فصول من الحرب السورية في فيلم "9 أيام في الرقّة"

المصدر: النهار العربي
زياد عبدالله
من الفيلم
من الفيلم
A+ A-

لن يكون الدافع الرئيس لمشاهدة فيلم يحمل عنوان "9 أيام في الرقة" 9 Days in Raqqa دافعاً سينمائياً  فقط، إذ يسبقه الفضول المتصل بمصير عاصمة الخلافة الداعشية، والأثمان الباهظة التي دفعها أهلها سواء إبان هيمنة "داعش" الوحشية على المدينة، أو التدمير الشامل الذي لحق بها جراء ضربات التحالف الدولي الجوية وتحريرها على يد "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2017، وبالتالي تقديم فيلم يوثّق فصلاً دموياً من فصول الحرب السورية التي لم تطو بعد، ومعاينة الخراب والقتل والتهجير الذي شهدته تلك المدينة في شمال شرقي سوريا.

 

لكنّ فيلمنا هذا الذي أخرجه الفرنسي كزافييه دو لوزان في ثاني فيلم وثائقي له، وعرض في البرنامج الرسمي لمهرجاني "كان" و"روما" السينمائيين 2020، يقارب ما تقدّم من خلال التوثيق لشخصية من مدينة الرقة هي المهندسة ليلى مصطفى. وهو يؤسس بنيته السردية من خلال الكاتبة الفرنسية ماريان ديتلي التي تقصد الرقة لتؤلف كتاباً عنها، بحيث يأتي كل ما نشاهده في خدمة هذا السياق، والشخصيات الأخرى القليلة التي تظهر في الفيلم تدور جميعاً في فلك مصطفى، سواء أكانوا أعضاء في "مجلس الرقة المدني" أو من "قوات سوريا الديموقراطية".

 

بنت الرقّة

ولعلّ تحريف عنوان الفيلم ليصير إلى "9 أيام مع ليلى مصطفى في الرقة"، سيحيل إلى توصيف أدق لحيثياته، والمصاغ من أوله إلى آخره لتوثيق جهود بنت الرقة الكردية ومساعيها وهي تترأس "مجلس الرقة المدني"، وخوضها غمار إعادة شيء من الحياة أو الإعمار على المدينة المدمرة، بوصفها تقود جزءاً مهماً من تجربة ديموقراطية استثنائية في شمال شرقي سوريا، طالما أن مجلسها يجمع كل مكونات المجتمع الرقاوي من عرب وأكراد وسريان وأرمن، وقد نالت كما يرد على لسانها مباركة العشائر العربية في الرقة.

 

ووفقاً لهذه المقاربة تبنى التجربة المعيشة التي يقدّمها الفيلم، ويقتصر استخدام المادة الأرشيفية على مشاهد تمهيدية من تظاهرات الربيع العربي في تونس ومصر، وصولاً إلى سورية ومقتطف من خطاب الرئيس السوري وهو يصف الحاصل بـ"المؤمراة"... وإن تعلق الأمر بمدينة الرقة في ما سبق عام 2018 ، فإن أرشيف الفيلم يقتصر على ممارسات عناصر من "داعش" وإقامة الحدود، جلداً ورجماً، وصولاً إلى الإعدامات الميدانية ونحو ذلك مما فرضه تنظيم الدولة الإسلامية من أحكام بائدة، والمعارك التي خاضتها "قوات سوريا الديموقراطية" لتحريرها، بما يشكل ماضي مدينة الرقة كما يقدّمه الفيلم.

 

بينما تحتل مادة بصرية للمدينة المدمّرة حاضر الفيلم، من خلال زيارات سريعة وخاطفة تقوم بها ماريان رفقة ليلى مصطفى إلى معالم من المدينة أو مخيم عين عيسى للاجئين (50 كلم عن مدينة الرقة). هذا مع تخصيص مساحة لمداولات أعضاء المجلس المدني في واحد من الاجتماعات، والمصاعب الجمّة التي يواجهونها في إعادة الإعمار، وما يتبع ذلك من جولة تفقدية تقوم بها مصطفى لأعمال بناء شبكة الكهرباء المدمّرة كليّاً، ومن ثم زيارة مقبرة شهداء كوباني (عين العرب)، والوقوف على قبر عمر علوش الذي تقول عنه مصطفى إن زيارته تهبها الطمأنية وتشد من أزرها، من دون إيراد أي شيء عنه في الفيلم يضيء على من يكون سوى أنه أغتيل في تل أبيض عام 2018، وتصوير مراسم دفنه.

 

شهادات

لا يلتقي الفيلم أحداً من سكّان الرقة، ويدعنا على الدوام وجهاً لوجه مع أفكار ليلى مصطفى (مواليد 1988) وما تصنعه، ومخاوفها وهواجسها وقد عادت الاغتيالات إلى الرقة مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سحب القوات الأميركية من شمال شرقي سورية، وحتى الشهادات المتعلقة بها فإنها لا تتعدى الشهادتين، يدلي في واحدة منها أحد أعضاء المجلس - لا يرد اسمه في الفيلم - بحديث عن الدور القيادي للمرأة في المجلس وفي نواح كثيرة أخرى، وللتدليل على ذلك تأتي الشهادة الثانية على لسان جيهان شيخ أحمد القيادية في "قوات سوريا الديموقراطية" التي نراها تعلن في مادة أرشيفية بدء الأعمال القتالية لتحرير الرقة، وتتحدث عن دور المرأة في ذلك، ولتخلص ماريان إلى أن جيهان تمثل الدور العسكري للمرأة الذي يكمّل الدور الإداري الذي تقوم به مصطفى.

 

ينتهي الفيلم بعودة ماريان إلى الرقة في آذار (مارس) 2020، وقد طبع كتابها بعنوان "المرأة، الحياة، الحرية"، الثالوث الذي شكّل كل ما يريد الفيلم التدليل عليه، وتقديم وثيقة مصاغة على عجل تجعل من ليلى مصطفى محور هذا الثالوث، وممثلاً استثنائياً لتطلعات شعب ومعاناته. ونجدها في الختام تكتب إهداء على نسخة من الكتاب إلى  الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقول فيه: "أضع بين يديك جزءاً من معاناة شعب لم يرتكب أي جرم سوى أنه طالب بحقوقه المشروعة في الديموقراطية". ولتتوالى لقطات تظهر عودة بعض من ملامح الحياة إلى الرقة، على شيء من بث روح الأمل الذي يكون آخر ما تتحدث به مصطفى، كأن نرى بعض المحال وقد فتحت أبوابها وامتلأت بالسلع وسط ركام المباني المدمرة، ولقطة لما كان عليه متحف الرقة وما صار إليه وقد رمم، وصولاً إلى افتتاح محل بوظة "الموعد" مجدداً، الذي سمّى سكان الرقة الدوار المقابل له باسمه، وقد مرّت مصطفى على ذكره بحنين خاص في القسم الأول من الفيلم.

الكلمات الدالة