إعلان

ريما الرحباني: يصفونني بـ"الشريرة" لأنني أدافع عن الحقّ... وفيروز تكتب مذكراتها

المصدر: حوار: مايا الحاج
مايا الحاج
ريما تتوسط فيروز وزياد
ريما تتوسط فيروز وزياد
A+ A-
 

قبل عشر سنوات تقريباً، خرجت المخرجة ريما الرحباني المتوارية في عالمها الخاص لتكشف عن "مؤامرة" تُحاك ضدّ فيروز وعاصي الرحباني. المتّهمون هم أبناء عمّها منصور، توأم أبيها في صناعة مملكةٍ رحبانية اتسمت على مدار عقود بالجمال والإبداع والسلام والتوازن.

 نزعت ريما القشرة الخارجية الملساء، لتفصح عن "التهاب" متغلغل في العلاقة بين أبناء العائلة الرحبانية "المثالية". تحدثت عن منع فيروز من الغناء ومن إعادة مسرحية "يعيش يعيش". وأيضاً، عن تغييب "مُتعمّد" لاسم عاصي الرحباني عن مرسوم وزارة التربية الذي قضى بإدخال فن منصور والعائلة الرحبانية في المناهج التربوية، عن مشروع تذويب اسم "الأخوين" بالرحابنة الجدد.

اشتعل الرأي العام بقضية آل الرحباني، واحتجّ الفيروزيون في كلّ المدن العربية. هدأت القضية ليعود اسم ريما الرحباني بقوة أكبر. هذه المرّة، اختارت أن تواجه بجرأة وأن تسمّي الأشياء بأسمائها، فيما اتهمت أبناء عمّها بتوظيف علاقاتهم بالإعلام وببعض المؤسسات الفنية لأداء دورهم. جعلت ريما من صفحتها الفيسبوكية منبراً تروي من خلاله حكايات "التعدّي" المستمرّ على إرث عاصي وعائلته. وجاء المهرجان الفرنسي المهدى الى لبنان ليُخرج طاقة ريما الانفعالية ضدّ أسامة الرحباني تحديداً، باعتباره "مُصّراً" على "استخدام" إرث فيروز وتقديمه بأصوات غيرها.

المواقف الأخيرة الغاضبة لريما عرّضتها لبعض الانتقادات. أين بدأت القصة؟ لماذا أخرجت المشكلة العائلية الى العلن؟ بأيّ حقّ تُعامل أبناء عمها بالمثل فتمنع الآخرين من غناء أعمال فيروز؟ لماذا ترفض أن تستأذن ورثة منصور في إعادة أعمال فيروز، بينما تطالبهم بذلك؟ ما سبب هجومها الحادّ على أبناء عمها والفنانات المعروفات؟ هذا بالإضافة الى مواضيع أخرى كثيرة عن كواليس زيارة ماكرون لبيت فيروز ودورها في ابتعاد أمها، ورأيها في الهجوم على ألبومها "ببالي". عن هذه الأسئلة وغيرها أجابت ريما الرحباني بجرأتها المعهودة في أوّل حوار لها منذ سنوات طويلة. مع التنويه الى أنّ اللقاء جرى قبل البيان التحذيري الذي نشرته ريما، على صفحتها، باسم ورثة عاصي الرحباني (ممثلين بزياد وريما)، الذين رفضوا قيام أيّ كان، حتى ولو كان من ورثة منصور الرحباني، بإعادة تسجيل أو تصوير أو تكييف أو توزيع أي أعمال فنية تعود للأخوين رحباني أو زياد الرحباني بدون موافقتهم. كما حذّروا من منح أي أذونات أو إجازات للغير من طرف واحد، تعود لأصحاب الحقوق مجتمعين، وذلك إن في لبنان أو خارجه، ومهما كانت الوسيلة أو الإطار أو المناسبة.

 
 

ريما والإرث الرحباني: لا حلّ إلا عندما يدركون أن الإرث خطّ أحمر

 

*خرجت مشكلة الإرث الرحباني الى العلن عام 2010 عقب محاولة منع فيروز تقديم مسرحية "صحّ النوم"، قبل أن يتمّ نسيان الخلاف، وكأنّ الأمور قد انتهت إلى حلّ بين الأطراف المعنية. ما الذي حدث أخيراً كي تعود القضية مرّة أخرى الى الواجهة؟

ما حصل في الآونة الأخيرة هو نفسه ما كان يحصل دائماً. لا شيء جديد، ولا شيء يتغيّر! لكنّ الأمور تتخّذ أشكالاً مختلفة أحياناً. مرّة تكون من تحت الطاولة، ومرّات أخرى تغدو الأشياء فاضحة وصارخة الى حدّ لا يمكنني أن أبقى صامتة تجاه التاريخ، تجاه الناس، تجاه هذا الإرث الفني!

ثمّة تجاوز دائم لنا كورثة عاصي، ولفيروز شخصياً، في كلّ ما يحصل ومن دون استثناء، سواء في الحفلات، الندوات، التكريم، الكتب... "الشباب" استفردوا بالإرث وكأنه ملكهم! وكأنّ لا شيء لنا فيه! يتكلّمون باسم الأخوين وفيروز! وما كنتُ لأنزعج منهم أثناء تأديتهم لهذا الدور لو أنهم فعلاً جديرون بذلك. لكنّهم أعداء لهذا الإرث. يزوّرون الوقائع والحقائق ويخبرون ما يناسبهم ويخدمهم من الحكايات والأخبار. يعمدون الى فصل الأخوين بطريقة "خبيثة" جداً، ثمّ يتهمونني بأنني أنا التي أفصل بين الأخوين. هم ببساطة يتقنون الغش والخبث! يوحون بالشكل أنهم يمدحون فيروز والأخوين الرحباني، ثمّ يمرّرون حكايات مثل أنّ مهرجانات بعلبك حين دشّنت الليالي اللبنانية رفضت مشاركة فيروز، لكنّ الأخوين أصرّا وترجيا اللجنة حتى وافقت. ما هذا؟ خبرية كهذه يمكن أن تمرّ عابرة وعادية في معرض حديثهم. أو مثلاً عند عرض مسرحية "يعيش يعيش" رفض السوريون عرض المسرحية من دون تغيير كلمتين، لكنّ منصور أصرّ على الكلمتين ورفض تغييرهما ولم تعرض وقتها في الشام. لماذا هذه الأخبار الملفقة؟ لكي نصدق أن منصور كان يملك وحده القرار، وأنّه هو كاتب كلّ شيء، وغيرها الكثير من هذه الأخبار العجيبة والمفبركة. قصص غزيرة ومتكررة وغير بريئة على الإطلاق. إنه تزوير مدروس ومتقن، خدمةً لفكرة واحدة تظلّ هي نفسها كيفما كانت الأشكال التي تلبسها.

 

*مع جهل كثيرين بملابسات الموضوع، كيف يمكنك تبسيطه الى الرأي العام. ما هي المشكلة مع أبناء منصور الرحباني؟

المخطط ذاته من زمان! إسقاط عاصي من الأخوين، ومن ثم تذويب الأخوين بالرحابنة، ومن ثم حصر الرحابنة بأولاد منصور أنفسهم! وبعد كل ذلك حصرهما بالناطق الرسمي من قبلهم! وطبعاً إلغاء دور فيروز في هذه المملكة، تحجيماً لدورها عبر الإصرار الكاذب على أنها مُجرّد مؤدّية "روحي روحي، تعي تعي" ليبرهنوا أن أي شخص مكانها كان يمكن أن يصل الى مكانتها! وان الأخوين قادران على صناعة النجوم. هذه هي المشكلة مع أبناء منصور، باختصار شديد.

حكاية قديمة كما قلت، ثمّ بدأت تظهر مبهمةً للعالم بعد وفاة عاصي تحديداً. لكنها لم تكن واضحة أمام الناس. أشكالها السابقة لم تكن جليّة. وحده المتابع جداً والمحب جداً والدقيق جداً كان بإمكانه ملاحظتها، إذا أضيئت أمامه بعض النقاط، لا عامّة الناس. بدأت القصة منذ أن وقّع منصور أول عمل فني باسمه بدلاً من الأخوين رحباني، وسمّى العمل "صيف 840" عوض "عامية انطلياس"!.

* ما هو السيناريو القانوني المفترض كي يُقفل هذا الملف نهائياً؟

السيناريو الوحيد المقبول هو أن يكون هذا الإرث خطاً أحمر يُمنع تغييره واللعب فيه وتأديته بغير صوت فيروز منفردة، لأنّ العمل هو ملكها وانشغل لها ووصل عبرها وبصوتها. ولمن لا يعرف، فيروز كانت موجودة أصلاً لحظة ابتكار هذه الأعمال وكانت تتدخّل فيها حتى تتكيف مع إضافاتها وتفاعلاتها، وهي كانت تقدّم هذه الأعمال بحضورها وبصوتها من دون مقابل من المؤلفين، ولهذا كانت عقود الإنتاج تعتبر أن الأخوين وفيروز هم منتجو العمل. والحق أن يُقال الثلاثي الرحباني ال الأخوان، أي عاصي، فيروز، منصور. وهم يعلمون أنّ هذا الثلاثي هو أساس نجاح أعمال الرحباني. وعلى حياتهم، كرّس الأخوان هذه الصورة الثلاثية لشهرتهم.

أما الحل القانوني فهو الحل البديهي لكل الأعمال المُشتركة والمنصوص عليها في القانون. المشكلة في الواقع ليست قانونية بل في كيفيّة تعاطي بعض الورثة بهذا الإرث! ما هو نطاق حقوقهم، وكيف تكون ممارسة الحقوق. لأنهم في العلن مثلاً ينكرون أنهم اتخذوا موقفاً قانونياً أو بعثوا إنذاراً، (هذا النفي أمام الإعلام والجمهور)، بينما في الواقع يكون الإنذار قد ورد - عبر كاتب عدل - للمنتج وللمشارك ولكل قيّم على أي عمل من الأعمال التي يمكن أن تكون قد قررت عرضه، سواء كان مسرحية أو حفلة غنائية أو تصويراً أو تسجيلاً. علماً أنّ هذه الحقوق منظّمة قانوناً وهم وحدهم من يعرقل أي مبادرة من فيروز كي تعيد إحياء هذه الأعمال.

كلمة حق ثانية ومهمّة جداً لا يمكن أحداً أن ينكرها، وهي أنّ الأعمال الأصلية كما قدّمها "الأخوان" وفيروز، هي أكثر الأعمال مقرصنة وموجودة بكل الوسائل السمعية المتاحة والمعروفة في العالم انتشاراً وبيعاً، مجاناً ومن دون أن يعود لأصحاب هذه الحقوق أي "قرش". يعني الأسطوانات المقرصنة والإذاعات والتلفزيونات تبث هذه الأعمال مجاناً، ولم نعمد مرة الى مقاضاة مقرصن أو وسيلة إعلامية.

وأمام هذا التمادي على المحطات والإنترنت، صار الإنتاج كلّه مباحاً ومستباحاً. وكان من الممكن أن نفعل كما يفعل أي صاحب حق وأن نحجب أي عمل منشور بدون إذن أو بدل مادي. وهناك ملايين المنشورات شاهدة على ذلك. لكننا لم نعمد يوماً الى منع أي عمل أصلي من الوصول الى أي مستمع أو مشاهد. سياستنا كانت دائماً عدم حرمان الانتشار لهذه الأعمال بشكلها الأصلي، حتى وإن كان الآخرون يستفيدون من عائدات لا تحقّ لهم.

لكنّ الإخوة (أبناء منصور) شعروا فجأة بأنّ هذا الانتشار يزعجهم ويجب أن يوضع له حدّ، فقرّروا أخذ المبادرة من دون التشاور مع أصحاب الحقوق، أي ورثة عاصي ومن بينهم فيروز، وصاروا يطالبون بسحب وتنزيل وحجب هذه الأعمال من طرف واحد. وتزامنت هذه الخطّة مع تسهيل إعادة غناء أعمال فيروز من خلال فنانات من الدرجة الثانية والثالثة والعاشرة بغية إعادة نسخ مشوّهة عن هذه الأعمال، والعمل على نشرها كي تحل مكان الأعمال الأصليّة التي بلغت الذروة، لكن لم تعد متاحة أمام الناس بسبب الحجب.

المطلوب اليوم أن ننفض الغبار عن الأعمال بصيغتها الأصلية وأن يتمّ إيصالها دائماً الى الأجيال الجديدة كي تكون بمتناولهم ومتناول الجميع، وأن يتم تجميع هذا الإرث في موقع واحد حصري ومتاح أمام الجميع، مجاناً. مع ضرورة منع إعادة تقديمه مشوّهاً بحجة نشره هذه الأعمال للأجيال الآتية. ومنع تحويله الى دعايات و"بروموشنز" تجارية... وأذونات عشوائية مقابل "قرشين نضاف"!  يا إلهي.

 

*في منشور فيسبوكي، انتقدت حفلة "متحدون مع لبنان"، بأسلوب شديد اللهجة. بعضهم اعتبر كلامك مهيناً في حقّ أسامة الرحباني. ما الذي دفعك الى الكتابة بهذه النبرة الحادّة؟ وهل المنشور الذي كتبته لاحقاً لتفسير سبب غضبك هو تعبير عن ندم أو تراجع ما؟

أبداً، لم أتراجع لأنني لم أخطئ. ما كتبته في اليوم التالي هو فقط لمن يريد فعلاً أن يفهم الحقيقة ولم يفهمها بعد، لأنه لم يكن يتابعني في السابق، ولأنّ وسائل الإعلام بمعظمها "مجيّش" ضدي ويهاجمني بعشوائية مطلقة ويعمل على غسل عقول الناس كأنني "الشريرة الصغيرة".

وإذا سأل أحدهم: لماذا أصبحت أنا "الشريرة الزغيرة"، أقول لأنني الوحيدة التي تضيء الحقائق كما هي وأفضح المخططات التي يعملون عليها منذ سنوات، بدعم ممن أسميهم "دواعش الفن والثقافة"، ممّن اجتمعوا على هدف واحد ألا وهو محو إرث وفن ومملكة وثقافة الأخوين وفيروز! لقد تكاتفوا كي يمحوها وبالتالي كي يحقّقوا الخطة "الصهيونية"، من جهة لمحو حضارتنا عامة، ومن جهة ثانية بغية فك عقدة "الرحابنة الصغار" بأنهم هم الأصل والمجد والفكر! والناس التي لا تعرف تُصدّق أنني فعلاً "الشريرة الزغيرة"!. ما أريد قوله الآن، أحقاً وجدوا في الألفاظ التي كتبتها "قدحاً وذماً"؟ ألم يلمسوا القدح والذم تجاه أغنية فيروز وعاصي "حبيتك بالصيف"؟ ألم يشاهدوا حفلة "الشحاذة" على اسم فيروز ومن دون استئذانها؟ وبوجودها؟ غريب فعلاً!

ولو كانوا يريدون تكريمها فعلاً، أما كان ممكناً بثّ هذه الأغنية تحديداً، المصورة والموجودة في أرشيف التلفزيون الفرنسي بصوتها وشخصها؟ أو بالنسخة المصورة في فرنسا، من حفل فيروز والأخوين في الأولمبيا؟

شيء غريب جداً! أليس تشويه أعمال فيروز هو القدح والذم في ذاته؟ باختصار، الجملة الآتية سأقولها فقط لأن هذه هي اللغة الوحيدة التي يفهمونها:

"التكريم الفرنسي قام به الرئيس ماكرون عن الدولة الفرنسية، فمن أنتم كي تكرموا فيروز من دون استئذانها على مسرح فرنسي صعدت عليه فيروز قبل أن تولدوا، وعبر أغنية لها، مشوّهة، كلاماً ولحناً وأداءً وعلى قرع الطبول؟!".

 

*قد يستغرب بعضهم قولك إنك تدافعين عن إرث فيروز وعاصي، في حين أنّه إرث ثابت، أصيل، يدافع عن نفسه بنفسه. هل برأيك محاولات التجديد يمكن أن تشوّه أعمالاً راسخة في ذاكرتنا ووجداننا؟ وهل ممكن خنق صوت فيروز الذي طار بعيداً و"زوبع" في ضمائر الناس، كما تقول أغنيتها؟

اكيد ممكن! الإنسان يجب أن يتحلّى ببعد النظر! وألاّ يفكّر حصراً باللحظة الراهنة. الأشياء الكبيرة والمخططات لا تُقام ليوم ويومين، ولا يمكن أن تُنفّذ في ساعة وساعتين! بل عبر الأجيال! وهذا تماماً ما يحصل. ثمة تعتيم على كل أعمال فيروز الأصلية، في محاربة "خبيثة" تحت الطاولة، تتمدّد وتحفر مكانها مثل حبّات المطر، وكلّ هذا من أجل تزوير وتحريف هذا الإرث، وهذه الحقائق! وأكثر من ذلك، ثمّة أذونات غير شرعية وغير قانونية مستمرّة، وتتصاعد "كريشاندو"، من دون توقف.

ببساطة، هل يجوز لأي كان، سواء كان "حقّه قرشين" أو ماريا كالاس نفسها، تأدية أغاني فيروز، بوجود فيروز، ومن دون استئذانها؟ ومن دون استئذان ورثة عاصي الرحباني، ومن بينهم فنان عبقري بحجم زياد؟ هل هذا معقول!؟ يفعلون ما يريدون بأغنيات فيروز، وفي الوقت نفسه يمنعون فيروز من إعادة أعمالها؟ يا إلهي! ألم يلاحظ أحد ما حدث؟ لا أحد يرى؟ لا أحد يسمع؟ لا أحد يستنكر؟ الحقيقة بيّنة، ومع هذا فإنّ وسائل الإعلام تنشر هذا التشويه وتساهم في تصديره الى العالم والى الأجيال المستقبلية. ومن يساهم في الترويج لهذه الأعمال هو بالتالي شريك في هذا الجرم، ومتآمر و"قابض".

هل مقبول أن تكون فيروز هي الفنانة الوحيدة التي يُفتك بأعمالها في هذا الشكل من بين كل المغنين المحليين؟ وأن تُقدَّم أعمالها بهذا الشكل وبجودة أقل طبعاً بكثير من الأصل؟ يفعلون هذا بوقاحة، برغم أنك أعلمتهم أن هذا ضد القانون وغير مرغوب فيه وغير مسموح به. يكفي تشويه هذه الأعمال تحت غطاء المحبة؟ 

قد تقولين أنا أعرف الحقيقة، وأمي تعرف الحقيقة، وجاري أيضاً، وربما زميلي في العمل. ولكن ماذا بالنسبة الى المستقبل؟ لا أحد يدري كيف سيكون، وماذا سيبقى؟ إذا كان اليوم قلّة هم الذين يعرفون الحقيقة، فماذا عن الغد؟ سيكونون أقلّ من القلّة. وبعد غد لن يكونوا!

هكذا تُصنع البشاعات والمخططات، وهكذا يكون الخبث. شيئاً فشيئاً، وليس كوني فكانت! لهذا ما أراه اليوم، وما رأيته منذ زمن بعيد، لا يراه الآخرون، ولا يصدقونه. الناس تصدّق ما ترى الآن، أو ماذا يراد لهم رؤيته فقط. أولئك الذين يشتغلون على غسل دماغهم، مثلما حصل عند تسميتي بـ"الشريرة الصغيرة". مع العلم أنّ لا مشكلة لدي مع هذا اللقب. مشكلتي الوحيدة أن ينتصر الحق، تماماً كما قال أبي قبل موته.

* قد يسأل أحدهم إذا كانت ريما رفضت قبل سنوات استئذان ورثة منصور في أيّ عمل أو حفلة تقدمها فيروز، لماذا تطالبهم اليوم باستئذانها إذاً؟ 

الفرق شاسع، شاسع جداً! حرام، هم يخلطون أحياناً بين ريما وفيروز، لأنّ الحقد والحسد أعمى قلوبهم. فيروز هي صاحبة الأعمال، ومن حقها ساعة تريد، كيفما تريد أن تغنيها وتعيدها من دون منّة من أحد، بل غصباً عن الجميع. أمّا هم، فكلا. هم ليسوا سوى ورثة ضمن ورثة آخرين. هذا هو الفرق. واضح مثل عين الشمس. لماذا يضيعون ويُضيّعون الناس؟

عذراً، ولكن أخبروني عن فنان، أي فنان، قديم أو معاصر، عالمي أو محلي، يغنّي عربي أو هندي أو أجنبي، يأخذ أغنية من مؤلف أو ملحن، ثمّ يضطر في كل مرّة أن يعود اليه ويستأذنه قبل أن يغنيها؟ هل هذا معقول؟ ألم تكن فيروز هي الأساس في تقديم هذه الأغنيات وانتشارها وإيصالها الى العالمية، بمباركة ورضى الأخوين؟ ومن قبل أن يولدوا؟ ثمّ تضطر هكذا، فجأة، أن تأتي إليهم وتستأذنهم كي تغني أعمالها؟

 

*كثيرون يسألون لماذا تقاتل ريما وحدها عن إرث يشاركها فيه كلّ من والدتها السيدة فيروز وشقيقها زياد؟ ما موقف فيروز؟ ولماذا لم يتدخل زياد على الأقل ليسجّل موقفاً معك، هو المعروف بصراحته ومواقفه الحرّة والواضحة؟

ريما تُقاتل وحدها مذ كان عمرها 12 عاماً. ولكن هذا ليس موضوعنا الآن. لماذا وحدي؟ لأن خيار فيروز، الصمت والترفع! كلكم تعرفون، وهذا ليس بالأمر الجديد! وهذا ما كانت تتمناه علينا أيضاً، ولكن عندما تزيد الأمور عن حدها لا بدّ من شخص يواجه، وصودف أن كان هذا الشخص، أنا. لأن زياد عبقري وفنان! وزياد لا يتدخل في كل هذه الأمور، ولا يعرف كلّ تفاصيلها. زياد اختار طريقه باكراً، وابتعد عن البيت والفن المتعلق بالبيت وجَوّ البيت، وسلك طريقه الخاص وصنع فنّه الخاص. ولكن زياد عدو نفسه! إذا كان هو نفسه لا يُقاتل على شغله، فهل سيقاتل من أجل شغل والديه؟ لكنّ هذا لا يعني أنّ زياد لا يعرف الحق من الباطل. بل على العكس.

 وبرغم كل شيء، هذا لا يمنع أنّ فيروز معي، وتدعمني طبعاً وتدعو لي وتصلي من أجلي لأنها تعرف حجم الثقل الذي أحمله على كتفيّ، وتدرك أنني وحدي في هذه المعركة، وفي الوقت عينه هي تعلم أنني "قدها وقدود".

واعتدت في كلّ شيء في حياتي أن آخذ رضا فيروز لأنني في النهاية اخترت أن ألغي حياتي على كل الأصعدة وأن أعيش حياتها هي، ليس كي أضايقها وأتخطاها، أو أفرض عليها وأزعجها. بل أنا بجانبها حتى أخدمها وأرضيها. وليس ضرورياً أن أقول إنّ أبي عاصي يراني في مكان ما من السماء ويبتسم مرّة ويضحك من قلبه مرّة أخرى، وأراه فخوراً بي الى أبعد الحدود وهو يقول "هذه هي ريما التي قلت عنها يوم ولدت أنّ تدويرة رأسها كتدويرة رأسي تماماً، ولهذا ستكون مهمة جداً".

*ما رأي عمّك الياس مثلاً في هذه القضية؟ ألم يتدخّل في حلّ هذه المسألة بين أبناء أخويه؟

عمّي الياس كل حياته على الحياد، لا يتدخل ولم يجرّب. أساساً هو وأولاده عانوا معهم أيضاً، ولكن بنسب مختلفة جداً طبعاً. عمّي بطبعه لا يحب أن يتدخّل، ولكن يمكن أن أقول لك إنه قلبياً معي مئة في المئة. وفينا نسأل غسان!

 

*نشعر من خلال وسائل التواصل أنك مدعومة من "الفيروزيين الحقيقيين". من هم هؤلاء؟ هل يتواصلون معك فعلياً أم أنه تواصل روحي ودعم معنوي عن بعد؟

أنا لست مدعومة من أحد. ولكن نشأت صداقة بيني وبين الفيروزيين منذ أيام "رح نبقى سوى"، الصفحة التي خصصتها لعاصي سنة 2009 كي أنشر الحقائق في مكان غير مأجور. ومن ثمّ صرنا كعائلة وهميّة أو افتراضيّة، لكنها أهم بكثير من الحقيقية! وأكيد كل شخص منهم له رأيه وذوقه وطريقته وفكره واستقلاليته وأطباعه ومعتقداته، خصوصاً الذين صاروا يدركون تماماً أنني أكره "المسايرة" والتطبيل والمديح ... والأهم أنّ ثمة قضية واحدة تجمعنا هي "الهوية الفيروزية العاصية"! وهذه العائلة تكبر مع الأيام وتزيد..

وملاحظة صغيرة، في الوقت الحالي، ما زلتُ أقاتل وحدي. ولم أحتج بعد لمساندة الفيروزيين، ولكن إذا حدث وطرحت الصوت للتعبئة، لا أضمن لك النتائج. كوني أكيدة أنك ستشاهدين ما لم يحدث أبداً.

*بعضهم يستغرب صمت أبناء منصور إزاء "ثورتك" ضدهم، وهم قالوا مرة في بيانهم إنه صمت أخلاقي. أنت كيف تفسرين عدم ردهم؟

هاهاهاهاهاها... أعتذر، ولكنه شيء مضحك جداً. صمت أخلاقي؟ حتى هذه العبارة "مسروقة" من فيروز. على هذا السؤال، جوابان يصبّان في الفكرة ذاتها. أولا، لا يردّون لأنهم ليسوا بحاجة للردّ أصلاً. عندهم "أزلامهم" في كلّ مكان. في الإعلام والتلفزيون ومواقع التواصل... ومن السهل معرفة "أزلامهم" لأنهم يكررون عباراتهم نفسها، "زيّ ما هيّ". وبرغم أنّهم حاضرون أينما كان، ضاقت في عينهم صفحتي الفيسبوكية الخاصة. لذا، يرسلون "أبواقهم" الى صفحتي لكتابة ما يريدون. والسبب الثاني هو أنهم لا يملكون الجرأة للحديث بهذا الأمر علناً. هم سبق أن تحدثوا بهذه القضية قبل عشر سنوات تقريباً، لكنّ الناس كانوا لهم بالمرصاد، وكادوا أن يقاطعوهم. يومها أدركوا أنّ المواجهة "المباشرة" ليست في مصلحتهم، فاختاروا أن يدّعوا العفة والمحبة في العلن، والطعن بالظهر في الخفاء. وفي هذه النقطة، هم موهوبون أكثر مما تتخيلين.

واخيراً، بماذا سيردّون عليّ. هم يعرفون أن ما أقوله هو الصحيح، بالقرائن والحقائق والوقائع والتاريخ! ليس عندهم ما يقولونه غير أنني فاشلة، معقدة، آنسة، "حاجزة" فيروز و"حاجرتها"... ناقص أن يتهموني بأنني اخترعت الكورونا كي أنفذ مخطط الحجر على فيروز!

 

*كيف انتهت قضية المرسوم الوزاري الصادر في 2009 الذي قضى بإدراج فنّ منصور الرحباني والعائلة الرحبانية ضمن المنهج التعليمي، بدلاً من فن الأخوين؟ وهل كانت هذه القضية بداية المشكلة أم أنها تعود الى ما قبل وفاة عاصي؟

تعود الى ما قبل وفاة عاصي بوقت طويل! ولكن هذا المرسوم كان حجتي والفرصة التي جاءتني على طبق من فضة، كي أقول للناس ما كان يحدث منذ سنوات في الخفاء. ولولا هذا المرسوم، كيف كان ممكناً أن أقنع الناس بأنّ ما أقوله هو الصحّ. وخاصة أن لا أحد يعرفني أو يسمع باسمي، برغم أنني أعمل منذ زمن طويل، لكن بصمت. فأنا لم أعتد أن أتفاصح مثلهم، ولا أتقن "الرغي واللعي".. ولولا هذا المرسوم فستكون محاربتهم لي أسهل بكثير، لكانوا اكتفوا بالقول إنني أتجنى عليهم لأنني "غيرانة ومعقدة"، ولربما كان سيصدقهم الناس أكثر اليوم. أخيراً، انتهت القضية بأنّ الوزير الياس بو صعب، الفيروزي والعارف بالحقيقة أين هي وكيف تكون، صحّح المرسوم وأعاد الأمور إلى نصابها.

ولكن اليوم وفي هذه اللحظات لا أعرف ما يمكن أن يكون قد حدث بهذا المرسوم؟ لا يمكن أن أؤكد لك شيئاً. لأنهم فور تصحيحه من قبل الياس بو صعب، قامت قيامتهم ولم تقعد! يومها توعّدوا بإعادة المرسوم كما كان، فور ذهاب أبو صعب!

وهنا نتأكّد مرّة جديدة أنّ اسم عاصي لم يسقط سهواً، كما ادّعوا مرّة، بل عمداً!...

 

*في منشور فيسبوكي لك، ذكرت أنّ فيروز والأخوين خطّ أحمر وهم القيمة الثقافية الوحيدة المتبقية في لبنان، وأنّ إعادة أعمالهم ستضعهم تحت طائلة المسؤولية. كيف؟ وهل قصدت أسامة بأنه الأخ الذي يمنع أي فرصة للتفاهم بينكم؟ بماذا تتوجهين الى أسامة من أجل إنهاء الخلاف كلياً؟

أنا طالبت المعنيين، إذا ما زال هناك من معنيين شرفاء في هذا البلد، كي يطبقوا القانون الموجود، الذي يحمي الملكية الأدبية والفنية. وقتها يصبح الفن والثقافة وإرث فيروز والأخوين خطاً أحمر، مثلما كان سيحصل بديهياً في أي بلد حضاري، من دون جميلتي وحربي المستديمة!

وبالمناسبة، عندي اقتراح أو سؤال! منصور وقّع أعمالاً منفردة. لماذا لا يشتغلون عليها ويوزعونها على من يريدون من الفنانين؟ لماذا يصرّون على إعادة أعمال فيروز حصراً؟ أريد أن أفهم ما سرّ هذا الإصرار على التسلّق على إرث فيروز!

وعن المقصود بكلامي، نعم طبعاً، قصدت العبقري "الزغير"! إخوته ليسوا أبرياء تماماً، ولكن يمكن أن نجد معهم باباً للتفاهم. أما هو، فمستحيل. مستحيل!

ولن أتوجه له بأي شيء غير ما كتبته على الفيسبوك بكثير من الأدب، نسبةً الى ما اقترفه من جرائم قدح وذم وتشويه بحق الإرث، وبحق بيت عاصي، فرداً فرداً، في العلن وفي الخفاء. وإذا أردت، عندي الكثير من الوثائق. و"الفيروزيون" الحقيقيون بالملايين.

 

*متى يمكن جمع كل الإرث الرحباني وإرث فيروز في مكان رسمي واحد؟ من المسؤول عن تأخير هذه الخطوة؟

آآآآآآآآآآآآآخ من "متى". كان من المفترض أن يحدث ذلك من زماااااااااااااااان كثير! من عشر سنوات على الأقل. كنّا نشتغل على الموضوع من عشر سنوات أنا والمحامي الأسطوري، وهو بمثابة أخ حقيقي! ولكن أليس من الضروري وجود شخص يمكن التعاطي معه؟ إذا كنت أساساً مُحترمة، وتحترمين حقّ الآخر، الذي لا يعرف أصلاً أين يبدأ حقه وأين ينتهي. كيف سيحصل التلاقي؟

القصة ليست سهلة أبداً! لأن فيروز وبيت عاصي دقيقون جداً في ما يخصّ الحقوق وأصحاب الحقوق! وليس ممكناً أن يسمحوا لأنفسهم بأن يخطئوا في حق أحد أبداً.

فمن جهة ورثة منصور، ومن جهة أخرى ورثة فيلمون، وهم ينسون أصلاً أنّ لهم حقوقاً عليهم. وكذلك ورثة عبد الوهاب وزكي ناصيف، إضافة إلى زياد وعمي الياس! كثيرون هم الورثة، وليس ورثة الأخوين فقط.

كل هؤلاء لديهم اليوم حقوقهم، بينما فيروز هي التي غنّت أعمالهم ونشرت عبر العالم أعمالهم، وبسببها ولأجلها ومعها وعبرها يعود لهؤلاء حقوقهم، وهي أيضاً لديها حقوق! عندما يستوعبون هذه الفكرة يمكن أن نخطو نحو الحلّ، ونفكّر بالـ"متى"!

 

فيروز وماكرون: فرنسا كرّمت فيروز ممثلّةً بالرئيس... فما داعي ل"حفلة الشحادة"؟

 

 

*الصور التي نشرتها للسيدة فيروز غداة لقائها مع ماكرون أحدثت حالة من البهجة رغم الحرقة التي يعيشها لبنان. ولكن ماذا خلف هذه الصورة؟ كيف استقبلت انت وفيروز قرار ماكرون بزيارتكم؟ ما الذي أضافته هذه الزيارة الى فيروز، هي التي غنّت كلّ المدن ولم تغنّ لزعيم واحد؟

أول شيء الصور التي نشرتها هي الصور الوحيدة التي وصلتني من المصورة الخاصة بالرئيس الفرنسي، وآسفة لأنّ الجميع تناقل الصور من دون ذكر اسم المصوّرة، أو مصدر الصورة، في حين أنني حرصت على وضع المصدر على رأس "البوست". كيف استقبلنا الخبر؟ بحذر وترحيب!

في الحقيقة، أظنّ أنّ هذه الزيارة لم تضف لفيروز بقدر ما أضافت لشعب فيروز وبقدر ما ردت الروح والكرامة لأهل لبنان. ويمكن هذا من ضمن أسباب أخرى جعلتنا نسيطر على رعبنا من هذه الزيارة، في ظل انتشار وباء كورونا. هذه الزيارة لفيروز تحديداً هي بمثابة زيارة لكل شريف في هذا البلد.

 

*كثيرون تخيّلوا تفاصيل اللقاء. هل تحدثا بالسياسة أم عن لبنان والفن فقط؟ ماذا تخبريننا عن كواليس ما جرى؟

كان اللقاء جميلاً جداً، وعفوياً جداً. شعرنا كأننا نجالس صديقاً نعرفه وليس رئيس دولة. أمّا عن الأحاديث فهي ستبقى "داخل الصالون"! أنا بصراحة احترمت كلّ ما صدر عن الرئيس ماكرون بعد تلك الزيارة. لا شك بأنه ذكي جداً، والأهم بالنسبة إليّ، انه فهم فيروز، وعالم فيروز، وجوّ فيروز، وحياة فيروز، وخصوصية فيروز، فقط عبر زيارة دامت ساعة وربع، رغم أننا لم نتطرق الى كلّ هذه الأشياء التي فهمها! فلم يصدر عنه أي تصريح آخر او إفشاء لنوع الحديث او مضمونه، ولا يمكنني تجاه هذه الخطوة اللائقة والنبيلة، الا ان أقابله بالمثل!

*هل تمّ تصوير اللقاء على طريقة الفيديو؟ لماذا لم يحضر زياد اللقاء؟

بصراحة لا، لم يتم التصوير! أدرت الكاميرا وتركتها وحدها ونزلت لاستقباله! وعندما رجعت معه لم أتفقّد الكاميرا، إلا بعد خروجه! واكتشفت انها، لسبب ما، انطفأت في غيابي، حين كنت في استقباله خارجاً.

أما عن زياد، فلم يكن موجوداً لأن اللقاء أساساً ليس عائلياً. هو ليس كوكتيل! الرئيس ماكرون طلب زيارة فيروز في بيتنا صحيح، ولكن ليس مع العائلة! طلب زيارة شخص فيروز، رمز فيروز، ولا مكان لأحد غيرها. أما وجودي أنا فلأنني خيال فيروز، لخدمتها، وليس لكوني ابنتها! ليس كل ما يُشاع حقيقي. كل شيء كان كما يجب أن يكون.

* ما قصة الهدية/ اللوحة التي شغلت بال المتابعين؟

"معليه خليها تشغلن بعد"!.

*عند لقاء ماكرون، عرضت قناة ال بي سي حفلة للسيدة فيروز في باريس. كثيرون تساءلوا لماذا لم تعرض حفلات فيروز المصوّرة من قبل؟ وأنت ذكرت مرّة أن نوادر أعمال الأخوين وفيروز موجودة في جوارير تلفزيون لبنان ولا تعرض. هل فعلا التعتيم على أعمال فيروز الأصلية ممهنج ومبرمج؟

هذا صحيح. وما كتبته على فيسبوك أكيدة منه، ولا أكتب سوى الحقيقة! لأن مصداقيتي جزء من كرامتي، وكرامتي تساوي الدنيا. هذا كلّه ممنهج ومبرمج من زمان! هدم حضارة وثقافة وتاريخ البلاد العربية من قبل الصهاينة المتمثلين بداعش الفن، عبر تشويه الفن وحصره بفن اليوم الهابط الى درجة الغثيان! وتربية الاجيال عليه، وبثه بشكل مكثف عبر كل الوسائل الاعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة! نحن في عصر الانحطاط. وهذا الانحطاط لم يأت وحده، بل ثمّة من دعمه وموّله ونشره بموازاة التعتيم على الفن الأصلي الحقيقي الحضاري والعصر الذهبي! الأمر ليس صعبا. يكفي مراقبة الواقع حتى تكتشفي أن الحق معي وأنني لا أهذي ولا أتخيّل، وانما أقول الحقيقة عن قناعة وعن تجربة شخصية.

ما يهمني من كلّ هذا الآن هو إرثنا نحن. لست المهاتما غاندي ولا الأم تيريزا، كي أحرّر الشرق! انا أحكي عن الشق المتعلق بإرث أهلي!

لماذا اشترت قناة "ال بي سي" أعمال فيروز إذا كان هدفها وضعها في "الجارور"؟ اشترت الأعمال كي تتحكم بها. والتحكم المطلوب كان وما زال "الجارور"! ولهذا، يجب أن نبحث عمّن يملك مفتاح الجارور! لماذا تلفزيون لبنان، القادر عبر عرض الارشيف المرمي تحت سابع أرض، مع الجرادين والعفونة، أن يصير أغنى تلفزيون! لماذا يترك مثل هذه الثروة في مكان مهمل بدلا من عرضها؟  لمصلحة من كلّ هذا؟ اكيد ليس لمصلحة التلفزيون!

لقد حاولت مرات عدة، وبكل الوسائل المتاحة، أن أنقذ هذا الأرشيف، وعلى حسابي الخاص، لا لشيء سوى كي أنقذه من الزوال، وحاولت أن أقدّم نسخة رقمية محمية الى التلفزيون، مع الاحتفاظ بنسخة لي، لكنّ طلبي رُفض الطلب بشتّى الطرق! لماذا؟ وعندما أرسلت شخصا، بعد إصرار وإلحاح لا يوصف، كي يقعد عندهم وينسخ كل شيء، لم يعطوه إلا فتات الشغل والارشيف، مدّعين ان هذا كل شيء عندهم! رغم انني أخذت سابقا جردة من أحد المحبين بكلّ الأعمال الموجودة عندهم فعلاً؟

انا لا أملك كل الارشيف! وأولاد منصور الذين يحاربونني ويحاربون فيروز، انما هم يملكون نسخة من كل شيء، وممنوع علينا أن يكون عندنا نسخة خاصة بنا. هل نسيت الصاروخ والمكتب؟ نحن ليس عندنا "النوتات" الاصلية والنصوص بخط عاصي! يمكن مع الوقت تزول وتصير مكتوبة بخط أحد آخر...

هل يعقل أن تكون كل هذه الأمور صدفةً برأيك؟ لسوء الحظ أنّ مصالحهم الشخصية تقاطعت مع مصالح "دواعش الفن". أولاد منصور متواطئون مع اصحاب هذا النفوذ، لأن مصالحهم مشتركة! هكذا هي الحقيقة، بسيطة وواضحة وبالقرائن أيضا.

 

ريما والرأي العام: ألبوم "ببالي" حورب ضمن خطة ممنهجة

 

*ثمّة هجوم كبير تتعرضين له بعد كل ما تنشرينه تقريبا... هل تعترفين بأنك محاربة حاليا؟

نعم، أكيد محاربة، ومن كل الذين ذكرتهم سابقا! محاربة لأني الوحيدة التي تكشف الحقائق! ولأن الناس تعرف أنني صادقة ولا مصلحة لديّ، ولا أقول شيئا ان لم أكن متيقنة منه بنسبة مئة في المئة. ولكن المحاربة كما ذكرت لك سابقاً من أزلامهم وبتحريض منهم فقط، وليست محاربة لرأي آخر! لأنني محقة بمطالبتي فقط لا غير. يعني "ريماليكس" تقريباً! على ما قال أحد الفيروزيين.

 

*كيف تردين على من يقول إنك الآمر والناهي بكل ما يخص فيروز وإنك لست براغماتية مع من يرغب في التعاون معها؟ هل من شروط معينة تفرضينها؟ هل غيابها عن الإعلام بقرارها الشخصي؟ هل تشتاق الى جمهورها؟

سبق وقلت، أنا بنت فيروز، ولست أم فيروز! وأنا بجانبها لخدمتها ولراحتها. وأنا أشتغل بإمرة فيروز وليس العكس! اكيد الغياب الإعلامي بقرارها ومن زمان جداً!

وأين هو هذا الإعلام أصلا؟ مع احترامي للجميع، أنا أرفض أن أعمل معه حديث، فكيف بفيروز؟ وعلى فكرة، الإعلاميون الحقيقيون يقدرون خيار فيروز ويتفهمونه ويساندونه. أما "الفرافير"، فلن نتحدث عنهم طبعا. واحدة من هؤلاء، سألت ماكرون بعد كل الانطباع الرائع والمؤثر الذي نقله عن فيروز: هل غنّت لك فيروز؟ ماكرون نفسه انصدم. معقول؟؟... وتقولين إعلام؟

*هل تعتقدين أنّ الهجوم على ألبومك الذي قدّمته للسيدة فيروز هو أيضا ضمن خطة ممنهجة أدت الى انتقاده حيناً، والتعتيم عليه أحياناً؟

الهجوم هو ضمن الخطة الممنهجة، ومن دون أدنى شك. أما التعتيم، لا. الحق عليّ وسأخبرك لماذا. أنا فكرت أن أضع الأغنيات في البداية مجانا للناس على صفحة فيروز. لكنّ المحامي لم يوافقني، باعتبار أنّ فيروز مكانها في شركة عالمية محترمة وليس من انترنت في إنطلياس! اعتقدنا أنّ شركة بحجم "يونيفرسال" ستشتغل بطريقة مختلفة عما يمكن أن أقدمه من وراء الكمبيوتر.  اقتنعت! وقعنا مع "يونفرسال" وسلمناها العمل! وما إن استلمته حتى صارت هي العدو نفسه! يا لطيف! كيف؟ ولماذا؟ بصراحة لم أفهم حتى الآن ماذا حدث؟ تعرضنا للأذى منهم بأساليب مختلفة، وبصراحة نفرتُ منهم وما عدت أتعاطى معهم حتى هذه اللحظة!

كان الاتفاق على اسطوانة "فينيل"، ثم انتهت بـ "سي دي" فقط! كان الاتفاق أن تنزل الأغنيات أولا في البلاد العربية، ولكن حصلت مماطلة ولم تصدر الأغنيات الا بعد وقت طويل، وآخر شيء وصلت الى البلاد العربية! وذلك من دون أي دعاية أو تسويق أو تنسيق مع الصحافة. وفوق هذا كله، نزلت أغنية "لمين" على "آي تيونز"، مع تغيير بـ"البيتش" بشكل مرعب! وهذا لا يحدث وحده من آبلود أو داونلود! هذه مقصودة و"ملعوب" فيها عمدا! كان الأذى واضحاً. بصراحة لم أفهم الى الآن لماذا حدث هذا الأمر، ولا طاقة لي على التعاطي معهم. ولكن الأكيد أن هذه الأشياء كانت مقصودة قبل أن ينتهي مصير الاغاني مع "أنغامي". طيب لو كنت أريد أن أوقع عقداً مع أنغامي، كنت على الأقلّ قبضت ومضيت! لأتفاجأ أنهم أعطوهم العمل من دون أن أتقاضى أي مبلغ، في وقت أنه عندي "فيتو" أصلاً على انغامي.

وأنا حين لجأت الى الشركة العالمية المذكورة فهو لأنني ببساطة أكره التسويق، فقط لا غير. وبموازاة إهمالهم، وجدت نفسي مضطرة الى تسويق السي دي، ولولا الفيديوهات التي نشرتها على صفحتي لما عرف أحد بهذا العمل. علما أنني لم أشارك الفيديوهات كتسويق بل كمشاركة بيني وبين الفيروزيين!

وهنا كلمة حق تقال، التقصير الاعلامي كان مني لأنني لا أجري لقاءات صحافية ولا حوارات ولا أدعو الصحافة ولا أرسل لهم الأسطوانات ولا أقدّم أي مجهود في هذا السياق لأن "رأسي أعوج"! هكذا أنا، أرفض أن أسوّق لعملي! لا أتخيل نفسي وأنا أتكلم عن شغل خاص بي ولم أفهم هذا الأمر في حياتي. كيف يمكن أن أطلّ على الناس لأتكلّم عن عملي وأصنّفه؟ هذا شيء معيب في رأيي. قبل سنوات عديدة، أصدرت كتاباً مع "النهار"، أيام الصديق العزيز غسان تويني، وكان من ضمن الشروط أن أقيم حفلة توقيع للكتاب! عندها قدّمت الكتاب مجاناً ولم أوقع العقد كي لا أضطر الى إقامة حفلة توقيع.

*هاجمت مايا دياب بقوة/ وبسخرية لاذعة انتقدت استعراضها التلفزيوني الذي غنّت فيه أغنيات فيروز كهدية لبيروت وأهلها بعد الانفجار. ألم يتمّ استئذانكم قبل هذا العمل؟ ألم يتواصل أحد معكم قبل هذا العمل؟

استئذانُنا؟ عفواً؟ ماذا تعني هذه الكلمة؟ لم أسمع بها. الوقاحة أصبحت الى درجة أنهم يعلمون سلفاً أن إعادة غناء هذه الأعمال غير مرغوب به، لكنهم يكملون بالموّال لأنهم تقاضوا مبالغ من أجل فعل ذلك، فضلا عن رغبتهم الأساسية في التسلّق والاستفادة والشهرة.

الفكرة أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم "فنانين" لا يعلمون شيئاً عن الحقوق!؟ ولا يعرفون بالأدب!؟ ولا يفقهون معنى المحبة!؟... يا جماعة هذا ليس "نكاية" بريما! إنها نكاية بالحضارة وبالثقافة وبالرمز، الذين تعترفون جميعكم بأنها هي الرمز! تقولون ذلك كي تظهروا بمظهر الحضاريين! لو صحيح رمز كيف ترضون اذا بتهشيمه؟! انتهى.

* بماذا تجيبين من رفض الانصياع لهذا القرار بذريعة أنّ فيروز للجميع؟

أوافق على هذه الجملة وأنا مؤمنة بها أيضا. ولكن الطريقة التي يتم فيها تفسير هذه العبارة تجعلني متيقنة أن لديهم قصوراً في فهم المعنى. "فيروز للجميع" لا تعني ابدا أن فيروز "مشاع" لمن يريد أن يتعدى على أعمالها وممتلكاتها وخياراتها... فيروز للجميع، يعني صوت فيروز للجميع، يعني أعمال الأخوين بصوت فيروز للجميع، وليس تجزئة الاعمال وإقصاء فيروز عنها، هو حق متاح للجميع.

امّا بالنسبة الى الشق القانوني، فما رأيك أن نرجع الى رئيس "الساسيم" كي يخبرنا إذا كان نظام "الساسيم" يتيح لمن يشاء، ودون اذن صاحب حق المؤلف، أداء ما طاب له من اعمال فنية ملك الغير. سؤال. ما رأيك أن نسأله هذا السؤال؟

 

*ذكرت في منشور لك أن فنّ الأخوين عظيم لكنه ما كان لينجح بهذا الشكل لولا صوت فيروز. ومن دونها كان يمكن أن يبقى فنهما محدوداً في منطقة انطلياس. هل برأيك والدك عاصي كان يمكن أن يقبل بمثل هذه الفرضية؟ وهل كان يعتبر فعلاً أنّ فيروز سرّ مشروعه الفني؟

أكيد! عاصي كان مؤمناً بصوت فيروز وقدراتها وشخصها. وكلمة "شخصها" مهمة جداً. لأنّ "شخصها" هو الذي نشر وأبدع وحلّق، وإلا ما كان حَمَّلها كل هذا! ولما كانا سيبدعان معاً ويصنعان كل هذا الفن والجمال! ما حدث لا يوصف! ولن يتكرر ابداً، لا الآن ولا بعد ألف سنة! حالة فريدة وايمان متبادل بينهما سمح لهذا الفن أن يوجد! أنجباه معاً... مثلما أنجبا زياد وهلي وليال وريما، الشيء نفسه تماماً.

*لماذا لم تقدّم فيروز حفلة منذ نحو عشر سنوات علما أنّ صوتها كما بدا في أغنيات البومها الأخير "ببالي" ما زال محافظا على ألقه ورونقه؟

مثلما رفضت أن تغني في لبنان خلال الحرب اللبنانية، ترفض فيروز أن تغني في أي مكان في ظل حروب المنطقة. بمعنى آخر دائماَ يحمّلون فيروز عبء موقف ما، من خلال اي اطلالة لها. وبالتالي في جو الانقسامات في وطننا ومناطقنا وشعوبنا العربية، يمكن فيروز لا تريد أن تحمل موقفا، قد يُفسّر على انه لطرف على حساب طرف آخر.

 

* فيروز مقلّة منذ بداياتها بالظهور الإعلامي وهي قالت في أكثر من حوار أنها تفضل الغناء على الكلام وأن مواقفها موجودة دائما في أغنياتها، ومع ذلك هناك من يتهمك بأنك سبب غياب أو "عزلة فيروز". هل يزعجك هذا؟ وما ردّك؟

هذا اتهام مثله متل "فاشلة" "معقدة" "مين بتكوني".... هم لا يزعجونني بل يضحكونني ويؤكدون لي أنني ما زلتُ أمشي على الطريق الصحيح والمُشرّف، وثابت قلبي يا الله ثابت قلبي.

 

ريما والسينما: لن أصوّر قضية العائلة سينمائياً... وفيروز تكتب مذكراتها

 

*أنت درست السينما. وقدّمت الكثير من الأعمال الجميلة، منها فيلم "كانت حكاية" الذي أنجزته بمساندة فيروز كتحية الى روح عاصي. لماذا لا نراك في أعمال أخرى مشابهة؟

الوقت! ضيق الوقت نظراً لكمية وهول وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقي.

 

*في فيلمك "كانت حكاية"، وهو من أحلى المراجع عن فيروز وعاصي، تقول فيروز: "الوقت هو اللي بقول وبحدّد كل الأشياء"... ما هي الحقيقة التي لا بد أن يؤكدها الزمن؟

أي حقيقة! مش حقيقة وحدة! واحدة من هذه الحقائق التي سيحدّدها الوقت، عاصي! هو الذي كان وما زال ولن يكون بعده. عاصي هو المعلم والأساس في تلك المملكة!

*هل يمكن أن تقدمي فيلما كتحية الى روح شقيقتك ليال التي كانت أيضا مخرجة وفنانة ورحلت مبكرا جدا؟

أعتقد أن أفضل تحية قُدِمَت لليال كانت بطلب من زياد حين سافرت الى المانيا ونسخت المسرحيتين اللتين صورتهما ليال "سوبر 8 "، وهما "بالنسبة لبكرا شو" و"فيلم اميركي طويل". وقمت بتقطيبهما "فرايم فرايم" حتى شعرت أنّ عينيّ خرجتا من وجهي. فعلت ذلك مجاناً وبلا أتعاب رغم ان الشركة التي أخذت العملين اغتنت بسببهما، ومن دون أن يضعوا اسمي! كان ينبغي أن أقاضيهم وأخربها فوق رؤوسهم وأوقف العرض، ولكن كما العادة، عاطفتي وايماني بما أفعل غلبتني! اعتبرت بيني وبين نفسي انها تحية لليال وخدمة لزياد! وهما الاساس و"بحبّن بالأساس".

*أنت ترافقين فيروز منذ زمن، ولكن لم يكن لديك أي ظهور إعلامي ولم نعرف يوما طبيعة عملك طوال تلك السنوات. هل يمكن أن تحدثينا أكثر عن عملك؟

"بتاع كلو" بالمصري. للحقيقة عملي لا طبيعة له! خارج عن الطبيعة! أعمل كل شيء، كل شيء.. من الإشراف للإنتاج للإخراج للتصوير للتنظيم للقرارات للمرافقة وصولا الى تلزيق السجاد وخياطة زاف البرداية و"الهوفر" وتجريب كلّ مقاعد المسرح كي أعرف كيف سيشاهد كل شخص منهم فيروز من مكانه، وما إذا كان قائد الأوركسترا سيحجب رؤيتها عنه أو مصور الحفلة مثلا. ولا تنتهي مهمتي عند استيعاب كل فرد من أفراد الفرقة مع دراسة شخصيته ونفسيته والتصرف معه على أساسها... يعني حقيقي لا يُختصر عملي بكلمة او بصفة! ولكن الاهم انني في الوقت عينه أنا الشخص الممحوّ على جميع الأصعدة! لا أحد يراني، بدءاً من فيروز وصولا الى الجمهور! الآن وفي هذه اللحظات وجدت الصفة الضائعة. انا "كاسپر". مثله أنا، أدخل من الحائط، وأخرج من حائط آخر من دون أن يراني أحد، لكنني أرى الجميع.

*أنت ترافقين فيروز في البيت وفي كل حفلاتها ورحلاتها منذ عقود، ومطلعة على حياتها الغنية. ألا تفكرين في كتابة مذكراتها أو ربما كتابة رواية سير ذاتية عن عائلة عاصي الرحباني خصوصا أنك تعبرين دائما بالكتابة؟

لا. لماذا أكتب مذكراتها أنا؟ فيروز هي الوحيدة التي تملك حق أن تكتب سيرتها. وطبعا هي في صدد كتابتها.

*خبر جميل... هل من تفاصيل أخرى عنه؟ ومتى يمكن نشره؟

"كل شي بوقتو حلو".

*ألا يراودك حلم السينما؟ ما هي القضية التي تحبين معالجتها في فيلم من توقيعك؟

لاحظت مع الوقت ان الاحلام لا تتحقق دائما. ما يتحقق هو ما لا نحلم به، ولكن يأتي وقته لكي يحدث! لهذا لم أعد أحلم!

 

 

 

ريما وفيروز:طباعي أقرب الى والدي... وأمي تتحلّى بالإيمان والصبر والتفاؤل

 

*ماذا يعني أن يكون الشخص ابن عاصي وابن فيروز؟ هل يمكن أن يكون الإنسان طبيعيا، متوازنا، عاقلا حين يكون ابنا لقطبين مثلهما؟

لا طبعا. صعب جدا ان يكون الشخص متوازنا! ولكن لا أعرف حقيقة كيف "زمطت"، بمعنى نجوت، وطلعت طبيعية. أو ربما أعرف السبب! هي المسؤولية المبكّرة اللي حمّلني اياها والدي! من سن 12 سنة كانت مسؤولية البيت على عاتقي من دون أن أعرف السبب! ولكن لا شك ان هذا الأمر جعلني أكون الشخص الذي أنا هو عليه اليوم! ومن ثم رحل باكرا! ووجدت نفسي مرة أخرى في الوضع نفسه تجاه أمي، فكانت المسؤولية عليّ! المسؤولية هو الجواب للتوازن! مع الإشارة أن المسؤولية غير المسؤول! "كتيييير بتفرق". المسؤولية يعني أن يكون عندك ضمير ووعي ونبل ونزاهة وشرف وكرامة وعزّة! وليس مجرّد قرار!

*ماذا أخذت ريما من عاصي وماذا أخذت من فيروز؟ من منكم ورث طباع فيروز ومن ورث طباع عاصي؟

أخذت أشياء كثيرة من أبي! لا يمكن أن أعدها، لكنها كثيرة! ومن امي، لا أعرف. ربما الصمت والصبر!

طباع إخوتي أقرب الى أمي وأنا مثل أبي.

 

*نرى أبناء الفنانين اليوم يعيشون كما النجوم (كثير من البذخ والترف)، في حين أنكم عشتم حياة بسيطة بعيدا من الأضواء؟ من الذي زرع فيكم هذه القيم، والقوّة/ اللامبالاة تجاه كل أنواع المغريات؟

لا أحد. الحياة ربما؟ او ربما بالفطرة! على الأرجح جينات، لا أعرف! ولكن الاكيدة منه انّ هذه الأمور، إما تكون عند الشخص أو لا تكون. هذا الشيء لا يُكتسب ولا يُعطى! لا يمكن تعليم الشخص أن يكون كذلك!

 

هل تتابعين الحالة الفنية الراهنة؟ كيف تجدينها؟

بشكل عام، نحن متفقون جميعاً أن المشهد الفني الحالي يعكس انحطاطا شاملا وكاملا، فنيا وأخلاقيا وثقافيا واعلاميا...

*ما هي أحبّ أغنيات فيروز الى نفسك من ارث الأخوين؟ وأي اغنية من أغنياتها مع زياد هي الأقرب اليك؟

يصعب أن أحصر تاريخا هائلاً بأغنية! صعب جدا.

ولكن إذا أردت جوابا فأقول "طريق النحل" من عاصي، و"ايه في امل" لزياد، مع التأكيد أنّ حصر الأعمال بأغنية واحدة مستحيل، وإنما هذا أول ما خطر في بالي.

*العالم العربي انقسم على كلّ شيء، الا على حبّ فيروز. كيف تتعامل فيروز مع هذه المحبة العظيمة لها. ماذا يعنيها كل هذا الحبّ؟

بمسؤولية كبيرة ورهبة أكبر! اكيد.

*عائلتكم عرفت الكثير من المشاكل والقصص التراجيدية. كيف تعاملت معها فيروز؟ هل هي امرأة قوية أمام الأزمات؟ وماذا عنك، هل صنعت منك امرأة أقوى؟

تتعامل معها بصمت وصبر وايمان! قوية؟ نعم وكلا! تخاف جدا وفي الوقت عينه إيمانها أكبر من أي شيء. ترى الى الأشياء على أنها "غيمة وتمضي"! حتى وإن لم يكن الأمر كذلك في الواقع!

أما انا، فبمقدار ما رأيت وعشت من ويلات و"وهلات" وأزمات في حياتي، أعتقد أنني صرت قوية. ولكن الظاهر ليس الباطن! يعني ممكن أن يكون المرء مذبوحا من شدة الألم تجاه حدث معين، مثل موت أحد او مرض أحد، من دون أن يبدو وجعه ظاهريا، بل على العكس يقف بجانب غيره ويحاول أن يسكّن وجعهم ويضحكهم.

 

*شائعات كثيرة للأسف طاولت فيروز وعلاقتها بعاصي قبل وفاته. هل يمكن توضيح هذا الأمر الذي ما زال يشغل الناس عن قامتين اجتمعتا وغيّرتا تاريخ الفنّ والثقافة في لبنان؟

انت قلتها، ليست سوى شائعات! وكانت مشغولة بحرفية وبإتقان. وأكتفي الآن بأن أسألك بدوري سؤالا:

لماذا كل الشائعات عبر الزمن لم تُطاول سوى فيروز وعاصي وزياد وليال وريما، حصراَ؟ لماذا الحرب كانت على هذا البيت وأهل هذا البيت فردا فردا وعلى مرّ الزمن وبأشرس وأبشع الطرق؟

*غالبا يتساجل الناس حول الثالوث الرحباني. من الذي خلّد الآخر، فيروز أم الأخوان. أنت ذكرت في منشور أنّ صوت فيروز هو الأساس. ولكن برأيك ما الذي جعل حب الناس اليها يصل حدّ التقديس؟

السبب بكلمة واحدة "شخصها". ثم شخصها ثم شخصها، هنا يكمن السرّ كلّه! الكلام واللحن والتوزيع والمواضيع والنبل والعبقرية والموهبة والصوت أشياء مهمة طبعا وجميلة ولكن لولا "شخص" فيروز لما كان حدث ما حدث.

هذا الشيء كان يعرفه عاصي، وانتبه اليه منذ البداية. ومثلما أذاب نفسه بالأخوين، كان مؤمنا من الاساس بتذويب الاخوين بفيروز! لان فيروز تختزن بصوتها عبر شخصها، كل نبوغهما.

*إذا استثنينا الأخوين وزياد، مع من أحببت فيروز أكثر: عبد الوهاب، فيلمون، زكي ناصيف...

أكيد فيلمون، وأنا أضعه مع زياد والاخوين! أما عبد الوهاب فهو عبد الوهاب! فهو الكبير والعظيم والصديق!

 

 من هي القامات التي تعتقدين أنها أعطت كثيرا للبنان ولفنّه وثقافته بعيدا عن عائلتكم؟

 

هناك قامات كتير أعطت للبنان وفنه. جبران خليل جبران وسعيد عقل وأنسي الحاج وزكي ناصيف وتوفيق الباشا... وطبعا غيرهم الكثير... يصعب حصر الأسماء كلها، ولكن هذا ما حضر في ذهني الآن. باختصار، ثمة عصر ذهبي تجلى في كل المجالات الفنية والاعلامية والاجتماعية والثقافية والتربوية و....

*كيف تتفاعل فيروز مع أزمات لبنان ومستجداته المنهكة؟ هل تشعر اليوم بخيبة؟

اولاً، هي لا تتفاعل مع... لأنها لا تتعامل مع... فيروز عندها مقدرة على التفاؤل، لا أدري من أين تأتي بها. الله أنعم عليها بهذا التفاؤل مهما كان هول الأزمة، وكأن ثمة شيئا في داخلها يمنعها من التصديق، الى حد يجعلها متأكدة من أنّ كلّ الأمور ستُحلّ، بعد لحظات. في داخلها قدرة إلهية على حلّ جميع المشاكل والأزمات في رأسها، حتى وإن لم يكن لها حل على أرض الواقع. يبدو أن إيمانها ساطع أكثر من الغضب الساطع!

وعن الخيبة...؟ ماذا تعتقدين؟ "ما تزعل مني يا وطني"! ولكن كما سبق وقلت إيمانها يغلب خيبتها!

 

* هل أسطورة لبنان التي عرفناها في أغنيات فيروز مع الأخوين هو مجرّد وهم عن وطنٍ مستحيل؟ وهل المشكلة في تركيبة لبنان أم في طباع أبنائه؟

المشكلة في الاثنين، تركيبته وطباع أبنائه! وأعتقد يمكن أن نختصر الموضوع بطباع أبنائه المسؤولين عن تركيبته!

أكبر العلل في أبنائه وطوائفهم! الحل الوحيد لخلاص لبنان هو مثلما قال عاصي الرحباني، من زمان

جدا، "يجب أن يحكُم لبنان أفضل أبنائه من أيّة طائفة كانوا".

ما قدّمته فيروز والأخوين ليس وهماً عن وطن مستحيل انما هو حلم بوطن قد يكون قابلا للتنفيذ.

ولبنان اليوم اكيد لا يستحق كل هذا الحب! انما لبنان الذي كان حلما قابلا للتنفيذ! على أمل أن يصبح قيد التنفيذ.

*كلمات أو نصيحة تتذكرينها من عاصي الرحباني؟

كثيرة جدا هي الأشياء التي قالها لي "المعلم" الاصلي، باعتراف الجميع وأولهم منصور، وهي تعنّ على بالي دائما:

"كل انسان وحدو، هوي ومرتو وحدو، هوي وولادو وحدو، هوي وحالو وحدو! قد ما حبّك يا بيي اذا موجوعة  ما فيني اعملك شي! فيني واسيكي بس الوجع رح تضلك تحسيه وحدك، ما فيي انوجع عنك!".

هذه الكلمات لا تذهب من بالي وهي توجعني أكثر من الوجع! ومن كلماته المحفورة في ذاكرتي أيضا: "أقوى شي اللي ما بدو شي"، وأيضا "بيّي ما تخافي إذا سبّوكي (شتموكي) بالعكس يعني شاغلتيهن منيح!"

 

*أخيراً، كيف تردّين على كلّ من أساء لريما الرحباني؟ وهل تقولين بعد كلّ هذا "إيه، في أمل؟".

 

لا أردّ على أحد، ولا أعتقد أن الذين أساءوا لي يعرفون حقا لماذا أساءوا، وما زالوا يسيئون ويشتمون. هم مجرد وسيلة لتوصيل الإساءة عن غير فهم. يعني في مكان ما أفهمهم وأعذرهم! واكيد لا أتكلم هنا عن الواقفين خلف الناس المسيئين. في أمل؟ اكيد في امل، وإذا الأمل غير موجود يجب أن نخلقه غصبا عن الجميع.

من صنع هذا المجد وهذه المملكة، تعب كثيرا كي يصنعها. فهل يجوز لمن ائتمن عليها ان يهرب أو يستسلم أمام حائط مسدود؟ لا! يجب أن يهدم أو يحفر طاقة كي يدخل منها، وحبات المطر كفيلة بأن تهدُم بقية الحائط.