إعلان

" صندوق الدنيا" يصوّر ليل القاهرة وألاعيبه

المصدر: القاهرة- النهار العربي
شريف صالح
فيلم صندوق الدنيا
فيلم صندوق الدنيا
A+ A-

 

 

 

ليلة واحدة في وسط البلد في القاهرة تساوي حيوات ودموع وأحلام مجهضة. أثارت "القاهرة الخديوية" دائمًا خيال الروائيين والشعراء والسينمائيين، وشهدت شوارعها قيام وانهيار مسارح وصالات سينما وبارات، ولحظات حب ومجد وثورة وغضب، وتحت ليلها وفي مقاهيها تلاقت جميع الطبقات. وامتدت ذكرياتها إلى عرب وأجانب مروا هناك، كأنها "مسرح حي مفتوح" على تجارب ولحظات لا تُنسى.

وعلى ضيق الحيز جغرافيًا كان ومازال فضاء ملهمًا طوال مئة عام، لا تمل الأفلام المصرية من العودة إليه، لعل من أشهرها "عمارة يعقوبيان" عن رواية بالعنوان ذاته، المأخوذ بدوره من اسم إحدى بنايات وسط البلد.

أما أحدثها فهو "صندوق الدنيا" كتابة وإخراج عماد البهات، وشارك في الكتابة أسامة حبشي، والذي بدأ عرضه مؤخرًا على منصة نتفيلكس.

في "عمارة يعقوبيان" كانت البطولة للبناية وطوابقها بوصفها كناية عن مصر وطبقاتها الاجتماعية. في" صندوق الدنيا" البطولة للشوارع. تقريبًا تنتهي جميع شخصيات وهم يسيرون هائمين في وسط البلد.

 
 

لعبة الدمى والحاوي

يفتتح السرد بلعبة دُمى يتفرج عليها ويحركها الصبي علي (رابي سعد)، لتبرير العنونة بذلك الصندوق السحري الحافل بالحكايات والأعاجيب.

وبالنظر إلى طريقة تنفيذ اللعبة، والموسيقى المصاحبة، نجدها مختلفة جذريًا عن ظهورها في أفلام الأبيض والأسود، كما في فيلم "الزوجة الثانية" مثلًا.

ولأن اللعبة ذاتها انتقلت من الواقع إلى "الفلكلور"، جاءت استعادتها حداثية وليست شعبية، لتمرر لنا فكرة الخيوط التي تتعالق بها مصائر الشخصيات.

اختيار الصبي علي لأنه رمز المستقبل، وهمزة الوصل بين معظم الشخصيات. وفي مشهد الافتتاحي عن عرائس الماريونيت، يظهر "العرس"، لحظة حب ورقص بين حبيبين، ثم تتغير الإضاءة للأحمر، مع موسيقى تنذر بالشر، لينقلب الفرح إلى مأساة. كأن الحياة لعبة تؤطر وجودنا بين الفرح والدموع، الوعد والخذلان.

لكنّ السرد تخلى عن فكرة الدمى، في الربط بين القصص، وربطها بفقرات "الحاوي" آكل النار والماشي على الزجاج، ولعب دوره الممثل "علي صبحي" بجسده النحيل وشعره الحليق وأذنيه الكبيرتين، كأنه "حاوي" من لحم ودم، في أفضل أداء تمثيلي.

في كل قصة ينتهي السرد عند حلقة "الحاوي"، كهمزة وصل تغلق حكاية، وتفتتح حكاية أخرى.

 

أربع قصص

مدة الفيلم أقل من 90 دقيقة، قسمت إلى فصول أقرب إلى المتوالية القصصية، فلكل نص عالم خاص، وفي الوقت نفسه تضمها وحدة زمكانية هي ليل وسط البلد، وتربطها فقرات الحاوي، والمشهد المستعاد لمقتل سائق الميكروباص.

وقع المشهد نهاية الفصل، ثم تكرر من وجهات نظر مختلفة، حيث تقاطع مع مرور معظم الشخصيات آنذاك في الشارع.

وهكذا ارتبطت القصص، بمنطق "تأثير الفراشة"، أو كيف تصنع مصادفات صغيرة أحداثًا كبيرة، وتغير مصائر.

حملت الفصول عناوين: الحلم، كومبارس، ممرات الخوف، الرهان، وآخر نفس.

 

حلم سائق الميكروباص

يفتتح المشهد على ريف مصري، حيث يستعد سائق الميكروباص عبد الدايم (باسم سمرة) للسفر بمجموعة سيدات لزيارة "سيدنا الحسين"، وفجأة يصحو من غفوته على "كابوس"، وينادي ابنه علي ويخبره بفظاعة ما أحس به.

يتحدث الأب المرتبط عاطفيًا بابنه الوحيد عن صعوبة الحياة وقسوتها في القاهرة. كمن يمهد لتحقق الكابوس، حين يرسل ابنه أثناء احمرار الإشارة في أحد ميادين وسط البلد لشراء علبة سجائر. يتأخر الولد و"يضيع" في الشوارع. في تلك الأثناء يهجم "بلطجي" على عبد الدايم ويجبره على الفرار به، وحين يرفض يطعنه.

تحقق كابوس السائق، بناء على صدفة مزدوجة: عدم عثور ابنه على سجائر في الكشك القريب، ثم ظهور البلطجي فجأة داخل الميكروباص. صدفتان غير مقنعتين تمامًا، فمن يخشى جدًا على ابنه لن يرسله لشراء سجائر في الليل من مكان لا يعرفه. ولجوء البلطجي إلى الميكروباص وعدم التردد في قتل السائق دون سابق معرفة، مسألة ليس من السهل حدوثها.

 

كومبارس

أثناء شراء علي علبة السجائر، تقع منه النقود فيلتقطها "حاتم الريجسير" (عمرو القاضي) ويسأله علي عن الميدان.

في الفصل الثاني "الكومبارس" يستعاد ذلك المشهد، ثم تتابع الكاميرا شخصية "حاتم" وليله في القاهرة، فهو يبحث عن ممثلين "كومبارس"، و"نساء أجنبيات"، اتضح أن إحداهن متخصصة في الأدب العربي، ويرتاد المقاهي، ويتسلط على الممثلين "الكومبارس" الغلابة، بينما يتسلط عليه من هم أعلى منه في السلسلة الاقتصادية كالمخرج والمنتج، ويحب بائعة خضار وفاكهة تنام في الشارع، لأنها "بلدياته" وقالت له "لا".

المقطع الأساسي في ليل حاتم، كان ممارسة الجنس مع "ربى" (فرح يوسف) وهي سيدة متزوجة من "شاعر".

تعبيرات ربى تجسد الإحساس بالذنب والقرف، لكنها سبق لها العمل في الإعلانات، وتدرك أن تقديم جسدها هو السبيل الوحيد للحصول على عمل.

 

ممرات الخوف

في القصة الأولى يسير كهل بخطوات منكسرة محبطة ثم يمر بمشهد الشرطة وسيارة الإسعاف حول سائق الميكروباص القتيل، ويسأل الصبي علي إذا كان يعرف الرجل، أو يحتاج إلى شيء، في مشهد أبوي، والمفارقة أن الصبي ـ تحت وطأة الصدمة وعدم التصديق ـ ينكر معرفته ب "أبيه القتيل". ويظل مستسلما على الطوار.

في الفصل الثالث نتعرف أكثر على الكهل المهزوم، فهو شاعر خمسيني، قرر للمرة الأولى أن ينشر روايته "ممرات الخوف"، وللتو شارك في ندوة عنها، ثم التقى صديقه الممثل المغمور "عصفور" (أحمد كمال) وطلب منه مسدسًا.

ثم يتبين أن البلطجي قاتل سائق الميكروباص هو من دبر المسدس وسلمه له على هامش الندوة!

يذهب الكاتب الكهل "آدم همام" (خالد الصاوي) إلى الشقة التي يظن أن زوجته "ربى" نائمة فيها مع عشيقها، ويصر على قتلها، بينما يسير خلفه صديقه "عصفور" وفي آخر لحظة يقنعه بنسيان الانتقام، لأنها لا تستحق.

لا تحتمل مساحة السرد الضيقة كشف الأسباب التي تجعل رجلا وامرأة من المثقفين، يتورطان في الخيانة والكراهية، ولا كيف لكاتب مفترض أنه "عقلاني" أن يقرر قتل زوجته لمجرد أنها تخونه ولم تعد تحتمل الحياة معه!

وهكذا طبل الكاتب من البلطجي مسدسًا لقتل زوجته النائمة مع الريجسير، فكان بطريقة ما، السبب في قتل سائق الميكروباص، مع ذلك حين مر بمشهد القتيل لم يكن يعرف شيئًا عن دوره في الجريمة، بل واسى ابنه بحنان وأبوة!

 

الرهان

في القصة الثالثة تظهر شخصية "مرجيحة" (علاء مرسي) وهو أبكم يعمل في مهن عابرة يحتاجها زبائن وسلط البلد مثل ركن السيارات، ويحب ممرضة تعمل لدى طبيب شهير، ومثلما ظهر عصفور وهو الوحيد الإيجابي في الفيلم، في دور الملاك الحارس للكاتب "آدم همام". يلعب الدور نفسه مع "مرجيحة" ويشجعه على التعبير عن حبه.

في القصة الرابعة "الرهان" نتعرف على الممرضة "فاطمة" (رانيا يوسف) حبيبة "مرجيحة" ولا نعرف كيف فاتها قطار الزواج رغم كل هذا الجمال الحسي الذي تتمتع به. كما لا نفهم منطقها في رفض العلاقة الجسدية مع "الدكتور خالد" (صلاح عبد الله) وفي الوقت نفسه تقبل الزواج العرفي منه، لمجرد الحصول على لقب "مطلقة"! ثم تجد نفسها متورطة، فبعدما قضى ليلته معها في العيادة سرق ورقة الزواج وهرب.

 

آخر نفس

قدم السرد أربعة قصص للسائق عبد الدايم، وحاتم الريجسير، وآدم همام الكاتب، وفاطمة الممرضة، متقاطعين مع شخصيات مثل الابن علي، والزوجة "ربى"، والممثل "عصفور" والأبكم "مرجيحة".

وبدلًا من الاشتغال على تعميق الصراعات، تم الاكتفاء بمقاطع مثيرة من الحكاية. فلا نعرف بشكل قاطع هل تم القبض على البلطجي، لماذا لم تنتقم "فاطمة" من "الدكتور"؟ هل طلق الكاتب زوجته؟

ليس هناك انشغال بوضع "نهايات" وإنما تجميع الأبطال آخر الليل، بالقرب من "الحاوي". كأنه من كان يحركهم بطاقة سحرية. وتتحول حلبته إلى كرنفال راقص، فينضم "عصفور" بكل طاقته الإيجابية ليضرب على الطبل ويكرر كلمات الحاوي. إشارة لأن نتقبل منطق المكسب والخسارة، فالحياة تستمر وألعابها لا تنتهي.

أما المعنى الآخر فهو عن قسوة القاهرة، المدينة التي لا ترحم صبيًا مثل علي، وذلك السائق الغلبان، ولا الشاعر، ولا بائعة الخضار الجميلة، ولا حتى "عصفور" الطيب الموهوب والذي جسده أحمد كمال باقتدار، لم ينل فرصته، لكنها نجا بروح "الرضا والأمل".

لا يبقى من الحكايات إلى الصدى والأسى، والنزوع إلى "الكليشيه"، وصوت الحاوي:

"وقال اللي قال يا ابن آدم

في الأرض تسعى ولا تختشيش

لا تبيع دمغاك لغيرك ولا تبيع له حشيش

سف التراب وأبلعه أحسن من الحوجة

كل اللي جاي هاييجي وحتى لو ما يجيش

أهي لعبة بنلعبها

لعبة بلقمة عيش"

 

فيلم "صندوق الدنيا" واحد من أحدث انتاجات السينما المصرية، يُعرض حالياً على منصة نتفليكس العالمية.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم