إعلان

فيلم "كيرة والجن"... الوصفة السريّة للنّجاح

المصدر: القاهرة- النهار العربي
شريف صالح
كريم عبدالعزيز وأحمد عز
كريم عبدالعزيز وأحمد عز
A+ A-


فرض الروائي أحمد مراد نجاحه بآليات مغايرة للأدباء المصريين وخارج رضاهم، وقدم "روايات البيست سيلر" بطريقة مختلفة عمن سبقه.

استفاد من معادلة التشويق والإثارة والكتابة للمراهقين وتحقيق الربح مع توظيف أفكار فلسفية وعلمية، ليس لأنها جديرة بالنقاش بل كخلفية لإثراء نمطية الحبكة.

كما أفاد من دراسته للسينما وعمله في مجال التصوير في رسم الشخصيات وبناء مشهد مشوق درامياً وبصرياً. وبطريقة ما، قدّم تنويعات على "أدهم صبري" بطل "رجل المستحيل" الفائق القدرات، و"رفعت إسماعيل" بطل "ما وراء الطبيعة".

فالجمهور يحب الأبطال، وكان يعبدهم قديماً، والسينما ليست بعيدة من هذا الهوس من خلال قصص تقدم خلطة مكررة من خمسة عناصر، لا تشذ عنها روايات مراد، لأنه يكتب وعين على جمهور المبيعات، وعين على تحويل النص إلى فيلم. فمن قبل النشر يكون قد تعاقد على الفيلم ضمن شراكة مع المخرج مروان حامد الذي وجد في سرده طاقة بصرية وحركية مضمونة النجاح، وتختلف عن أكشن محمـد رمضان ببعض الرطانة الثقافية والعلمية. وفي ما يأتي قراءة للعناصر الخمسة وهي بمثابة وصفة النجاح السرية كما تبدت في أحدث أفلامه "كيرة والجن" المأخوذ عن روايته "1919".

 

 

بطل خارق

إن البطل لا بد من أن يتمتع بما يرفعه فوق مصاف البشر العاديين،  كالقوة الجسدية والذكاء الفائق والتواصل مع كائنات لا مرئية والتحول والازدواج. لسنا أمام شخصيات عادية مرتبكة في تفاصيل الحياة كما رأيناها في سينما محمـد خان وعاطف الطيب. هؤلاء العاديون الذين يشبهوننا لا وجود لهم هنا.

وفي هذا استجابة لغريزة الفرجة السينمائية، التي تتشهى بطلاً يقبل الحسناوات نيابة عنا، وينتقم من كل الأشرار نيابة عنا أيضاً.

وهنا استعان ببطلين من بيئتين مختلفتين:

الأول "كيرة" (كريم عبد العزيز) طبيب ناجح متزوج من زينب (روبي) ولديه طفل. اعتمدت شخصيته على الازدواج، فهو في نظر الكثيرين مهادن وخانع للإنكليز، حتى زوجته لا تعرف دوره الوطني السري. وهي إشارة خطرة بأنه ليس بالضرورة كل من تعامل مع الإنكليز كان خائناً.

ازدواج آخر يتعلق بحبه ـ رغم أنه متزوج ـ لإيميلي بنت القائد الإنكليزي (أداء مميز للممثلة رزان جمال) والحب فُسر أيضاً باستغلالها كطعم للحصول على معلومات. ورغم أنه طبيب لكن يجيد القتال بالمسدسات والسيوف وكل ما يتوفر أمامه كأي زعيم مافيا أصيل.

يقابله "الجن" (أحمد عز) العابث اللاهي محب البارات والذي ينصب على الإنكليز، لكن حياته اللاهية لا تنفي قدرته على القتال والهروب، وذكاؤه الفطري لا يقل عن الطبيب. هذا أيضاً ازدواج ومبالغة في رسم الشخصية، لترتقي إلى مصاف الأبطال الشعبيين على غرار علي الزيبق، وهذا ما يبرر اسم الشهرة "الجن".

أخذاً في الاعتبار أن مراد بخبرته السينمائية وربما تأثراً ببطل "ما وراء الطبيعة"، لا يُغرق أبطاله في المثالية والنقاء الأسطوري، فهم لديهم نقائص وهفوات لا تفقدهم جلال البطولة.

هكذا حمل الفيلم اسم بطليه، ليس لتكريس معنى البطولة فقط بل لإعلاء قيمة الصداقة العميقة، وهي ثيمة محببة لدى الجمهور على طريقة أفلام مثل "سلام يا صاحبي".

بدأ الاثنان معاً، وواجها الموت معاً، وانتهت بهما القصة معاً، حيث مات الأول على صدر الثاني.

 

اللغز

لا غنى عن لغز يشكل تحدياً يتطلب حلاً ويثير غموضاً، بما يتطلبه من حيل ومراوغة وفك طلاسم وتوظيف نظريات علمية ونفسية. هذا ما كان في "الفيل الأزرق"، لكنه هنا أقرب إلى المهمة، أي تكليف ينتهي بالإنجاز أو المكافأة، مثل كشف قاتل أو الزواج من الفتاة الجميلة.

يكون اللغز عقبة في سبيل إنجاز المهمة، تحدياً كي يثبت البطل الخارق جدارته. وكانت مهمة البطلين الانتقام من الإنكليز.

لأن "كيرة" قُتل أهله في دنشواي، و"الجن"  قتل الإنكليز أباه في بدايات ثورة 19 عندما ارتدى بدلة الجيش وخرج وسط التظاهرة. هذا هو الدافع الذاتي، لكن الدافع الأسمى تحرير مصر من الاحتلال.

بالنسبة إلى الضابط الإنكليزي القاسي "هارفي" (أداء مميز للممثل سام هزلدين) كان لديه لغز يجب حله والإيقاع بأفراد خلية المقاومة، عبر تعقب الآثار وتحليل البصمات والأدلة على طريقة شرلوك هولمز.

لو مُنح "هارفي" المساحة التي يستحقها كبطل مضاد، وعرض وجهتي نظر متناقضة حول الاحتلال، لاكتسب الفيلم قيمة فكرية وجمالية ودرامية بدلاً من التركيز على بطلين يؤديان الدور الوظيفي نفسه. ما أحدث خللاً فادحاً في الحبكة.

صحيح هناك معارك ومطاردة بين الطرفين، لكنها محسومة سلفاً، وأقرب إلى ملاعيب علي الزيبق، حيث يهزأ الضعيف من القوي ويُعلّم عليه ثم يهرب. لذلك أفضل مقاطع السرد هي التي تكافأت فيها القوتان كما في مشهد النهاية، ومشهد الإيقاع بـ"الهلباوي" (سيد رجب) والضغط عليه للاعتراف على زملاء الخلية.

 

حركة لا تنتهي

يحب الناس الحركة غريزياً بوصفها التعبير الأولي عن نبض الحياة والإثارة واستعراض القوة. والسينما قبل أي شيء هي "فن الحركة" التي توهم بمطابقة روح الحياة.

ثمة مشاهد قليلة جداً في الفيلم مالت إلى السكون، وتكاد لا توجد لقطات بعيدة، لأن الغالب لقطات متوسطة مع تقطيع سريع لمعارك ومطاردات لا تنتهي.

ورغم أن السرد مؤسس على اندلاع ثورة 19 لكنه لم يتوقف عندها، فكان ثمة قفزات إلى الصعيد حيث تعيش دولت فهمي (هند صبري) وهي مدرسة قبطية والعضو النسائي الوحيد في الخلية، وقفزات إلى تركيا، وإلى سنة جلاء الإنكليز  سنة 1956

أي أن السرد قفز زمنياً بانتقائية، من باب الإبهار ليس إلا، فإذا كنا واقعياً نتحدث عن خلية قاومت الاحتلال، فالمنطق الزمني لا يحتاج سوى بضعة أسابيع، لكن هذا لن يكون مشوقاً.

لذلك بدا "المشهد في تركيا"، رغم جماله، كأن صُناعه نسوا أننا نتحدث عن ثورة 19 وليس عن مافيا دولية!

إن الحركة الزمكانية المبالغ فيها أحياناً ليست هي الأساس، بل حركة الأكشن والقتل وزخات الرصاص والمطاردات والأشياء التي تتطاير هنا وهناك، وهي حركة سخية وممتدة، فأكثر من نصف الفيلم عبارة عن معارك تقول الشيء ذاته، وكانت قابلة للاختزال.

لا أدل إلى ذلك من معركة "كيرة" و"الجن" على المركب النيلي رغم أنهما ينتميان إلى الفكرة ذاتها، وكان يمكن ألا يقع شجار بينهما، وألا ينتهي المشهد بقفز "الجن" في النيل، لكن لا بد من استمرار الحركة والتشويق لأقصى درجة.

وعندما يُستدعى الضابط "هارفي" لتكليفه باصطياد الخلية، تمر استعادة بصرية له وهو يلاكم بقسوة أحد الأشخاص. في مشهدية بصرية جميلة لكنها أقرب إلى البهرجة أكثر منها حاجة درامية.

بسبب الولع المبالغ فيه بالحركة، ومد خطوط ثانوية لها، فقد الفيلم إيقاعه، وامتد لقرابة ثلاث ساعات دون داعٍ.

 

صورة براقة

من يتأمل سلسلة "مهمة مستحيلة" أو "جيمس بوند" أو "رجل المستحيل" فسنجدها تقدم صورة براقة للعميل السري الأميركي والإنكليزي والمصري. ولا أحد ينسى البيئة المحيطة من آلات تنصت وسيارات فارهة ومطاعم فخمة. هذا منطقي أن يعكس البطل الخارق صورة براقة للحياة، الوعود التي لا ينجزها الواقع.

إن الأمر يشبه فلسفة "الكارت بوستال"، ليس لجهة الحنين وتثبيت الصور العتيقة، بل ترتيب وانتقاء عناصرها ليعكس بريقاً لا نستشعره في الواقع نفسه. فلقطة طريق زراعي خلاب لن تنعكس بؤس معيشة الفلاحين أبداً.

هكذا الفيلم، لا يقدم ثورة 19 التاريخية، ولا روح القاهرة عقب الحرب العالمية الأولى، فالملابس تبدو أنيقة وزاهية وشديدة البياض حتى وسط المعارك، والطرابيش الملونة لا تسقط، والشوارع هادئة ونظيفة، واضح أنها "ديكور" مصطنع. لأن حساسية أو خشونة ما مفتقدة في مصداقية الصورة رغم ما تتمتع به من تقانة.

على مستوى التمثيل هناك أداء ناضج ويُحترم للأبطال الثلاثة كريم عبد العزيز وأحمد عز وهند صبري، رغم أنها نالت مساحة أقل. لكنّ الملاحظ أن هناك إسنادات لممثلين بلا مساحة تذكر وكان يمكن الاستغناء ببساطة عن مشاهدهم، مثل روبي وإياد نصار، لكنّ الحشد "الجميل" يفيد في التشويق وإضفاء البريق.

في سياق تزيين الشخصيات والأدوار، لم يكتف السرد بصراع المقاومة بل طعّمه بخطين رومانسيين لا بأس بهما، بين "كيرة" و"إيميلي" و"الجن" ودولت فهمي.

والملاحظ هنا الحذر في معالجة الجانب العاطفي، فعندما سكرت إيميلي ورقصت فعلت ذلك على استحياء، وبدت رقصة الجن ودولت مبتورة وخجلى.

ثم تأتي موسيقى هشام نزيه بطرازها الكلاسيكي، لتضيف اغتراباً وتزييفاً رغم أنها جميلة في ذاتها. إنها موسيقى المستعمِر لا المستعمَر، وتتناقض كلياً مع كون ثورة 19 حظيت بموسيقار ومغن فذ ترك أثراً خالداً في نفوس المصريين. كان بالإمكان توليف الموسيقى من أغانيه، لتضفي روحاً مصرية. كما يعيبها أنها تلفت انتباهنا إلى حضورها المبالغ فيه.

 

حتميّة الانتصار

في معظم رواياته وأشهرها "الفيل الأزرق"، يرتكز مراد في اللغز على منطقة ميتافزيقية ونفسية معتمة. ربما "1919" استثناء لأنها لجأت إلى قالب التاريخ لا الميتافزيقا.

إن البشر العاديين لا ينتصرون بالضرورة في الحياة، لكن الأبطال السوبر لا بد من أن ينتصروا، مهما تعثروا، ومهما كانت قوة الخصم.

في عنونة الفيلم نلاحظ - على غير العادة - تغيير اسم الرواية إلى اسمين معطوفين وغامضين، وحضرت الميتافزيقا التسويقية في اسم "الجن". هذا الاستغناء عن العنوان الأصلي، يعززه تصريح المؤلف بأن الفيلم ليس "تاريخياً"، وهو محق.

في التقديم إشارة لا تخلو من تناقض: "هذا الفيلم مبني على خيال مستوحى من وقائع حقيقية، وهو لا يعد وثيقة تاريخية" لماذا هذا الاحتراز الذي يدخل في نطاق البدهيات؟ فلم يقل أحد قط إن فيلماً روائياً يمكن أن يكون وثيقة تاريخية للحرب العالمية الثانية أو الإسكندر.

أي فيلم هو "تمثيل وتخييل"، لكن الاحتراز (وكذلك تغيير العنوان) لأن السارد لا يريد استدعاء التاريخ ولا التورط في دهاليزه، بل هو تقريباً قام بنفيه، رغم العناية بتفاصيل كثيرة خاصة بالأعلام والأزياء.

إن التاريخ مجرد قالب، مثل الميتافزيقا في "الفيل الأزرق"، قماشة قابلة للاستعمال. فمن ناحية تاريخية تعثرت ثورة 19 عملياً فلم تحقق الاستقلال التام ولا جلاء الاحتلال، وتطلب الأمر قيام حركة الجيش كما أشار الفيلم.

لكنّ صناعه لن يُرهقوا أنفسهم بيوميات الثورة وعثراتها، بل استثمروا موتفياتها في لعبة تخييلية مشوقة، تمرر مشاعر وطنية إيجابية بلغة جيل جديد.

ووفق مبدأ حتمية انتصار البطل السوبرمان، لم تقع نهاية كئيبة باعتقال أفراد الخلية وإعدامها (وهو أمر وارد الحدوث) لأن ذلك لا يناسب مخيال جمهور "البيست سيلر" الذي دفع تذكرة كي يرى بطله يضرب ويحب وينتصر على العالم كله.

وبدلاً من تتبع ومضات لزعماء الثورة مثل سعد زغلول والنحاس، تكررت الإحالات البصرية إلى مقهى ريش، صحيح كان له دوره الفني والسياسي، لكننا وقعنا في فخ المبالغة، كأنها كانت ثورة مقهى ريش ضد الاحتلال وليس الشعب المصري.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم