إعلان

"مانك".. كيف أصبح "كين" مواطناً في هوليوود؟

زياد عبدالله
مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم
A+ A-
 

يسألنا السيد ديفيد فينشر في جديده المرتقب "مانك" Mank  (بدأ عرضه على نتفلكس الجمعة 3 الشهر الجاري) أن نعود إلى الفيلم المفصلي في تاريخ السينما "المواطن كين" 1941 من دون مخرجه أورسون ويلز، أو باعتباره شخصية ثانوية لا تظهر إلا في النهاية، وقد اقتصر دورها على اتصالات هاتفية بكاتب سيناريو "كين" هيرمان مانكويش الملقب "مانك"، بحيث نشهد مخاض تأليف تلك التحفة السينمائية على يد هذا الأخير وهو طريح الفراش.

تبدو الاستجابة لما يسألنا إياه فينشر في هذا السياق مهمة عسيرة على أي سينفيلي أو عاشق للفن السابع، ولعلي تكبدت عناء شديداً في تقبّل حصر الأمر بمن كتب السيناريو، والتأكيد على أن ويلز لم يسهم في كتابته، فكلنا نعلم أن السيناريو عامل مهم في نجاح أي فيلم، لكن صنيع ويلز الإخراجي في "المواطن كين" سيجعل من هذا التفصيل أمراً ثانوياً أو شديد الهوليودية، أمام كيف نقل ويلز المليونير كين من الورق إلى الشاشة، وقدّم بنية سردية يتداخل فيها الحاضر بالماضي، والظاهر بالمتواري، والحقيقة بالكذب، انطلاقاً من الكلمة االشهيرة : "روز بود- برعم الوردة"  التي تلفظ بها كين وهو يحتضر، مستخدماً "عمق الميدان" عبر عدسة ذات بعد بؤري واسع، توهم بالبعد الثالث للصورة، متيحاً للمرة الأولى عرض كل المشهد في لقطة واحدة، بواسطة كاميرا ثابته، محدثاً ما سمّي حينها بالمونتاج الداخلي، بحيث "أصبحت التأثيرات الدرامية، التي كان يتيحها المونتاج في السابق، تنشأ عبر الممثلين وحركتهم داخل اللقطة الواحدة، كما يتم تصويرها". كما كتب أندريه بازان منذ أكثر من سبعين سنة.

طبعاً يمكنني المواصلة إلى ما لا نهاية في الإضاءة على المنعطف السينمائي الذي اجترحه ويلز في "المواطن كين"، لكنني أكتفي بهذا القدر طالما أنه يوضح بعض الشيء قصدي بصعوبة ما يطلبه منا فينشر في فيلمه! وأمضي قدماً نحو صنيع فينشر السردي والبصري متخففاً من عبء ويلز الذي كان يطمح دائماً لأن يكون أكبر من الحياة، بحسب تعبيره.

حياة كاتب

يروي "مانك" حياة الكاتب هيرمان مانكويش عبر أحداث متصلة ومنفصلة، من دون إخضاعها لسرد أفقي، فما يطالع المشاهد أولاً هو وصول مانكويش أو مانك (غاري أولدمان) محمولاً على نقّالة إلى بيت ريفي في مزرعة، رفقة امرأتين، الأولى لتتولى أموره الصحية هو الذي يكون مكسّر العظام إثر حادث، وقد احتلت الجبيرة نصف جسده، وامرأة أخرى تتولى طباعة ما يمليه عليها على الآلة الكاتبة. مانك في مهمة تتطلب منه كتابة سيناريو للمخرج أورسون ويلز في ثلاثة أشهر، سرعان ما يختزلها ويلز إلى ستة، وليشكل ذلك منطلق أحداث الفيلم ومستقرها، الذي يقدم في الوقت ذاته هوليوود وأجواءها وعوالمها في ثلاثينات القرن الماضي. وهكذا يعود الفيلم في الزمن عبر مشاهد متفرقة لا جامع بينها سوى أنها تحدث في هوليوود وعلى اتصال  بمانك، إذ يكفي أن يكتب على الشاشة كما في نصوص السيناريو "استديو ميترو غولدن ماير– ليلي/داخلي" ليقدم الفيلم لنا المشهد، ونمضي بمتابعة حدث يضيء على جانب من حياة مانك في هوليوود، أو بلويس ماير (إرليس هاورد) مؤسس وصاحب شركة مترو غولدن ماير الشهيرة، وصولاً إلى وليم راندورف هيرس (تشارلز دانس) وعشيقته الممثلة ماريون دايفيز (أماندا سيفريد)، وكيف تعرف عليهم مانك، وسهراته مع تلك الشخصيات الحقيقية، وآرائه الصادمة، وسكره المتواصل، وقوله كل ما يرد على لسانه مهما كلّفه ذلك من أثمان باهظة يدفعها غير مبال لا بمسيرته المهنية ولا بمصادر دخله.

سيعتقد المشاهد للوهلة الأولى أنه يتابع أحداثاً متفرقة عشوائية، وله أن يبقى على هذا الاعتقاد ما لم يربطها بسيناريو "المواطن كين" الذي يكتبه مانك، بحيث يكون كل ما نراه هو المعادل الواقعي للسيناريو أو المجال الحيوي الذي استلهم منه أحداث الفيلم، إذ إن كين ليس إلا وليم راندورف هيرس صاحب أكبر شبكة إعلامية في أميركا الثلاثينات، والذي سنكتشف أن لويس ماير الذي ضاق ذرعاً بمانك أبقى راتبه لكون هيرس هو من كان يدفعه.

هوليوود... بالأبيض والأسود

خارج ذلك السياق تحضر قصة واحدة على اتصال بدور هوليوود في السياسة، وصنيع شركات الإنتاج للحيلولة دون فوز مرشح اشتراكي بمنصب حاكم كاليفورنيا، إذ يكفي أن يقول مانك لمنتج أن "من جعل الناس تصدق أن طول كينغ كونغ عشر طوابق وأن ماري بيكفورد عذراء وهي في الأربعين من عمرها... سيجعلهم يصدقون أي شيء"، وعليه تبدأ شركات الإنتاج بإعداد أفلام إخبارية "نيوز ريل" تتولى تحطيم حملة ذلك المرشح، والتي يقوم بإخراجها صديق لمانك يجد فيها فرصته في أن يصبح مخرجاً.

كل ما في فيلم "مانك" مستمد من ثلاثينات هوليوود وبدايات الأربعينيات، فعدا عن كونه بالأبيض والأسود، فإن صاحب "نادي القتال" اشتغل وطاقمه في مرحلة ما بعد الإنتاج على تفاصيل تقنية متصلة بالصورة والصوت ليظهر الفيلم كما لو أنتج في تلك الحقبة، مثل التخفيف من الدقة العالية للصورة وإفقادها أكثر من ثلثي دقتها، ونحو ذلك من تفاصيل كثيرة أخرى، دفعتني لتحري مدى حضور  أجواء "المواطن كين" المشحونة بالعتمة والظلال، التي يمكن تلمسها هنا وهناك في أرجاء "مانك"، وهذا طبيعي في النهاية، الأمر الذي يقود أيضاً للقول أن كلّاً من فينشر وويلز قارب شخصية مفصلية في الشبكات الإعلامية، فالأول قدم عام 2010 في "الشبكة الاجتماعية" مارك زوكربيرغ وقصة نشأة فايسبوك وملابساتها وحياة مؤسسها وشخصيته، بينما قدم ويلز هريس ومملكته الإعلامية ذات الأثر المماثل لفايسبوك في تلك الأيام، ولكن في فيلم لم يلق أي نجاح جماهيري، ورشح لسبع جوائز أوسكار لم ينل سوى أوسكار السيناريو، الأمر الذي يبينه "مانك"، كما لو أن السيناريو هو أهم ما فيه، مع تجاهل حقيقة أنه لم ينل الأوسكارات الأخرى جراء ابتكاريته العصية على أعضاء الأكاديمية حينها، إضافة لإشكاليته، هو الفيلم الذي اعتبر لأكثر من ستة عقود، أهم فيلم في تاريخ السينما في استفاء مجلة "سايت آند ساوند" الشهير.

 

 

الكلمات الدالة