إعلان

إضرابات واستياء وغضب في شوارع أميركا وأوروبا وآسيا بسبب غلاء الوقود أو شحها... هل حقاً يعاني العالم نقصاً في الطاقة؟

المصدر: النهار العربي
لميا نبيل
براميل نفط
براميل نفط
A+ A-
مع مشاهدة ما يحدث من إضرابات وتبرم وغضب في شوارع دول أوروبية وأميركية وآسيوية بسبب غلاء الوقود أو نقصانها، أو ارتفاع أسعار الغاز للمصانع والمنازل، والذعر القائم، بخاصة في دول شرق أوروبا ووسطها من شتاء قارس مع نقص التدفئة، يظن الناظر أول الأمر أن المسألة تعود إلى نقصان موارد الطاقة عالمياً... لكن الحقيقة أن هناك فائضاً من المواد الأولية للطاقة تسبب - في زمن قريب جداً - في أزمة كبرى بدوره.
 
أسعار الوقود التي بلغت حدوداً لم يكن من الممكن تصوّرها في بريطانيا وبعض الولايات الأميركية على سبيل المثال (في غير زمن "الحرب المباشرة") ليست إلا نتاج سياسات هذه الدول وغيرها، بداية من أدلجة الصراعات، وصولاً إلى تسييس الاقتصادات.
 
وبعدما وصل غالون البنزين في الولايات المتحدة للمرة الأولى إلى كسر حاجز 5 دولارات خلال الشهر الماضي، ورغم أن متوسطه الحالي تراجع قليلاً إلى 4.8 دولارات، حاول الرئيس الأميركي جو بايدن معالجة الأزمة من خلال استيراد وقود جاهز من الخارج، ومن خلال محاولة فاشلة لممارسة الضغط على تحالف أوبك+ لزيادة الإنتاج، وكذلك محاولة أخرى فاشلة - وإن كانت أقل شراسة بطبيعة الحال - للضغط على الشركات الأميركية من أجل خفض هوامش أرباحها.
 
وقال بايدن مساء السبت الماضي على "تويتر" إن "هذا وقت حرب وخطر عالمي... خفضوا السعر الذي تفرضونه في محطات الوقود ليعكس التكلفة التي تدفعونها مقابل المنتج. افعلوا ذلك الآن".
 
إلا أن هذه الدعوة قوبلت بكثير من التهكم، لأن الرئيس الأميركي لا يملك "قانوناً" لمكافحة الاحتكار في بلاده، كما أن الرأسمالية تمنعه من التدخل في ما تفرضه أوضاع السوق من أسعار.
 
ولذلك انتقد مؤسس شركة أمازون جيف بيزوس تغريدة بايدن، وقال: "التضخم مشكلة بالغة الأهمية للبيت الأبيض كي يستمر في إطلاق تصريحات مثل هذه. إما أنه يمضي في اتجاه خاطئ؛ أو يسيء الفهم كثيراً لآليات السوق الأساسية".
 
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، شوهدت احتجاجات نادرة الحدوث على الطرق السريعة في بريطانيا مع ارتفاع أسعار الوقود، حيث سجل البنزين الاثنين أعلى مستوى له على الإطلاق بواقع 191.53 بنساً (أو 2.32 دولارين) لليتر الواحد، بينما كان الديزل أقل بقليل جداً عن الرقم القياسي المسجل له بواقع 199.03 بنساً، بحسب بيانات واردة عن منظمة "آر إيه سي" للسيارات.
 
أزمات الوقود لم تقتصر على دول الصراع مع روسيا في أوروبا وأميركا الشمالية، لكنها شوهدت في مظاهر متفرقة في الهند وسريلانكا ودول أفريقية وأميركية جنوبية، خلال الأسابيع والشهور الماضية.
 
ولكن وسط هذه الأخبار المرهقة، يجب أن نتذكر على سبيل المثال لا الحصر حادثة 20 نيسان (أبريل) عام 2020، حين سجلت عقود خام نايمكس النفطية (تسليم شهر أيار/مايو التالي) للمرة الأولى في التاريخ رقماً سلبياً سبلغ 37 دولاراً للبرميل، أي أن صاحب العقد "دفع" 37 دولاراً لـ"التخلص" من برميل النفط الذي يحوزه افتراضياً.
 
ورغم أن للحادثة أسبابها وتحليلاتها، إذ كان أجل هذه العقود ينتهي بعد ساعات دون وجود مشترين، إلا أنها تسببت بشكل أو بآخر في تهديد أسواق النفط، ولفت الانتباه إلى أن تحالف أوبك+ الشهير الذي بدأ إعادة صوغ اتفاقه لوقف النزيف وضبط الأسواق المنهارة مع اجتياح جائحة كورونا وما صاحبها من تراجع الطلب العنيف.. ولا يزال هذا التحالف "إلى اليوم" يحد من "سقف قدراته الإنتاجية" من أجل معادلة الفائض في الأسواق. كما أن بعض التحليلات الأخيرة، سواء لأوبك أو لوكالة الطاقة وغيرها لا تزال تشير إلى وجود فائض وإلى إمكان تفاقمه في حال ركود الاقتصادات الكبرى، وهي احتمالية شديدة الواقعية.
 
بحسب المحللين، فإن الأمر يعود إلى سوء التوزيع وليس إلى الندرة، أي أن موارد الطاقة متاحة، لكن المشاحنات على سبيل المثال بين روسيا وأوروبا تدفع الأخيرة للنأي عن الأولى، رغم عدم وجود بديل جاهز حالياً لذلك الدور، فكل المصدرين الكبار متعاقدون بالفعل مع مشترين بعقود طويلة، ولا يمكنهم إبدالها أو الإخلال بها بين يوم وليلة. ولذلك ستبقى الأزمة راكدة إلى وقت غير قريب نتيجة تعنت كل الأطراف.
 
بعض المراقبين يرى حلولاً متوسطة المدى للأزمة، منها أن تخلي الغرب عن المحروقات الروسية قد يشكل فرصة ربما لعودة إيران وفنزويلا، العضوين في تحالف "أوبك+"، إلى أسواق الطاقة الدولية، لكنهما ما زالتا حتى الآن تخضعان لعقوبات أميركية. هنا أيضاً حل اعتباري آخر عبر تغيير وجهات البيع والشراء بالاتفاق بين أطراف كبرى، فمثلاً تتوجه صادرات النفط والغاز الروسية بكثافة إلى أسواق شرق آسيا، التي تعتمد تقليدياً على موارد من الخليج ومجموعة أوبك، فيما تضاعف أوروبا مشترياتها من الخليج للاستعاضة عن الواردات الروسية. وإن كان ذلك أيضاً حل غير سهل التنفيذ عامةً، نظراً لأن المصافي مثلاً لا يمكنها معالجة كل أنواع النفط، فمثلاً النفط الروسي يشبه الخام العراقي، لكن إنتاج العراق بكامله أقل من صادرات روسيا إلى أوروبا.
 
لكنّ بعضاً من الخبراء، الأكثر مكراً ربما، يرون أن الدائرة يمكن غلقها بشكل أكثر سرعة عبر حيلة تقليدية تمارس منذ عهود بعيدة، وهي توفير "وسيط" مأمون لشراء صادرات الطاقة الروسية، ثم إعادتها إلى أوروبا في شكل صادرات من مصدر مختلف... وبالتالي يحفظ الجميع ماء وجوههم أمام أنظار العالم المعلن. 
 
ويدلل هؤلاء إلى أن النفط الإيراني والفنزويلي المحظور بقرارات أميركية، كان يتم تصديرهما خلال السنوات الماضية أمام أعين الجميع من خلال وسطاء، من دون أن يعترض أي أحد، رغم الأصوات العالية المحذرة الصادرة من واشنطن، أو تلك المنددة الغاضبة الصاعدة من طهران! 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم