجميع أن يبدأ مجلس الشيوخ في الكونغرس الأميركي مناقشات هذا الأسبوع حول خطة التحفيز للرئيس جو بايدن التي تبلغ 1.9 تريليون دولار، بعدما وافق عليها مجلس النواب يوم السبت الماضي، لكن من دون أن تتضمن رفع الحد الأدنى للأجور، نظراً لقواعد الكونغرس التي تحكم عملية الموازنة من جهة، ولأن مجلس الشيوخ لا يحظى إلا بأغلبية قليلة جداً من الديموقراطيين (داعمي الخطة) في مواجهة الجمهوريين (معارضيها)، ما يعوق تمرير الحزمة كما هي.
 
وتهدف حزمة التحفيز لمساعدة الولايات المتحدة في الخروج من أسوأ أزمة عرفتها منذ ثلاثينات القرن الماضي، في حين لا يزال ملايين الأميركيين عاطلين من العمل بسبب جائحة كوفيد-19.
 
ومنذ تسلمه مهماته الرئاسية، شدد بايدن على أن "خطة إنقاذ أميركا تهدف لتوزيع مساعدات مالية على الأسر"، لافتاً إلى أن "الخطة ستُخرج 12 مليون مواطن من دائرة الفقر"... فيما أكدت نائبته كمالا هاريس، أن الولايات المتحدة تتعرض لأزمة جوع تؤثر في صحة الأطفال، مشيرة إلى أن الأمر يتطلب تمرير خطة الإنقاذ لمعالجة أزمة الجوع التي يعيشها أميركيون والعمل على تقديم الإغاثة لهم سريعاً.
 
ورغم المكاسب المنتظرة، فإن أبرز معارضي الخطة من الجمهوريين يرون أن "المبلغ مفرط"، لكن أيضاً انتشرت مخاوف بين الخبراء والمستثمرين في الأسابيع الأخيرة من أن تؤدي خطة الإنعاش الاقتصادي الضخمة إلى التسبب بفورة مفرطة في النشاط الاقتصادي... كما أن فشل الخطة من شأنه أن يقود الولايات المتحدة إلى عجز هائل في الميزانية وعجز خارجي أيضاً، وسيواجه الاقتصاديون حالة أكبر من عدم اليقين والارتباك.
 
وتراهن الإدارة الأميركية على الخطة من أجل الوصول إلى الإمكانات الكاملة للاقتصاد الأميركي في أسرع وقت... لكن مخاوف "الفوران الاقتصادي" نتيجة السيولة الفائقة، واحتمالية بلوغ معدلات تضخم جامح تثير قلق الكثير من المراقبين.
 
وقالت كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، جيتا غوبيناث، إن هناك مخاوف من أن التضخم قد يخرج عن نطاق السيطرة بسبب حزمة التحفيز الأميركية الضخمة المبالغ فيها. وأشارت "بلومبرغ" إلى أن التضخم وارد، لكن ذلك لا يعني أنه عصي على الإدارة.
 
ودافعت جانيت يلين في نهاية الشهر الماضي عن وجهة نظر الإدارة، قائلة إن "كلفة القيام بالقليل هو أعلى بكثير من ثمن القيام بشيء كبير"، مشيرة إلى أن التضخم كان منخفضاً للغاية منذ أكثر من عقد، وذلك على الرغم من أنه لا يزال يمثل خطراً "إلا أنه يمثل خطراً لدى الاحتياطي الفدرالي وغيره أيضاً للتعامل معها".
 
وتبلغ قيمة خطة بايدن 9 في المئة من إجمالي الناتج المحلي قبل الأزمة، أي ما يقرب من ضعفي حجم حزمة الإنفاق التي قدمها الرئيس باراك أوباما في عام 2009. وعند دمجها مع 900 مليار دولار من المساعدات التي تمت الموافقة عليها في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، فإن ذلك يعني أن أميركا تنفذ أكبر زيادة تاريخية في الإنفاق، سواء من حيث القيمة المطلقة أو بالنسبة إلى عمق الفجوة الاقتصادية في البلاد.
 
كل ذلك يدفع البعض للتحذير من أنه في حال تخطي أزمة "كوفيد-19" ستكون البلاد عائمة على بحر من السيولة يدفع الاقتصاد إلى الفوران، وفي هذه الحالة يرتفع التضخم في شكل كبير حيث يزداد الطلب ويقل المعروض، وهو أمر قد تكون له تداعيات سلبية بعد ذلك على الاقتصاد.
 
وتقدّر غوبيناث أن التضخم، مع المبلغ الكامل للتحفيز، "سيصل إلى نحو 2.25 في المئة سنة 2022، وهو ما لا يدعو للقلق". لكن بعض الاقتصاديين بمن فيهم وزير الخزانة الأسبق لاري سمرز، حضّوا على توخي الحذر، قائلين إن الإنفاق الزائد يمكن أن يؤدي إلى دوامة تضخمية سيجد الاحتياطي الفدرالي صعوبة في السيطرة عليها.
 
وسيؤدي ارتفاع الأسعار إلى تآكل القوة الشرائية، وستدفع زيادة أسعار الفائدة بهدف السيطرة على التضخم إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض في اقتصاد غارق بالفعل في الديون وسط جائحة فيروس كورونا.
 
وأشارت غوبيناث إلى المخاوف بشأن الاقتصاد المحموم الذي يمكن أن يدفع التضخم أعلى بكثير من منطقة الاستقرار لمحافظي البنوك المركزية، لكنها قالت إن الأدلة من العقود الأربعة الماضية تجعل ذلك غير مرجح.
 
ويقول الخبير الاقتصادي محمد العريان في تقييمه للموقف: "حجة أن التحفيز لن يكون أبداً أكثر من اللازم تستند إلى وجهة النظر القائلة إن عمليات ضخ السيولة التي لا نهاية لها هي وقاية من معظم حالات إفلاس الشركات... بينما تؤكد الحجة المضادة مخاوف السيولة المزدوجة، وأحد هذه المخاوف هو زعزعة استقرار التوقعات التضخمية التي تغذي انحداراً سريعاً للغاية في منحنى العائد، ما يزعج المستثمرين ويزيد من احتمال وقوع خلل في السوق. والأمر الآخر، أنه مع إحجام الاحتياطي الفدرالي عن التقليص التدريجي لحوافزه، فإنه يواجه خيارات خاسرة دائماً في السياسة النقدية – إما سيجعل خطر عدم الاستقرار المالي يرتفع وبالتالي يهدد الاقتصاد الحقيقي، وإما يتدخل أكثر في عمل الأسواق، وبالتالي يزيد من عدم المساواة في الثروة ويدفع لمزيد من التشوهات التي تقوض كفاءة تخصيص الموارد المالية والاقتصادية".
 
وخلال الأيام الماضية، أظهر ارتفاع في العائدات على سندات الخزانة الأميركية لعشر سنوات، والتي تعتبر مؤشراً إلى التوقعات، أن الأسواق تترقب ارتفاعاً في الأسعار يفوق نسبة 1.4 في المئة التي سجلت العام الماضي، ما سيرغم الاحتياطي الفدرالي الأميركي على زيادة معدلات الفائدة في وقت أبكر مما كان مقرراً أساساً. وهو ما يثير مخاوف لدى المستثمرين حيال ارتفاع في معدلات الفائدة يزيد كلفة الاقتراض والاستثمار؛ ويؤدي إلى إبطاء الاقتصاد.
 
لكن العريان يشير في خلاصة تحليله إلى أن "الجواب ليس التخلي عن الحوافز من المالية العامة. بدلاً من ذلك، الجواب هو تحسين استهداف الإغاثة الفوري وتسريع تأثير النمو على المدى الطويل. يحتاج الاحتياطي الفدرالي إلى التفكير بجدية في أفضل السبل الكفيلة لرفع قدمه ببطء عن دواسة التسارع في السياسة النقدية".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم