إعلان

فاروق جويدة جعلنا نحبّ الشّعر... فلماذا يُهاجمونه الآن؟

عبد الكريم الحجراوي
فاروق جويدة
فاروق جويدة
A+ A-
منذ إعلان المرشحين على جوائز الدولة ولقي اسم فاروق جويدة الذي رشح لجائزة النيل هجوماً كبيراً، ولم يتوقف هذا الهجوم عليه حتى بعد إعلان الجائزة وفوز اسم كبير في تاريخ الرواية والقصة العربية المعاصرة الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي يستحق دون شك هذه الجائزة ودون نقاش.

هذا الهجوم جاء من أناس لهم وزنهم في الثقافة المصرية، من روائيين وشعراء ومترجمين ونقاد وصحافيين، رأى بعضهم أن مجرد ترشيح فاروق جويدة لجائزة بحجم جائزة النيل سقطة، غير أنّ فوز إبراهيم عبد المجيد، في رأيهم، أنقذ وزارة الثقافة من وصمة كانت ستلاحقها إلى الأبد... وتوالت المنشورات التي تستنكر وتستكثر على جويدة مجرد الترشح فقط.

ولا أعرف مصدر أو سر هذه الحدة في الهجوم الشديد عليه، الذي يصل إلى نفيه خارج دائرة الإبداع كلها، فأنا لم أسمع عن فاروق جويدة أنه شخص حاد وسليط اللسان أو به ما يشين حتى يفسر هذا الهجوم الكاسح بل هو العكس تماماً، سمح دمث الأخلاق. كما أنني لم أسمع الرجل يوماً يدّعي على نفسه ما ليس فيه أو يمجد في ذاته، أو حتى يرد مجرد رد على الانتقادات التي توجه إليه بعنف من الوسط الثقافي المصري. ولا أعرف للرجل شلة من حملة الأقلام تدافع عنه. فقط يكتب ولا يشغل باله بما يقال عنه.

 
 

في الحقيقة، لا تربطني أي علاقة مباشرة بالشاعر فاروق جويدة، ولم يسبق حتى رؤيته يسير في الشوارع القاهرة أو حتى في جريدة الأهرام التي أتردد عليها أحياناً وله مكتب فيها، وأراني لا أتفق مع الذين يقدحون في ما يكتبه الرجل والنظرة المتعالية على منتجه. وأجدني  أستعيد ذكرياتي القريبة البعيدة مع هذا الشاعر الكبير. لو تصادف وكنت رأيته ربما لو كان السياق يسمح كنت سأسعى للسلام عليه وأعرفه بأني كان أحد أسباب التي جعلتني أحب الشعر والأدب. وربما أسرد عليه شيئاً من ذكرياتي معه.

 بالطبع ذائقتي في المرحلة الإعدادية والثانوية والبدايات الأولى في الجامعة تغيرت عما هي عليه الآن تجاه شعره، لكن أتذكر أنني كنت شغوفاً بشعره، وما زلت حتى الآن أستعيد إعجابي بقصيدته «اغضب فإن الله لم يخلق شعوباً تستكين، اغضب فإن الأرض تـحني رأسها للغاضبين»... وعن الذين غرقوا في البحر في طريق هجرتهم وهو يقول: «هذي بلاد لم تعد كبلادي» وغيرها من القصائد والأبيات التي كنا نرددها له، وما زالت محفورة في وجداني كأغاني الطفولة التي كنا نرددها أثناء لعبنا.

أتذكر حرصنا الشديد عندما كنا في محافظة «قنا» على اقتناء دواوين هذا الرجل التي كانت تصدرها دار الشروق، واقتناء جريدة الأهرام لنقرأ قصائده، كأننا نشتريها من أجل ما يكتبه. ولحسن حظنا أن أعماله كانت تصل إلى مكاتب قنا ولا يصل مكتبات مدنية قنا في جنوب مصر سوى ما هو رائج ومطلوب.

أتذكر - وأنا هنا لا أتحدث عن ذاكرتي فقط ولكن ذاكرة جيلي  والأجيال التي سبقتني - حين كنت في المرحلة الثانوية وأعلن برنامج «البيت بيتك» عن استضافته وكان موعد الحلقة يتوافق مع سفري إلى مدينة الغردقة والمكان الذي أقمت فيه ليس به تلفاز، فاتجهت إلى المقهى وأعطيت صحابه نقوداً لكي يأتي بالبرنامج وأشاهد شاعري المفضل وقتها.

أتذكر بحثي عن أعماله الكاملة في مكتبة كلية الآداب وتنافس الطلاب على هذه الأعمال التي غلّفته بغلاف سميك المكتبة بسبب تكالب الطلاب في طلبها، بل أشهد أن هناك من دخلوا مكتبة الكلية من أجل مطالعة أعمال فاروق جويدة لا أكثر، فاستمر بهم الطريق في المكتبة إلى كتب أخرى.

 
 

لم يكن فاروق هو الشاعر الوحيد الذي أقرأ له في هذه الفترة، كيف ذلك وأنا ابن قسم اللغة العربية، لكنه كان شاعري المفضل والأثير لدي، أتذكر كل هذا الشغف واللهفة بانتظار ما يكتبه ونتناقش فيها، نأخذ عليه أشياء، منها محبته لبحر الوافر وغياب التنوع النغمي... ولم يكن ذلك ينقص من إعجابي به شيئاً.

أتذكر أيضاً اليوم الذي فتر فيه شغفي بشعر فاروق جويدة أو الوصول إلى حالة التشبع منه، كنت في الفرقة الثانية وكان أعلن فاروق جويدة أنه سينشر قصيدة كتبها عند أسوار الكعبة بعد حجه، فاشتريت أهرام  الجمعة وقرأت القصيدة وأنا أسير في الطريق عصراً في منطقة المساكن في مدينة قنا، وبعدما انتهيت منها الآن، شعرت أن علاقتي بشعره قد انتهت.

القصد أن هذا الرجل الذي يتعالى على إبداعه بعض الناس كان واحداً من الأسباب التي جعلتني وآخرين نحب الأدب والشعر ونكمل في طريقنا.

لنقُل جدلاً وإن صدقاً إن إبداعه لا يلائم إلا الشباب في مرحلة معينة، وإنه اختار شريحة محددة من المجتمع ليوجه لها إبداعه، ألا يستحق رجل استطاع أن يصل إلى هذه الفئة التي تمثل الغالبية من سكان مصر جائزة؟!

أليس هناك أدب للطفل وله مواصفاته؟! ألا نستطيع أن نقول إن هناك إبداعاً يلائم الشباب في فترة ما، ألا يستحقون من يكتبون لهذه الفئة الجوائز والتكريمات مثل أحمد خالد توفيق في الرواية وفاروق جويدة في الشعر؟!

لست هنا لأطلق أحكاماً قيّمة حول ما كتبه فاروق جويدة قوةً أو ضعفاً، ولكن نحن أمام رجل أخلص للقلم فكتب شعراً يروق لكثيرين وله جمهوره الذي يحبه، وكتباً ومسرحيات شعرية جديرة بالاحترام، لو كان بيدي منح جائزة لفاروق جويدة بالتأكيد لن أتردد في منحها إلى شخص شكل جزءاً مهماً في فترة معينة من حياتي. وشكل وجدان أجيال سابقة علي ممن ولدوا في بداية السبعينات وقرأوا شعره في الثمانينات، وما زال حتى الآن محبوباً شعره وتقبل عليه الأجيال الجديدة.

 لا أدافع عن فاروق جويدة، والرجل لا يحتاج إلى هذا، لأن لديه جمهوره الذي يحبه، ويدافعون عنه بمحبة وينشرون شعره على منصاتهم الرقمية.

وسأفرح إذا في يوم ما فاز فاروق جويدة بجائزة النيل، لأنه استطاع أن يوصل الشعر إلى اليافعين وإلى المحبين، إلى من هم في أجمل فترات عمرهم وإلى الكبار أيضاً، فله التحية والمحبة والسلام.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم