إعلان

​مخرج "كيليكيس... دوار البوم" لـ"النهار العربي": فاجأني عرض الفيلم على قناة مغربية رسمية

المصدر: النهار العربي
الرباط-ماجدة آيت لكتاوي
المخرج العلوي
المخرج العلوي
A+ A-
بنظرة فلسفية، يحرص المخرج السينمائي المغربي عز العرب العلوي المحرزي على ترك بصمة فارقة في تاريخ السينما المغربية.

وبدءاً من أول فيلم قصير له "بيدوزا" عام 2004، وصولاً الى آخر فيلم روائي طويل حمل عنوان "كيليكيس .. دوار البوم"، كان واضحاً حرص المخرج المغربي على الانتصار للقضايا الإنسانية في إطار سينمائي لا يخلو من الجمال والإبداع.

في 11 أيلول (سبتمبر) 2020، كان الجمهور المغربي على موعد مع أحد أنجح الأفلام السينمائية لعام 2018، "كيليكيس .. دوار البوم" الذي عرض للمرة الأولى على "القناة الأولى" المغربية، وهي قناة عمومية رسمية، بشكل أثار الاستغراب حينها بسبب حساسية الموضوع الذي يناقشه.

الفيلم نال استحسان المشاهدين المغاربة والنقاد، وعمل خلاله العلوي على إعادة كتابة قصة سجن "تازمامارت" الأشهر في تاريخ المغرب الحديث، والذي سُجن داخله العشرات من العسكريين والمدنيين، إبّان حُكم الملك الراحل الحسن الثاني، لاتهامات بالمشاركة في محاولتي الانقلاب العسكري عامي 1971 و 1972 أو لأسباب سياسية، قبل أن يُغلق أبوابه خريف عام 1991.

المخرج المغربي قدم الأحداث بطريقة مبتكرة، ليحصل على عدد من الجوائز من بينها الجائزة الكبرى لـ"مهرجان القمة السينمائي الدولي تيسفييل" في صربيا وجائزة أفضل إخراج لمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي في الجزائر، وجائزة التميز لأحسن فيلم أجنبي لمهرجان كندا الدولي للفيلم وغيرها.

تدور أحداث الفيلم داخل سجن في منطقة صحراوية  نائية وسط طبيعة قاسية. تتتبع الكاميرا السَّجَّانين عوض المسجونين، ويقرأ المخرج رسائل الغبن والألم والعذاب في عيون حراس المعتقل بدل المعتقلين، إلى حين يعمد أحد الحراس العسكريين الى التمرد استجابة لصحوة ضميره، غير أن الضريبة تكون غالية.

"النهار العربي" التقى المخرج عز العرب العلوي وأجرى معه الحوار التالي:

* هل توقعت أن تبث قناة عمومية فيلم " كيليكيس .. دوار البوم" المتحدث عن سجن تزمامارت؟

في الحقيقة لم أكن أتوقع أن تبث "القناة الأولى" الفيلم، ولم أكن أتوقع من قبل أن تقبل الدخول في إنتاج مشترك لأن الموضوع حساس للغاية ولن تتحمله سوى القاعات السينمائية. ولا ننسى أن هذا الفيلم حطم كل الأرقام القياسية في الحضور في المحافل الدولية، فحتى الآن شارك الفيلم في 63 مهرجاناً دولياً، وفي أميركا وحدها شارك في أربعة مهرجانات كبرى، وحصل على جائزة أفضل ممثل لمحمد الرزين.

كنت دائماً أتلقى سؤالاً تقليدياً تقريباً في كل الملتقيات الدولية، وهو "هل ستسمح الدولة المغربية بعرض هذا الفيلم في القاعات السينمائية فما بالك في التلفزيون؟". ويمكن اعتبار الأمر دبلوماسية موازية لتسويق جهود الدولة المغربية في القطع مع الخروقات التي عرفها ملف حقوق الإنسان في سنوات الرصاص. والسينما حتماً خير سفير لذلك، وهنا أخص السينما الواعية بأدوات اشتغالها والتي يتم استقبالها بشرف في المهرجانات الدولية وليس سينما "البروباغندا" التي لا تستطيع تجاوز المكان الذي صورت فيه.

بادرة عرض الفيلم في التلفزيون المغربي الرسمي فاجأتني في الحقيقة، فهذا القرار الشجاع وهذا الانفتاح على الحريات لم نعهده في العالم العربي. وهذه بادرة تحسب لقناة عربية رسمية. لا بد من الإشارة إلى أن هذا الأمر فاجأ الجمهور أيضاً لأنه لم يكن معتاداً على هذا المنسوب من الجرأة على مستوى الحريات رغم أن المغرب دخل في عهد جديد في إطار جبر الضرر للمتضررين من أخطاء الماضي وعقد المصالحة على أن لا نعود إلى سنوات الرصاص، ولكن الإعلام رغم ذلك ظل يراوح مكانه. فجاء عرض هذا الفيلم في قناة عمومية بداية موفقة لكسر جمود الإعلام الرسمي الذي ظل حبيس مقعد المتفرج لزمن طويل.

* كيف كانت الأصداء عقب العرض على شاشة التلفزيون؟

كان تجاوب الشعب المغربي كبيراً  لأن منسوب الحرية على شاشة وطنية يبعث نوعاً من الطمأنينة لدى المواطنين، يشعرون بأن حرية التعبير مكفولة من طرف الدولة، وأن بإمكاننا التعبير عما نشعر به من دون خوف ولا رهبة. وهذا يعطى شعوراً بالافتخار كوننا في بلد خَطا أشواطاً طويلة في ترسيخ الديموقراطية والحريات. أقول خطا وما زلنا في الطريق طبعاً، ولكن التميز واضح مقارنة بالعالمين العربي والأفريقي، وحتى الآسيوي في هذا المجال.

* "كيليكيس .. دوار البوم" ما معنى كيليكيس وما دلالاتها، ولماذا تسمية دوار البوم تحديداً؟

كيلكيس هو قن أو "كود" كان يستعمله المعتقلون في معتقل تازمامارت، من أجل التواصل من دون أن يشعر الحراس بمضمون تواصلهم. وكيليكيس من المصطلح الفرنسي Qu’est ce qu'il y a "ماذا هناك".

أما "دوار البوم" (قرية البوم)، فيُحيلنا إلى الخلفيات الثقافية للمجتمعات الشمالية والجنوبية، فالغرب يعطي للبومة قيمة ويبوِّئها مكانة الحكيم وهذا بادٍ في إنتاجاته السينمائية، إذ تلعب البومة دور الحكيم دائماً. لكن في المجتمعات العربية تمثل البومة رمزاً للشؤم والخراب، وبذلك فالبوم يحمل معنيين بحسب الموقع الذي أنت فيه. فالغرب حينما ينظر إلى المعتقلين السياسيين يعتبرهم رموزاً للتحرر والانعتاق وبالتالي هم يدافعون عن المواطنين، لتحسين الأوضاع السياسية في أي مكان. لكن من الزاوية الأخرى فالمجتمع العربي ينظر إلى المعتقلين السياسيين كمخربين كانوا سيهدمون المجتمع بثقافتهم الغربية وبأنهم جالبو شؤم وخراب. إذن فالبوم يجسد فعل زوايا النظر للمعتقل والمعتقلين.

* نال الفيلم عشرات الجوائز على المستوى الدولي، فهل احتفى به المغاربة كما ينبغي؟

الفيلم كما قلت سابقاً، لعب دور الدبلوماسية الموازية في أكثر من ستين محفلاً دولياً في الخارج، وربما ما قام به هذا الفيلم لم تقم به الدعاية المباشرة التي كانت موازية أيام الإنصاف والمصالحة. وهذا في المناسبة مساهمة الفنان في حبه لهذا الوطن. حب بطريقة عقلانية تنفع الوطن ولا تضره، أما في ما يختص باحتفال المغاربة بالفيلم كشعب ومتفرجين فقد كان الاحتفال به كبيراً ولحد الآن، وتم عرضه في الكثير من مقار الجمعيات الحقوقية وفي القاعات السينمائية.

رغم ذلك، تعرض الفيلم في المهرجان الوطني للفيلم إلى حيفٍ واضح وظلم لا أدري مصدره، ومن الواضح أنه كانت هناك رغبة في دفنه في المهد، أي في أول عرض حتى لا يثير الانتباه إليه، لكنه بهذا الفعل تمكن من النجاح في المحافل الدولية وحطم رقماً قياسياً في عدد الجوائز التي نالها والمهرجانات التي شارك فيها.

وحتى حينما أخد الجائزة الأولى له في مهرجان وهران للفيلم العربي كأحسن إخراج، مالت الصحافة الوطنية إلى أطروحة المؤامرة، والى أن الجزائر توجت هذا الفيلم نكاية بالمغرب وهذه نظرة شوفينية ضيقة، لكن حينما انهالت عليه الجوائز من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وأميركا وفلسطين ومصر وهولندا، راجعت الصحافة الوطنية موقفها واحتفلت بالفيلم كإبداع وليس كمضمون حقوقي. وهذا أمر تعرضت له أفلام سينمائية كثيرة داخل المغرب وخارجه. لكن الآن أخذ الفيلم مكانته الحقيقية وأصبح صرحاً من صروح الأفلام المغربية الجادة والجيدة بشهادة عالمية.

* طيلة الفيلم تتبع الكاميرا السجان، تصرفاته ومشاعره وما يختلج داخله وحتى لحظات ضعفه؟ هل كان من اليسير أن توجه رسالتك عبر السجان عوض الحديث عن المسجونين؟

أظن أن مقاربة موضوع حقوق الإنسان من وجهة نظر المعتقلين هي مقاربة كلاسيكية متجاوزة، فكان من الضروري البحث عن مقاربة جديدة مغايرة وإلا سأكون أكرر الأطروحات السابقة  نفسها. بالإضافة إلى أن هذا الطرح الذي اعتمدت عليه وسمّيته بـ (التعبير بالمرآة) هي مقاربة ساعدتني في قراءة وجه السجان للوصول إلى معاناة السجين، بخاصة أن السجان يتواجد في المعتقل من دون قضية، هو موظف لا يبرح المعتقل إلا نادراً ويحمل على ظهره وزر عذاب الضمير وهذا أفظع من معاناة السجين الذي على الأقل وجوده في المعتقل كان نتيجة اختيار ولأجل قضية ما.

الكاميرا لم تدخل الزنازين ولكن كنا نشعر بالمعتقلين وكنا نضيف إلى عذاباتهم تصوراتنا لمفهوم العذاب وهذا كان يذكي الصراع ويخلق اندماج المتلقي مع الفيلم لأنني تركت له المساحة لكي يشارك بخياله بشكل كبير. تركت جانب المعتقلين خارج الإطار للمشاهد، وتكفلت أنا كمخرج بالجانب المرئي الخاص بالسجان، وهكذا نكون قمنا بتوزيع الأدوار بحيث نكون ساهمنا جميعاً في إنجاز هذا الفيلم. وهذا ربما ما خلق تعاطفاً كبيراً مع الفيلم لأنك تشعر بأنك ساهمت في تكوين حبكته وأكملت مشاهده الناقصة خارج الإطار.

* هل وصلت هذه التيمة للجمهور وهل تقبَّلها؟

في هذا الأمر يمكن القول إن الجمهور ينقسم إلى قسمين، قسم له الخلفية التاريخية التي تؤطر الحدث في سنوات الرصاص وقسم آخر أغلبه من الشباب لا خلفية له على الإطلاق. إذن فالقسم الأول كان مندمجاً كل الاندماج مع الفيلم لأنه يجسد مرحلة من المراحل الحارقة في تاريخ المغرب.

ومن هؤلاء من بكى وسط القاعة السينمائية وما زلت أذكر دموع المناضل الكبير صلاح الوديع وشهادته الكبيرة حول نجاح الفيلم. أما أغلبية الشباب فقد حضروا لمشاهدة فيلم مغربي فقط لكنهم اصطدموا بتيمته وأحداثه التي لم يسمعوا عنها من قبل وبالتالي دفعهم الأمر إلى التساؤل عن هذه المرحلة والرجوع إليها ثم إعادة المشاهدة من جديد.

* هل واجهت أي عراقيل خلال الاشتغال على الفيلم (مؤسسات رسمية مثلاً)؟

حضور المجلس الوطني لحقوق الإنسان جهة رسمية في إنتاج الفيلم ساعدني كثيراً في مواجهة من ظلوا بعقليات سنوات الرصاص. للأسف كانت هناك بعض الجهات التي لم تستوعب الخط الجديد الذي اختاره المغرب.

ربما العقليات لم تستوعب ذلك، فرغم أن المغرب عبر قرارات جهات عليا، يدفع في اتجاه مرحلة جديدة وتجلى ذلك في إنتاج مشترك مع "القناة الرسمية الأولى" وصندوق الدعم المغربي، إلا أن مؤسسات أخرى وشركات فضلت أن لا تساهم وأن لا تقرب هذا الفيلم نهائياً، بل هناك من عرقل إنجاز هذا الفيلم بشكل واضح وصريح، رغم أن المركز السينمائي كان قد منحنا كل التراخيص وكل التسهيلات للعمل. لكن جهات أخرى أبت المشاركة وهذا أثّر قليلاً في بعض المشاهد مثلاً التي كانت تحتاج إلى استعمال طائرة الهيليوكوبتر أو التصوير بالدرون أو استعمال معدات عسكرية، كل هذه الأمور تم رفضها ولم نستفد من أي دعم من أي مؤسسة أخرى، غير التي ذكرت، بل حتى إن الشركات رفضت أن تمنحنا الماء المعدني كمساهمة منها كما تساهم مع باقي الأفلام.

وفي بعض الأحيان كنا ندفع ثمناً باهظاً أكبر بكثير مما تدفعه الأفلام المغربية الأخرى. فقط لأجل إضعاف القدرة المادية للفيلم وبالتالي استسلامه للتوقف وربما الفشل. كنا نشعر بالحيف والظلم ولكن إيماني بعدالة الموقف ورغبتي الأكيدة في المساهمة في تحديث هذا الوطن الذي أشعر به في دواخلي جعلاني أستمر إلى مرحلة خروج الفيلم الذي عملنا فيه لمدة خمس سنوات.

* هل اعتذر أي من الممثلين المغاربة عن العمل بسبب موضوعه، وكيف كانت ردود فعلهم حين تحدثت لهم عن فكرته؟

لم يعتذر أحد من الممثلين الذين وجهت اليهم دعوة المشاركة. فقط الممثلة القديرة ثريا جبران اعتذرت لظروف صحية، لكن رغم ذلك كان لها موقف نبيل وساعدتني في الكثير من المواقف. بل يمكننا القول إن كل الممثلين كانوا مسرورين جداً لأنهم يشتغلون في فيلم بهذا الحجم وبهذه التيمة الوازنة. حتى أن الكثير منهم رفضوا الحديث حول الأجر ولم يطالب أحدهم بأجر زائد رغم أننا تجاوزنا مدة التصوير. يمكنني أن أقول إن الممثل والتقني في هذا الفيلم كانا عوناً وسنداً لي في محن كثيرة مر بها تصوير الفيلم.

* "أندرومان من دم ولحم" "ودوار البوم"، فيلمان طويلان في مسيرتك بالإضافة لأفلام قصيرة ووثائقية أخرى، هل يؤمن العلوي المحرزي بالكيف والجودة عوض الكمّ؟

هذا حكم لا أستطيع اتخاذه بمفردي. فالجودة نسبية ولا يمكنني أن أصنف عملاً من أعمالي في إطار الكمّ. فأنا سأنحاز إليها وأصنفها كلها في إطار الكيف. أولاً بحكم نجاحاتها وثانياً بحكم الزمن الذي قضيته في إنجازها. فالكم يرتبط بالزمن بشكل كبير بمعنى أن تنجز أعمالاً كثيرة في ظرف زمني وجيز وتكون ضعيفة الجودة. خد مثلاً أفلامي السينمائية، فأنا أنجزت فيلمين طويلين في ظرف عشر سنوات بمعنى خمس سنوات للفيلم الواحد وهذا إن كان يدل على شيء فإنما يدل على الرغبة في تحقيق الكيف، فإن نجحت فلي أجران وإن لم انجح فلي أجر المحاولة.

* المشترك بين الفيلمين تركيزهما على "المعذبين فوق الأرض" إن جاز التعبير، فهل ينهلان من روح ورسالة واحدة؟

ينهلان من رؤية فلسفية ونظرة واحدة للوجود وهي أن الفنان يجب أن يمثل الطبقة الاجتماعية التي لا صوت لها. ويجب أن ينحاز الى مناطق الظل التي لا تصلها أضواء الدولة. وفيلم "أندرومان" و"كيليكيس" ينهلان من التيمة نفسها  ألا وهي الانتصار للإنسان ولا شيء غيره.

* هل من فكرة لفيلم سينمائي جديد؟ وهل تحضر لعمل جديد/ وثائقي أم فيلم قصير؟

انتهيت أخيراً من تصوير فيلم وثائقي عن العلامة الشيخ ماء العينين وهذا طبعاً تماشياً مع الطرح الذي أتبناه وهو العمل على رموز الوطن حتى تكون نبراساً ومنارة تنير درب الشبيبة المغربية. وكنت اشتغلت من قبل على محمد عابد الجابري وعلى المهدي المنجرة وعلى المكي الناصري وعلى عمر بنجلون وعلى محمد عبدالكريم الخطابي، بالنسبة اليّ هذه مساهمتي بتثبيت دعائم هذا الوطن بتقديم نماذج مؤثرة في المجتمع المغربي.

بالنسبة الى السينما أنا أشتغل في الاتجاه  نفسه ألا هو الانتصار للإنسان، وأترك طبيعة موضوع الفيلم لحوار آخر تكون الأمور فيه قد نضجت بما فيه الكفاية.
الكلمات الدالة