العالم الافتراضي يحتفي بفيروز في يوم ميلادها

المصدر: النهار العربي
مايا الحاج
فيروز
فيروز
A+ A-

عيد ميلاد فيروز بات مناسبة يحتفي بها اللبنانيون، والمحبّون، و"الفيروزيون" في كلّ مكان. هو ليس تقليداً قديماً، ولا ندري متى بدأ أو كيف. ولكن الأكيد أنّ "السوشيل ميديا" ساهمت في تكريس هذه المناسبة فغدت تكريماً جماهيرياً (عفوياً) لفيروز، شخصاً وصوتاً.

ميلاد فيروز واستقلال لبنان. مناسبتان متزامنتان، غير أنّ اهتمام المتابعين بات ينصبّ أخيراً على ذكرى مولدها. وهذا ليس استخفافاً بالوطن، وإنما تقديراً لمن منحتنا الصورة الأجمل عن هذا الوطن... عن لبنان نحبّه ويحبنا، فلا يخذلنا، ولا يُفرّقنا.  

فيروز آخر ما تبقّى لنا من لبنان، المشروع والحلم. هي اليوم الحبل الوحيد، نتمسّك به، كلّنا، دون تفرقةٍ أو تمييز. ولكن، لماذا هي؟ ما الذي صنع أسطورتها؟ صوتها، روحها أم حاجتنا الى "أيقونة" تجمعنا؟

الأجوبة تتكاثر وتختلف وتطول. لكنّ الأكيد أنّ صوت فيروز- وحده- صنع لنا "الحلم" في وطن الكوابيس. وفي الحديث عن ظاهرة فيروز، ينشغل كثيرون في دراسة هذه الحالة قياسا الى شراكتها مع الأخوين. من صنع من؟ ومن السبب في نجاح من؟ لكنّ السؤال في الواقع ليس عادلاً، باعتبار أنّ الثلاثة اشتغلوا معاً في صياغة ابداع واحد، بعيداً من أنانية "الشخص" و"عقدة" الإسم.

ومع ذلك، فإنّ الأخوين "المبدعين" آمنا بأنّ صوت فيروز هو أساس مشروعهما. فيروز التي ظلّت "عظيمة" مع كلّ من تعاملت معهم، دون استثناء. غنّت الأخوين كما غنّت فيلمون وزكي ناصيف ونجيب حنكش وعبد الوهاب وزياد... استوعبت ألحان الجميع ثمّ قدّمتها مُشبّعةً بروحها الفيروزية الخالصة.

وإذا كان الكلام عن صوتها وقدراتها من اختصاص الباحثين الموسيقيين، فإنّ احساسنا بهذا الصوت هو ما يعنينا. صوتٌ يتصاعد بكلّ فردٍ منّا الى المطلق، واللانهائي. يتسّع لكلّ تلك الأرواح الرقيقة، الشريدة، والقلقة، فينقلها من عالمٍ شديد القسوة والفظاظة الى فضاءٍ رحبٍ وآمن. ولهذا، تسقط كلّ الألقاب التي تبدو إنشائية أو الأصحّ هلامية أمام حقيقة واحدة اسمها "فيروز".

 

الصوت- الفضاء

صوت فيروز فضاء لا يحدّه لحنٌ ولا نصّ. إنه يتجاوز مكانه الأصليّ "الجسد"، ليخلق مكاناً آخر مثالياً، لا شواذ فيه. طاقة فيروز تتعدّى الصوت الى الروح. "الآه" عندها لا تخرج من حنجرة ولا من رئتين ولا من قصبةٍ هوائية ولا أحبالٍ صوتية، وإنما تتهادى اليك من منطقةٍ خارج جسدها. أو على الأقلّ هذا ما يُخيّل الينا. ولهذا فإنّنا نتعامل معها على أنها "رسولة" العالم الآخر، عالم بعيد، نقيّ وغير أرضيّ. ولعلّ هذه الشاعرية الغنائية جعلت من أدائها فوق التقليد، أو حتى التجريب.

 

ارتبطت مسيرة فيروز بمرحلتين أساسيتين: "الأخوين الرحباني" و"زياد الرحباني". في الأولى، ترسخت صورة فيروز الخيالية، الحالمة، المثالية، في حين بدت مع زياد امرأةً واقعية، ساخرة، ومتمردة.

 ورغم هذا التحوّل الهائل، ظلّ الطابع "النبيل" راسخًا في شخصيتها، ولصيقاً باسمها. كأنّ فيروز قادرة على إضفاء القدسية الى أيّ شيء تغنيه، مهما كان عادياً أو دنيوياً. فالوطن بصوتها يغدو قصيدة، والحبيب حلماً، والبيتُ جنّة... كأنّها توحّد الأشياء كلّها وتمنحها شيئاً من روحها ورقيّها.

 وما يصدمك أحياناً هو استياء بعضهم من خيار فيروز بالتواري، أو حتى الانعزال. فمن يدّعي حبّ فيروز لا يمكن أن يطالبها بالانخراط في عالمٍ لا يشبهها. ومن يفهم فنّ فيروز وعوالمها لن يتوقّع منها نمطاً آخر من الحياة، إذ كيف لهذه الروح الشفيفة أن تطيق وجوداً آخر غير وجودها الغنائي/ الشعري الحالم؟

"عزلة" فيروز ليست بخلاً ولا أنانية، هي التي سخت في فنّها حتى صارت تشاركنا يومياتنا، مع كلّ شروق شمس وغروب، مع بداية كلّ فصلٍ ونهاية آخر، مع كلّ مواسم زيتونٍ وعنب، ومع كلّ قصة حبّ ومأساة وطن... ولمن يتذرّع بالشوق، كيف نشتاق من يُقاسمنا حياتنا ويسكن ذاكرتنا ووجداننا؟

 

كثيرون يربطون بين الصُبح وفيروز، لكنّ صوت فيروز يبقى ملائماً لكلّ وقتٍ، ولحظة. فإذا كانت الإذاعات اللبنانية والسورية خصّصت أثيرها لأغنيات فيروز "الصباحية"، فإنّ الفيروزيين لا يتخيّلون مساءاتهم من دونها. ومثلما يتجاوز صوتها ما هو مكانيّ (الجسد)، فإنّه يتجاوز أيضاً ما هو زمانيّ. 

من يستمع الى أغنياتها خلال السنوات العشر الأخيرة، ومن حالفه الحظّ أن شاهد حفلاتها الأخيرة (وأنا منهم)، لا بدّ أن استوقفه هذا الصوت الذي لا يشيخ. وإذا كان تغيّر بعض الشيء، فإنّه لم يفقد أبداً هويته ولا "لمعته" ولا جماليته.

فيروز المرأة أيضاً لا تشيخ. صلابتها على المسرح. بريق عينها، خجلها، مشيتها، ابتسامتها... هي نفسها. ولهذا، فإنّ محبيّها مازالوا ينتظرون... ويأملون بعودةٍ غنائية مرتقبة. عودة تزرع شيئاً من الجمال في صحارى الفنّ الراهن.  

وإلى ذلك الموعد، عشّاق فيروز يكفيهم أنها بخير. المسافة لا تهمّ. فاللقاء معها ثابت، وحضورها أبداً ساطع. 
 

 

 

 

 

الكلمات الدالة