إعلان

تيو منصور الذي قدّم التشكيل بوصفه موسيقى... ثمّ رحل

مهى سلطان
الراحل تيو منصور في معرضه
الراحل تيو منصور في معرضه
A+ A-

 رحل بلا أبواق حزن وبلا مواكب ترافق مأتمه، ولا طقوس ولا تبتّل، غافلنا ورحل. انسحب قبل أيام الى عالمه الخيالي الخاص الذي صنعه بأنامله وزخرفه بريشته وألوانه، عالمه الموسيقي المليء بالغواية والفتنة، المكوّن من حدائق وأبطال من قصص التاريخ القديم حيث سحر الأساطير وحكايات العشق والانخطاف.

تيو منصور (1956-2020) الفنان المرهف الحس، العميق الثقافة، من الجيل الذي عكس فنه صدمات الحرب بقوة، أضناه المرض باكراً فأتلف عضلاته وأصابه بالوهن والبدانة المفرطة، ما جعله يمشي على عكازين لسنوات طوال، حتى أودى بحياته بعد سنتين من العلاج في أحد المستشفيات الفرنسية. فجأة، انكسر قوس قائد الأوركسترا السمفونية وتوقف القلب الذي كان ينبض بالموسيقى ويستوحي منها مشاهده وأحلامه ورؤاه.  

لم يتسنّ لتيو أن يعود الى محترفه البيروتي، بل رحل بلا وداع وترك عصافير النافذة تنشد وحيدة، ونساءه بجدائلهن الطويلة يسهرن في روضات النعيم على ضوء القمر، في فردوس أزرق من أحواض مياه وزهور ورياحين وأطيار وطواويس. نذر حياته للفن، لذا أعطاه كل ما لديه لأنه كان يدرك أن العمر لن يمهله طويلاً. وفي غفلة من هذا الزمن الذي سِمته الأساسية التباعد، لا يسعنا إلا أن ننعم النظر في فن تيو منصور وأن نقّلب صفحات من مسيرة هذا الفنان الذي ترك بصمة خاصة في ذاكرة بيروت وذائقتها الفنية.

لوحة "ليلة التجلّي"

 
 

ماء ونار

معرفتي بتيو تعود الى زمن نجوميته المتألقة في معارض الخريف في متحف نقولا ابراهيم سرسق بعد نيله جائزة الفنانين الشبان عام 1996، لكنها تعمقت أكثر في مرحلة إعداد المعرض الذي رافق المهرجان العاشر للفرنكوفونية الذي نظمه مركز فالوني - بروكسل في باريس عام 2001. كنتُ والزميل جوزف طراب مكلّفَين بكتابة كاتالوغ المعرض، لذا كنت أتردد على محترف تيو في بيروت الكائن في محيط منطقة اليسوعية، للاطلاع على تجاربه، حين كان في تلك الفترة يعمل أستاذاً للرسم في مدرسة "الغراند ليسيه" الفرنسية، ثم استمرت لقاءاتنا في باريس، حيث عرّفني إلى موسيقى كلود دوبوسي (1862- 1918) المرادف الروحي لرؤاه الفنية.

كان الفنانون المشاركون في معرض الفرنكوفونية يخرجون منذ الصباح وكان تيو قلّما يخرج من الفندق، بسبب صعوبة تنقله، وهو المثقف الذي عاش صخب باريس ومعارضها ونقاشاتها حين كان طالباً في المدرسة الوطنية العليا، ممسكاً بناصية الفرنسية وضليعاً بشعرائها الحديثين، لا سيما الشاعر مالارميه الذي استوحى من قصائده الملحمية. وظل الشعر ملهماً له حتى في مراحله الأخيرة حين استوحى قصيدة ايتل عدنان "خمس حواس لموت واحد" في عمل جداري ضخم.

فتح تيو منصور عهداً جديداً غير مسبوق في أعمال الفنانين الشبان، حين قدم أعمالاً ثنائية وثلاثية مرسومة على أحجام كبيرة، تفتح أمام الناظرين مشهديات فسيحة لديكورات من الطبيعة، تجمع بين الأرض والسماء والأعماق بأسلوب خاص في شعريته واستعاراته المجازية وعناصره وزخارفه. استطاع بين فناني جيله أن يجسد مأساوية الحرب اللبنانية بقسوتها ومجازرها وتداعياتها في مشهدية غير اعتيادية منبثقة أحياناً من التيمة الدينية والدراما اللاهوتية أو من خلال إسقاطاتها المتأتية من التاريخ الروماني الذي تكتنفه مظاهر القوة والعنف والمجازر الدموية.

 
لوحة "أصوات وروائح..."
 
 
 
 
الميثولوجيا والجسد
 

في أعماله تمتزج الرؤى الإنجيلية "التجلي" و"استشهاد القديس سيباستيان..." بالميثولوجيا والأساطير اليونانية وآلهاتها (دافني وكلوي وخصوصاً الكائن الرعوي الشهواني Faune) في احتفالياتها الشهوانية وأعيادها الماجنة. هذا الاحتفاء بالجسد يتم غالباً في الجزيرة السعيدة لدوبوسي. وتيو النرجسي والعاطفي والتعبيري والوحشي يتعاطى الفن مثل شاعر يحلم، يستسلم للموسيقى ويتخيل. هذه التخيلات التي تمنح إيحاءاتها ومشهدياتها عبر سلسلة لوحات هي عبارة عن مشاهد متتالية تتمحور حول موضوع واحد في تسلسل قصصي. هذا التسلسل الذي دفعه في مراحله الأخيرة لتصوير موضوع ألف ليلة وليلة عبر "ليالي شهرزاد" بأسلوب فطري زخرفي برّاق أقرب الى فن المنمنمات.

اعتاد ثيو أن يطلق على لوحاته عناوين المقطوعات الموسيقية التي كانت سبباً في انبثاقها، من رافيل وشتراوس وشونبرغ، وصولاً الى موسيقى اللبناني زاد ملتقى، ولكن العلاقة الأهم والأقوى التي أحدثت تحولاً كبيراً في حياته هي العلاقة مع موسيقى دوبوسي. فكثيراً ما تستمد لوحات تيو تسلسلها ومتوالياتها وسردياتها من دوبوسي، حيث نقرأ من بين العناوين: Arabesque, La mer, jeux, préludes, nuages.

قد لا نجد مثيلاً لارتباط فن تيو بالموسيقى إلا إذا عدنا بالذاكرة الى كاندنسكي الذي ربط لأول مرة الفن بالروحانية، فقد كان يرى اللون حين يسمع الموسيقى، لكن كاندنسكي أخذ التشخيص الى التجريد، بينما أخذ تيو على نقيضه التجريد في الموسيقى وأعاده الى طبيعته الصُوَرية - التشخيصية أي الى التصوّر وحقول التخييل.

 
لوحة "استشهاد القديس سيباستيان"
 

 

سقف العالم

تعتبر أعماله في جوانبها الخفية استعادة بصرية رائعة لسلسلة من صدمات ودهشات تعود للطفولة والمراهقة وتجارب الحب والحرب. فولعه بالحضارة الرومانية وقصصها الميثولوجية تعود إلى سحر ضخامة أعمدة بعلبك حين رآها طفلاً في موسم المهرجانات تحت تأثيرات الموسيقى الكلاسيكية وأنوار الليل وظلاله الشاسعة.

يحتل الموضوع أهميته البارزة لدى رسام متين يذهب دوماً الى التبسيط الحجمي للأشكال والتشكيل العضلي بشيء من الفطرية والى الزخرفة التي تحمل مخزوناً شرقياً. فهو يمتلك مقدرة في التأليف تجعله يفتح آفاق المنظور على رحابة الأرض والسماء، فيمنح مقدمة اللوحة لأبطاله الذي يخرجون من عربات التاريخ القديم بأبواقهم وراياتهم المزنية بالنسور حاملين قصص الحب والجنس والخيانة والاستشهاد. تتقاطع الأمكنة في جداريات تيو منصور مع الخلاء المديني الموحش والمريب في أعمال جيورجيو دو شيريكو، لا سيما في طريقة استحضار المدن الرومانية بهياكلها وساحاتها ونوافيرها المزينة بالتماثيل الصامتة، ذلك الصمت الأبدي، الذي يتبدى أيضاً في أجساد ممددة داخل مشهدية الفراغ المشبع بالألوان الساطعة والظلال الحادة. غير أن العالم الغيبيّ الذي يشخّصه تيو هو شعري - حلمي، يرينا أبطاله في تحولات مصائرهم أو عشقهم وانغماساتهم المحمومة في زرقة الليل المتلألئ بالنجوم تحت سماء هي سقف العالم.

 
 
لوحة "ضوء القمر"
 
 

عنف الأقدار

قد يصل التحوّل المأساوي للأقدار إلى العنف الدموي، في حين أن الغرائز المتوحشة تتفتح أزهارها في الأعضاء وتتضخم وهي تدمج بين شهوانية لونية تصل للوحشية وتشويهات خطية كأنها من تأثيرات سوتين. يجيء ذلك إثر سلسلة لوحات المجازر التي صوّر فيها بأسلوب انفعالي رمزي الجثث المختلطة تحت أنوار لاهبة، حاول فيها أن يحطّم شبح أستاذه في التعبيرية فلاديمير فليوكوفيتش حين كان طالباً يدرس الفن في المدرسة الوطنية العليا في باريس (حتى عام 1989). لكن عودته الى لبنان في خضم المعارك عام 1990 كانت أشبه بالنزول الى الجحيم.

بعد صمت وانقطاع عن الرسم دام ثلاث سنوات، التجأ الى موسيقى دوبوسي التي أعادته الى الفن من جديد،  الموسيقى التي تفتح ملكوت الألوان، ملجأ الانسجام والجمال وربما رقة العيش بكل بساطة، جددت رغبته الخلاقة فمنحته نبعاً لا ينضب من الأحلام كانت بمثابة الباعث الخفي لكل تجلياته. من التعبيرية التي طبعت إنتاجه الفني المبكر في باريس الى الدراما اللاهوتية المجسدة في موضوع التجلي، ومن ثم قصة استشهاد سان سيباستيان، وكأن تيو عاد الى أدغال نفسه يفتش عن واحاتها الزرقاء ومع تجليات موسيقى دوبوسي أخذ يصور قصص الغرام التي تتفتح أسرارها في الغابات تحت ضوء القمر الذي ينثر أنواره على الليل كحبات السكر، حيث لا موت ولا مجازر ولا ظلمات ولكن مظاهر لحياة مجيدة.

كثيراً ما يُرى في حدائق العشق التي تحضن كائناتها الميثولوجية أشجار الصنوبر الآتية من غابات برمانا (لبنان) وأحياناً الأمكنة تحيل الى حدائق قصر فرساي الشاسعة بنوافيرها المزينة بالتماثيل، ناهيك عن الأحمر القاني لمدينة بومبي وزرقة البحر المتوسط وشمس بعلبك الساطعة. فاللوحة ليست سوى فضاءٍ لفراغ شاسع ملأه تيو منصور بحكايات من أحلام الموسيقى، يتراءى فيها الوقت في ظل مكسور لشجرة أو لتمثال عاشقين يمتزجان في أجنحتها الأبدية.

 
 
الكلمات الدالة