"صاحب المقام" في مقامٍ مختلف عليه

المصدر: النهار العربي
زياد عبدالله
صاحب المقام
صاحب المقام
A+ A-
 
 
يدفع فيلم "صاحب المقام" إخراج محمد العدل وتأليف إبراهيم عيسى، إلى تتبع ما قدّمه الأخير في فيلمين سابقين من تأليفه، الأول هو "مولانا" 2016 عن رواية بالعنوان نفسه لعيسى أعدها وأخرجها مجدي أحمد علي، والثاني "الضيف" 2018 (إخراج هادي الباجوري)، تمركزاً حول شخصية رئيسية، تدور في فلكها كل الأحداث، وتشتبك بالواقع وتصطدم بآليات الدولة في الهيمنة على المجتمع وبنيتها البوليسية، ومعها المكرّس من أفكار رجعية ومتطرفة ونحو ذلك مما ترحب به الأجهزة الأمنية طالما أنها أداة من أدوات السيطرة، وتحت رعايات متعددة ومتداخلة على أصعدة عدة سياسية واقتصادية واجتماعية، تفضي إلى بناء شبكة من المصالح مع النخب الثقافية والدينية ونحو ذلك.
 
فكما يقول الشيخ حاتم (عمرو سعد) في "مولانا": "لتكون هناك سلطة يجب أن يكون هناك عبيد، وليكون الأمان يجب أن يُزرع الخوف، وإيجاد حلّ يتطلب مشكلة."، بينما يكون الدكتور حمزة (خالد الصاوي) في "الضيف" على صدام مع من "يكفّرون الشجر ذاته، وليس الطير على الشجر حسب ابن تيمية"، ولتتحول عملية اختطافه هو وزوجته وابنته إلى مناظرة دينية بينه وبين السلفي الإرهابي. إنهما فيلمان يرصدان صدام الأفكار التنويرية بالبنى الرجعية البالية، وانتقال الهامشي إلى الأضواء عبر وسائل الإعلام، فالشيخ حاتم هو رجل الدين النجم جراء شخصيته المحببة وسماحته، وقبل ذلك حضوره على التلفزيون ووسائل الإعلام، بينما يمثّل الدكتور حمزة المثقف المؤثر بأفكاره الصدامية مع الجماعات الجهادية والسلفية، ما يجعله عرضة للتهديد والمحاكمة بتهمة "ازدراء الأديان".

 

سيناريو "صاحب المقام" الذي جاء عرضه أولاً على منصة شاهد قبل عرضه في دور السينما، بعيد  كل البعد عما تقدّم وعلى أصعدة عدة، إلا إذا استثنيا الحرص على ما له أن يكون موجهاً أو ما دُرِج على تسميته بــ "رسالة" الفيلم  – طالما أن مقاربتي له أتت من باب المؤلف صاحب الحضور الطاغي في أفلمة أرائه ومقارباته في فيلميه السابقين – إذ إن مقاربة الواقع هنا تأتي من باب النخبة الاقتصادية هذه المرة، ودنيا المال والأعمال، المتجسدة بشخصية يحيى (آسر ياسين)، صاحب الاستثمارات والشركات، وكل ما يطالع المشاهد من مواقف في بداية الفيلم تضيء على شخصية ناجحة لا تعبأ بشيء سوى بمشاريعها وأرباحها ومكتسباتها، ولا يمكن لأي شيء أن يحيد بيحيى عن ذلك، لا زوجته ولا ابنه، فهو عملي جداً، وبرغماتي إلى أقصى درجة البرغماتية، وبارع في كل ما يقوم به، كما تظهر لنا المفاوضات التي يجريها مع خاطفي موظفي إحدى شركاته العاملة بالعراق، أو في قراره إزالة مقام ولي من أولياء الله الصالحين، والذي يقف حجر عثرة أمام مشروع مجمع سكني قيد الانشاء، ولعبة الشد والجذب التي يصوغها على وسائل التواصل الاجتماعي في تحريض السلفيين على هذا المقام، المناهضين أصلا لهذا المقام وأي مقام آخر.
 
سيتحول إقدام يحيى على هدم المقام، نقطة الانعطاف في الفيلم، والبؤرة الدرامية الرئيسة التي ستنطلق منها كل أحداثه، بما ذلك التحول في شخصية يحيى، إذ ستتوالى المصائب عليه بمجرد اقترافه هذا "الذنب"، إذ سيتعرض لانتكاسة في البورصة، ويحترق بيت من بيوته الكثيرة، وصولاً إلى نزيف الدماغ المفاجئ الذي سيصيب زوجته رندة (أمينة خليل)، ما يدخلها في غيبوبة، وللدقة في حالة يجدها الطب محيّرة، تدفع يحيى نحو المقامات والمزارات، وبالتالي الاتصال بالطبقات الدنيا المجهولة تماماً بالنسبة إليه، ولتقوده هذه الرحلة إلى مقام الإمام الشافعي، حيث يضع زواره رسائل تحمل التماسات ومطالب ترتجي شفاعته، فيتوصل يحيى إلى أن أفضل ما عليه القيام به للتكفير عن لا مبالاته السابقة، وغروره بمتاع الدنيا، ألا وهو تلبية طلبات أصحاب الرسائل، ما يفتح الباب على مصراعيه على قصصهم وانغماس يحيى بها، بانتظار أن تشفى زوجته، وقد بدى جلياً أن مرضها نوع من العقاب الغيبي بيحيى، وثمة من اسمها روح (يسرا) تتواجد في المستشفى وفي كل مكان بوصفها "روحاً" وشخصية من لحم ودم في آن معاً، تتولى إرشاده بمسحة صوفية وإنسانية، وإشارات تنير الدرب ليحيى وتعيده إلى جادة الصواب والصلاح والإحسان، وتنمية قيمه الروحية الغائبة عنه.

 
من الواضح جداً أن منطق الفيلم مبني على الدعوة إلى استرداد قيم الإسلام السمحاء، والانحياز لقيم المحبة والبر والإحسان، والروحي على حساب المادي، واستبعاد الفجاجة والتجهم وارتباطهما بأشياء من قبيل الفتاوى والتحريم والتحليل، واتخاذ القيم الصوفية والروحية العميقة معبراً نحو علاقة الإنسان بخالقه ومحيطه، وليجد في المقامات والمزارات ضالته، وتعزيز دورها، والتي تشكّل واقعياً عزاء وهمياً للبسطاء والفقراء، أو مخدّراً أمام عسف الحياة وظلمها، والوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المتردي، وواقع يقول لها ما من عزاء سواها. في هذا السياق يتحول يحيى إلى مرسال الإمام الشافعي الذي يهبط على أناس تطحنهم الحياة، يجدون فيه بارقة أمل طالما أن الإمام استجاب لهم أخيراً، وهذا يكفيهم. أو عبر تحقيق يحيى لهم مطالبهم التي قد تكون مستحيلة نظراً لأوضاعهم المتردية، وقد انطلق نحو ذلك من اعتقاد غيبي، لم يكن بداية يؤمن به، فإذا بسياق الأحداث تقول له: هذا حقيقي جداً، وإياك أن تستهر به، وإلا فقدت زوجتك وجاهك وعزك.
 
لا يسترد يحيى إنسانيته إلا بما تقدم، ولا ينفض عنه قسوته وغروره ويمضي في درب البر والإحسان إلا بزيارة الأضرحة!  ولعل التأسيس على ذلك مدعاة للتوقف أمام منطق قدري وغيبي، وخطاب ساذج، معادله الواقعي حسر مشكلة المهمّشين بأساليب العبادة، واستبعاد شرور الفقر والجهل والظلم، وهو أمر "مختلف عليه" بحق، عنوان برنامج إبراهيم عيسى التنويري والمهم على قناة الحرة، نعم مختلف عليه مثله مثل المعتقدات البالية والأفكار الرجعية التي يتصدى لها عيسى في ذلك البرنامج. 
 
الكلمات الدالة