إعلان

أسطورة مارادونا ومأساته في فيلمين

زياد عبدالله
مارادونا الرمز والأسطورة
مارادونا الرمز والأسطورة
A+ A-

 

 

كان يحلّ عليه الليل وهو يلعب مع رفاقه كرة القدم على أطراف "فوريتو"، الحيّ الأفقر في "بوينس أيرس" من دون أن يشعر بذلك، مواصلاً اللعب في العتمة، وليبدو أنه بذلك كان يتلمّس طريقه إلى المكسيك ليرفع كأس العالم هناك، وأمه تقول له بعدما شاهدته على التلفاز "لقد جعلتني أسعد أم على وجه الأرض". هو نفسه من استقبله 85 ألف شخص حين جاء نابولي للمرة الأولى، وغادرها وحيداً من دون أن يودعه أحد.

إن قلت إنني أتحدّث عن دييغو أرماندو مارادونا الذي رحل في 24 تشرين الأول (نوفمبر) الجاري، فإن ذلك لن يخفى على أي عاشق لكرة القدم، لكن بإضافتي إن ما أوردته في ما تقدّم آت من فيلمين وثّقا لحياته، فقد أكون بالكتابة عنهما، أوجه دعوة لمشاهدتهما للتعرف على مقاربتين مختلفتين لعوالم "إله كرة القدم" أو "الشخصية الخارجة من فيلم عن الثورة المكسيكية أو من فيلم لسرجليوني"، كما يصفه المخرج الصربي أمير كوستاريكا في فيلمه "ماردونا إخراج كوستاريكا " 2006  Maradona By Kusturica.

وللحقيقة فإنني لا أعرف ما إذا كان استخدام "إخراج" في عنوان فيلم كوستاريكا ترجمة دقيقة، ربما "بواسطة" أو "عبر" أدق، فما نشاهده يقول إنه وثائقي عن مارادونا، ولكن بحسب مقاربة كوستاريكا له، والمكانة الكبيرة التي يحظى بها في حياة المخرج. ومن ينسى تلك الشخصية التي تصرخ "مارودنا" كما لو أنه مفتاح البهجة والأمل في "قط أسود قط أبيض"، وغيرها من أفلام كوستاريكا، التي يضمّن مشاهد منها بوصفها تجسيداً لما يرويه مارادونا عن حياته.

 

أسطورة

مارادونا في فيلم صاحب "زمن الغجر" كائن أسطوري، قديس، ثائر، يساري، ثم لاعب كرة قدم، فمن بين أهداف كثيرة سجلها الأسطورة الأرجنتينية تأتي في سياق الفيلم، يتكرر هدفيه الشهيرين على انكلترا في تصفيات المكسيك 1986 إلى ما لا نهاية، وفق سياق تاريخي وسياسي لا يكتفي فقط برمزية الهدفين في الإحالة إلى حرب الفوكلاند وثأرية الفوز على المنتخب الانكليزي مقابل هزيمة الجيش الأرجنتيني على يد الإنجليزي عام 1982، بل يتعدى ذلك إلى التندر على مارغريت تاتشر والملكة إليزابيث عبر مقاطع تحريك "أنيماشن"، وصولاً إلى الأمير تشارلز الذي يرفض مارادونا مقابلته، كما رفض جائزة أميركية منحت له.

ثمة كنيسة رمزية لماراودنا في فيلم كوستاريكا هو إلهها، هناك تمثال رأسي له وكرة قدم مكللة بالأشواك لتضحياته، ونحو ذلك من رموز وطقوس تشهدها الكنيسة المقامة في ملعب. وإدمان مارادونا على المخدرات يأتي لكونه "قديساً جاء في زمن خلا من القداسة"، كما يورد كوستاريكا وقد صدّر الفيلم باقتباس للشاعر الفرنسي بودلير مفاده "الإله هو الكائن الوحيد الذي لا يحتاج أن يكون موجوداً ليحكم".

وفي الشق الثوري من حياة مارادونا فلنا أن نراه رفقة كاسترو "العظيم" كما يصفه مارادونا على الدوام، ولقطات له في تجمع جماهيري هائل يجمعه مع الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز والرئيس البوليفي السابق ايفو موراليس، أو وجوده في حشد كبير آخر وهو يرتدي سترة تحمل صورة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وقد كتب عليها "مجرم حرب"، وحوارات كثيرة مع كوستاريكا تضيء على أرائه السياسية المتأسسة على حس عميق بالعدالة ونضالات الشعوب. وحين يسأله كوستاريكا من أين استمد هذا الحس العالي بالعدالة يقول "إنه استمده من قراءته لكتب غيفارا، وكتب كثيرة أخرى".

وثيقة مارادونا

في الفيلم الثاني الذي يوثق لحياة مارادونا، لا مكان لحضور المخرج الشخصي أو أناه، ولا يظهر أي من الجانب السياسي أو الثوري الذي قدّمه كوستاريكا، ففي الفيلم المعنون "دييغو مارادونا" (2019)، إخراج آصف كاباديا (صاحب فيلم "إيمي" أوسكار أفضل وثائقي 2016)، نحن أمام وثيقة عن مارادونا لا تعتمد في سرديتها إلا على مادة أرشيفية هائلة ومدهشة لحياة مارادونا ومبارياته ومؤتمراته وتصريحاته الصحفية وتحركاته وتنقلاته وحياته العائلية وسهراته الخاصة وغرامياته ومكالماته...

لا يرد شيء إلا ونشاهده كمادة بصرية مستخلصة من أرشيف متعدد المصادر وثّق الأحداث حين حصولها، وليصاغ كل ذلك مونتاجياً على امتداد ساعتين، بحيث يشحن الوثائقي بالدرامي، ويؤسس الفيلم على بداية ووسط ونهاية أداتها الوحيد أرشيف يوثق المحطات الرئيسة في مسيرته الكروية، وتحديداً الفترة التي صعد فيها نجمه وصولاً إلى أفوله، رفقة تعليقات تأتي من مارادونا نفسه أو زوجته أو رئيس نادي نابولي أو مدربه الشخصي أو صحافيين رياضيين وكل من له صلة بالذي نراه على الشاشة.

في فيلم كابادي يُبنى كل شيء حدثياً، فمارادونا حين جاء نابولي لم يأخذ فريقها مباشرة وبضربة ساحر إلى ما حققه بجهوده الخارقة،  كما في فيلم كوستاريكا الذي يختزل الأمر بحديث مارادونا كيف أنه جعل الجنوب الإيطالي ينتصر على الشمال  للمرة الأولى، بل نرى الصعاب التي واجهها في التأقلم مع أسلوب اللعب الإيطالي.

وتحضر نظرة الشمال الإيطالي الفوقية والعنصرية تجاه الجنوب من خلال لافتات ترفع في مباريات فرق شمالية مع نابولي ترد فيها عبارات مثل "اذهبوا واستحموا" أو "أنتم مجرور إيطاليا"، والاعتقاد الراسخ أن الجنوب لا يستطيع هزيمة الشمال، ولتتوالى المباريات التي يفوز بها نابولي ومارادونا يسجل ويصنع الهدف تلو الآخر، إلى أن يفوز نابولي بلقب الدوري الايطالي عام 1987 وتشهد المدينة احتفالات تستمر لشهرين، ولتتوالى الألقاب معه لغاية عام 1990، وهي السنة التي ستكون سنة أفول نجم مارادونا في إيطاليا، وقد ناصبه الإيطاليون العداء مع قيادته فوز الأرجنتين على المنتخب الإيطالي في نهائيات كأس العالم في إيطاليا 1990، وهكذا تنهال الاتهامات عليه وينزع عنه الغطاء، ويسلط الضوء على تعاطيه المخدرات وعلاقته مع عصابات "غومورا" النابوليتانية، وصولاً إلى مقاضاته، والصحف تشيطنه وتلعنه بعناوين من قبيل "لوسيفر يعيش في نابولي".

يشكّل الجزء المتعلق بنابولي، ذروة الفيلم الدرامية في حياة مارادونا كما يقدمها كابادي، فمجده وسعادته يتحققان هناك، وانهيار كل شيء أيضاً، بحيث تكون النهاية متمثلة بمشهد مارادونا في المطار مغادراً إيطاليا وحيداً بعد أن استقبله 85 ألف شخص نهاية مأساوية، وليكون هذا الفيلم متمركزاً حول ذلك من دون أن يفارق المستديرة بوصفها كل حياة مارادونا.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم